صحيفة “إل موندو” الإسبانية: الخناق يضيق على سامي بقل المتواري في إيران
كشفت صحيفة “إل موندو” الإسبانية في تقرير مفصل حول لائحة الاتهام التي قدمها القاضي الإسباني بشأن محاولة الاغتيال الإرهابية ضد البروفيسور ألخو فيدال كوادراس، أن حلقة الحصار تضيق حول سامي بقل، الذي يُعتقد أنه يختبئ في إيران. ويُوصف بقل بأنه “المفتاح” الذي يربط بين القتلة المأجورين التابعين لنظام الملالي ومافيا “موكرو” في الهجوم.
بقل هو المتهم الوحيد الذي لا يزال هارباً في قضية محاولة اغتيال فيدال كوادراس، ويعتقد القاضي بيدراس أنه وجد ملاذاً له في إيران.
ونقلت الصحيفة عن ألخو فيدال كوادراس قوله الأسبوع الماضي: “أنا بخير الآن، لكن التعافي كان صعباً حيث اضطررت للخضوع لعملية جراحية لإعادة بناء الفك وفترة طويلة من إعادة التأهيل”.
وأضاف التقرير أنه من خلال تتبع خيط دراجة نارية مسجلة في ملقة عُثر عليها محترقة في فوينلابرادا، تمكن المحققون حتى الآن من إلقاء القبض على ٧ أشخاص بالإضافة إلى مطلق النار. ومن بين المعتقلين جميع الذين يلاحقهم القاضي بيدراس الآن. الشخص الذي لا يزال طليقاً هو المتهم الرئيسي في هذه المؤامرة، وهو مغربي المولد من بالما دي مايوركا يدعى سامي بقل، ويُعرف بأنه حلقة الوصل مع النظام الإيراني.
ووفقاً للقاضي بيدراس، لا شك في أن بقل كان منسق الهجوم والوسيط المباشر بين من أصدروا الأمر والمتهمين الثمانية الآخرين المسؤولين عن التنفيذ. ويقول القاضي في لائحة الاتهام: “هناك أدلة تشير إلى أن بقل سافر إلى إيران وأنه يختبئ هناك، فاراً من وجه العدالة”. وأضاف: “بعد تحديد يوم الهجوم، غادر سامي بقل إسبانيا قبل ساعات قليلة [من محاولة اغتيال فيدال كوادراس]. ومنذ تلك اللحظة، حاول الاختباء في دول مختلفة، إلى أن حاصرته سلطات الشرطة، وإدراكاً منه للخطر الذي يتهدده، يُحتمل أنه لجأ إلى إيران”.
ويشير تقرير “إل موندو” إلى تصريحات فيدال كوادراس الذي أكد وجود “مجموعة من الأدلة القاطعة التي تشير دون أدنى شك إلى النظام الإيراني”. وقال: “أولها وأوضحها هو أنني أدعم المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية منذ أكثر من ٢٠ عاماً. كنت أفعل ذلك عندما كنت عضواً في البرلمان الأوروبي وواصلت ذلك بعده. لقد بذلت جهداً كبيراً لإخراجهم من قوائم الجماعات الإرهابية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي”.
وتابع كوادراس: “في أكتوبر ٢٠٢٢، وُضع اسمي على رأس قائمة سوداء إيرانية، أُعلنت فيها عدواً للنظام. كانت هذه طريقة واضحة جداً للقول إنني تحت المراقبة، لذلك اتصلت بوزارة الخارجية الإسبانية”.
وفي السياق ذاته، يعتقد القاضي بيدراس أنه كان هناك تحذير موجه للحكومة الإسبانية بتاريخ ١٤ نوفمبر ٢٠٢٣ من وكالة أنباء فارس، التابعة لـحرس النظام الإيراني، أشارت فيه إلى أن إيواء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية سيكون له عواقب وخيمة على إسبانيا، وفي هذه الحالة، على فيدال كوادراس.
كما أوضح فيدال كوادراس: “كانت هناك محاولات سابقة أخرى من جانب إيران لاغتيال قادة غربيين، أحبطها مكتب التحقيقات الفيدرالي وأجهزة استخبارات أخرى. لقد تعقبني الجناة لأسابيع ولكن لم يفعل أحد شيئاً حتى وقت الهجوم. الآن لدي حماية جيدة جداً”.
ويضيف تقرير “إل موندو” أن العملية كانت خطة دقيقة نفذتها مجموعة من ٨ مجرمين. بناءً على تعليمات بقل، كانت الخطوة الأولى هي جلب مطلق النار الرئيسي، مهرز عياري، إلى إسبانيا، الذي وصل إلى برشلونة في ٢٦ أغسطس ٢٠٢٣ بتذكرة أعدها شقيقه. ثم سافر إلى ملقة حيث التقى ببقل نفسه. في المرحلة الثانية، قاموا بتأمين دراجة نارية لعياري للوصول إلى الضحية والهرب بعد إطلاق النار.
وتم عقد اجتماعات لأعضاء العصابة في مناطق مختلفة. في الأيام التي سبقت ٩ نوفمبر، قام القاتل باستطلاع المنطقة التي يسكنها فيدال كوادراس، حيث التقطته كاميرات المراقبة. وفي يوم الهجوم، تعقب الضحية من حديقة ريتيرو إلى باب منزله وأطلق النار عليه من مسافة قريبة. تم الهروب كما هو مخطط له: أحرقوا الدراجة النارية ولجأ القاتل إلى فندق قبل مغادرة إسبانيا.
وتؤكد الصحيفة أن مهرز عياري ليس قاتلاً مأجوراً هاوياً، بل هو مجرم محترف مندمج بعمق في هيكل مافيا “موكرو”.
“المهمة أُنجزت”
تم توثيق رحلات سامي بقل إلى كولومبيا والبرازيل وتركيا وإسبانيا وقطر والمغرب، حيث فر قبل ٢٤ ساعة من الهجوم. وبعد تنفيذ العملية، تلقى رسالة نصها: “المهمة أُنجزت”. كما ربطته الشرطة بعمليات قتل مأجورة أخرى، بما في ذلك مقتل مواطن عراقي.
عراقجي لصحيفة “لوموند”: تأثير “آلية الزناد” لا يختلف عن هجوم عسكري
في مقابلة مع صحيفة “لوموند” الفرنسية، أكد المسؤول الإيراني عباس عراقجي أن بلاده تتعامل بـ”عقل منفتح” تجاه الحوار مع واشنطن بشأن الملف النووي، لكنه استبعد بشكل قاطع أي مفاوضات حول برنامج إيران للصواريخ الباليستية.
وقال عراقجي: “يجب أن يكون هناك ضمان بأن الولايات المتحدة لن تشن هجومًا عسكريًا في المستقبل في خضم المفاوضات“. وأضاف: “تجري حاليًا بعض الاتصالات الدبلوماسية بوساطة بعض الدول الصديقة أو الوسطاء”.
الرد على تهديدات ترامب
وفي رده على سؤال حول تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه “أنقذ خامنئي من الموت” وتهديده بشن هجمات جديدة إذا استأنفت إيران تخصيب اليورانيوم، قال عراقجي: “إن الولي الفقيه خامنئي، بالإضافة إلى البعد السياسي لمنصبه، يتمتع بمكانة فريدة في الدستور الذي أقره الشعب الإيراني. لن نسمح لأي شخص بأن يحرمنا من الإرادة التي عبر عنها الشعب الإيراني من خلال التهديد بالحرب”. (يشير عراقجي هنا إلى تصويت مجلس خبراء النظام على الخلافة المؤقتة لخامنئي بصفته وليًا فقيهًا).
التخصيب و”آلية الزناد”
وفيما يتعلق بمسألة التخلي عن تخصيب اليورانيوم، أوضح عراقجي: “مبدأ تخصيب اليورانيوم هو حق لإيران وحاجة لها في نفس الوقت، ولكن يمكن التفاوض حول بعض التفاصيل في إطار اتفاق متوازن ومتبادل ومضمون”.
وعندما سأله مراسل “لوموند” عن إمكانية أن تقوم الأطراف الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي بإعادة فرض بعض العقوبات التي تم رفعها بموجب الاتفاق (عبر ما يسمى “آلية الزناد” أو “snapback”)، قال عراقجي: “نحن ندعم الدور البناء لفرنسا وألمانيا وبريطانيا في إعادة بناء وإحياء الاتفاق النووي، شريطة أن يتجنبوا الإجراءات الاستفزازية وغير البناءة، مثل التهديد باللجوء إلى آلية ‘الزناد’، التي لن تختلف تأثيراتها عن هجوم عسكري”. وأضاف: “من وجهة نظرنا، فإن مثل هذا الإجراء سيعني نهاية دور فرنسا وأوروبا في ملف البرنامج النووي السلمي الإيراني”.
وحول احتمالية الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT)، قال عراقجي: “ليست لدينا مثل هذه النية بعد”.
اعتقالات واسعة وتصاعد موجة الإعدامات مجددًا رغم أيام محرم – تنفيذ ما لا يقل عن 14 إعدامًا من 7 إلى 9 يوليو إعدامات وحشية وقاسية لسجينين في العلن بمدينتي مياندوآب وبوكان، وإعدام سجينة في مدينة قم دعوة إلى تحرك فوري لإنقاذ أرواح المحكومين بالإعدام
في ظل الحصار الخانق للأزمات الداخلية والخارجية، وتصاعد مخاوف النظام من انفجار غضب الشعب، لجأ علي خامنئي، الولي الفقيه المأزوم لنظام الملالي، إلى إطلاق موجة جديدة من الاعتقالات الواسعة في صفوف الشباب، وتنفيذ سلسلة من الإعدامات الوحشية.
ففي مشاهد صادمة من القسوة، أقدم جلادو النظام صباح اليوم، 12 يوليو، على شنق أحد السجناء في ساحة عامة بمدينة بوكان، في حين نُفّذ إعدام علني آخر بتاريخ 9 يوليو في مدينة مياندوآب.
وفي ذات اليوم، 9 يوليو، تم تنفيذ أحكام الإعدام بحق 6 سجناء آخرين، من بينهم ناصر كاظم زاده (26 عامًا)، ومحمد طيب عبد اللهي في سجن عادل آباد بمدينة شيراز، وأحمد علي مهدي نجاد في سجن نهاوند، وسعيد مهرابي، وعبد الحسين جابري، وأمين شكري بور في سجن كرج المركزي.
وفي 10 يوليو، تم إعدام جعفر خوشكلام في سجن لاكان بمدينة رشت.
أما يوم الثلاثاء، 8 يوليو، فقد تم تنفيذ أحكام الإعدام بحق 4 سجناء: مهران حبيبي (34 عامًا)، وعلیرضا باقري (40 عامًا)، وإسماعيل وليبور في سجن زنجان المركزي، ومجيد رحماني (35 عامًا) في سجن سبيدار بمدينة الأهواز.
وفي يوم الاثنين، 7 يوليو، أُعدم 3 سجناء هم: أمين خسروي (38 عامًا) وسعيد أسدزاده في سجن تبريز المركزي، وجواد ياربيغي في سجن أراك المركزي.
وفي 2 يوليو (الأربعاء)، أُعدم جبار بورمحمدي مغاني في سجن زنجان المركزي، بينما في 1 يوليو (الثلاثاء)، أُعدم حسين علي عابدي (25 عامًا) في مدينة أهر، وفي اليوم الذي سبقه، 30 يونيو، أُعدم 3 سجناء هم: أحمد رضا ديده بان، ومظفر نجاري في سجن شيراز المركزي، وسجين ثالث في سجن تايباد.
كما أُعدم بابك مصطفوي (27 عامًا) في نيشابور بتاريخ 28 يونيو (السبت). وفي 25 يونيو، تم تنفيذ حكم الإعدام بحق 9 سجناء، من بينهم مسعود جعفري (27 عامًا)، قربان زينالنوري، وماهان ماهيني في سجن دستغرد بأصفهان، وأحمد وباشا وسجين ثالث في سجن وكيلآباد بمدينة مشهد. وقد وردت أسماء السجناء الثلاثة الآخرين في بيان سابق.
أما في 24 يونيو، فقد تم تنفيذ حكم الإعدام بحق 6 سجناء، من ضمنهم امرأة تُدعى طلعت سبزي، وهادي نصري (26 عامًا)، وفريدون نظيري (36 عامًا)، وحسن رستمنجاد، وعظيم محمدي في سجن قم المركزي، إضافة إلى حبيب سليماني في سجن أراك.
وفي 22 يونيو، أُعدم هدايت منشارى (29 عامًا) في سجن أردبيل.
ومن جهة أخرى، أفادت التقارير أن ثلاثة من السجناء العرب المحكومين بالإعدام، وهم: معين خنفري، وعلي مجدم، ومحمد رضا مقدم، قد نُقلوا إلى زنازين انفرادية في سجن سبيدار بالأهواز تمهيدًا لتنفيذ حكم الإعدام بحقهم.
المقاومة الإيرانية تجدّد دعوتها إلى الأمم المتحدة والهيئات الدولية المعنية لاتخاذ تحرّك عاجل لإنقاذ حياة المحكومين بالإعدام، وتطالب بإيفاد بعثة دولية لتقصي الحقائق لزيارة السجون الإيرانية والالتقاء بالمعتقلين، ولا سيما المحكومين بالإعدام.
غروسي: مراقبة صارمة يمكن أن تمنع إيران من إنتاج الأسلحة سراً
في أعقاب التوترات العسكرية الأخيرة، عاد الملف النووي الإيراني إلى صدارة الاهتمام الدولي، حيث تباينت المواقف بين التحذير من قدرات طهران الكامنة والدعوة إلى رقابة صارمة، والتأكيد على تراجع البرنامج نتيجة للضربات الأخيرة.
غروسي: الرقابة الصارمة هي الضمان الوحيد
صرح رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن إيران تمتلك القدرة على صنع سلاح نووي، وأن الرقابة المشددة هي السبيل الوحيد لمنع إنتاجه سراً.
وفي تصريحات لصحيفة “جمهورية بولندا” (Rzeczpospolita) البولندية،قال غروسي: “في تقرير الوكالة الذي سبق حرب الـ12 يوماً، حذرنا من أن إيران لا تبلغ عن العديد من أنشطتها النووية. هناك فرق بين أن يكون لدى النظام الإيراني القدرة على امتلاك سلاح نووي، وبين أن يمتلكه بالفعل. بياناتنا تشير إلى وجود قدرة كامنة لصنع قنبلة”.
وأضاف غروسي أنه لا توجد أدلة على وجود سلاح نووي فعلي في البلاد، لكن طهران لديها الإمكانية. وأوضح أن “صنع قنبلة نووية قد يستغرق من إيران عدة أشهر أو أكثر، لأنه يتطلب تحويل اليورانيوم المخصب إلى معدن وبناء أنظمة معقدة مثل آلية التفجير”. وشدد على أن “الرقابة الصارمة وحدها يمكن أن تمنع الإنتاج السري للسلاح”.
من جهة أخرى، نقلت شبكة “فوكس بيزنس” عن رئيس الوزراء الإسرائيلي قوله إن إيران لن تتابع برنامجها النووي بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل الشهر الماضي. وقال نتنياهو: “أعتقد أن الإيرانيين أدركوا أن ما فعلته أمريكا وإسرائيل مرة واحدة، يمكنهما تكراره مرتين وثلاث مرات”.
وأضاف المصدر أن نتنياهو بدا وكأنه يناقض تصريحات لإدارة ترامب، حيث قال مستنداً إلى معلومات استخباراتية إسرائيلية: “نعتقد أننا نعرف أين وكيف تم إخفاء هذا اليورانيوم تحت الأرض”.
وأكد نتنياهو أنه يعتقد أن إيران، حتى لو نجحت في نقل بعض اليورانيوم المخصب من موقعها النووي الرئيسي، فإنها لا تملك القدرة على صنع سلاح نووي بسبب الأضرار التي لحقت بأجزاء أخرى من برنامجها للتسلح النووي. وقال: “اليورانيوم المخصب ليس كافياً لصنع قنبلة ذرية. إنه مكون ضروري، ولكنه ليس كافياً”.
في السياق ذاته، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوضوح أنه لن يُسمح لطهران بامتلاك برنامج لتخصيب اليورانيوم، لكنه أشار أيضاً هذا الأسبوع إلى أنه مستعد لرفع العقوبات عن إيران.
قوزاق تلطخت يداه بدماء أنبل قادة الثورة الدستورية ونصبته قوى الاستعمار ملكـا
تقديم
تعد هذه الدراسة الوثائقية مراجعة لجزء من تاريخ إيران الذي تعرض للتحريف من جوانب متعددة.
تقدم هذه الدراسة نظرة على: الثورة الدستورية وقادة الثورة الدستورية والقوزاق الذي أصبح قاتلًا للعديد من قادة تلك الثورة، أمثال ميرزا كوجك خان والعقيد محمد تقي بسيان، أي “رضاخان القوزاق”!
كما تستعرض هذه الدراسة أحداث تاريخ إيران المعاصر ليظهر كيف أزالت يد الاستعمار، بتواطؤ مع الخونة والرجعيين في الداخل، وبأكثر الطرق وحشية، مقاومة وتنوير أبناء إيران الغيارى ودعاة الحرية، من مدرس ومصدق وصولاً إلى “فرخي” و”عشقي”.
في هذه الدراسة، لا بد من إلقاء نظرة سريعة على الوضع العالمي في تلك السنوات، أي في أوائل القرن العشرين، والظروف التي أدت إلى أن يصبح قوزاق ملكـا!
هذه الدراسة هي قصة القوزاق الذي أصبح ملكـا!
.. تنشر الدراسة على هيئة أجزاء متتالية وفيما يلي الجزء الأول ..
الجزء الأول نظرة على إيران والعالم عشية انقلاب عام 1299 هجري شمسي
مقدمة
كانت الثورة الفرنسية الكبرى مقدمة لتحول عظيم في العالم؛ خروج نهائي من النظام الإقطاعي القديم. وعلى نطاق أصغر، لعبت الثورة الدستورية الإيرانية نفس الدور في آسيا، إذ تشهد السجلات التاريخية أن الثورة الدستورية الإيرانية، التي حققت انتصارًا مؤقتًا في أغسطس 1906 (مرداد 1285 بالتقويم الفارسي)، كانت رائدة ثورات عالم ما بعد الإقطاع في آسيا والشرق الأوسط.
وهكذا، بدأ سقوط الإقطاعية في الصين بعد ست سنوات، أي في عام 1912. وانتصرت الثورة الديمقراطية الروسية في فبراير 1917. ووقعت ثورة الأتراك وسقوط النظام العثماني القديم في عام 1923.
وفيما يتعلق بإيران، يجب القول إن إيران كانت في بؤرة تحول تاريخي واجتماعي كبير لمدة تقارب 30 عامًا، بين عامي 1900 و1921 (1279 و1300 بالتقويم الفارسي). هذا التحول يعرف أساسًا بفترة الثورة الدستورية. على الرغم من أن هذه الثورة فشلت في نهاية المطاف، إلا أنها تركت تأثيرًا كبيرًا على حياة الشعب والمجتمع الإيراني، لدرجة أنها أصبحت نقطة البداية لتاريخ إيران المعاصر. وقد أثرت هذه الثورة، خارج حدود إيران، بشكل جاد على التطورات الاجتماعية لشعوب آسيا الأخرى أيضًا.
الثورة الدستورية، 1906 (1285 بالتقويم الفارسي)
وبدأ الخروج من النظام الإقطاعي القديم في آسيا من إيران أولاً، ثم انتشر إلى البلدان الأخرى. كما بدأت تلك الفترة الثورية بانتفاضة شعبية مظفرة ضد اتفاقية النظام وامتياز التبغ في عهد ناصر الدين شاه. وبعد فترة من التراجع، تصاعدت مرة أخرى مع المطالب التاريخية للشعب بإنشاء “عدالت خانه” (دار العدل) وتقليص الصلاحيات المطلقة للشاه.
امتنع مظفر الدين شاه لمدة 10 سنوات عن الاستجابة لمطالب الشعب الإيراني العادلة، وفي عام 1906 (1285 بالتقويم الفارسي)، أجبر أخيرًا على التوقيع على مرسوم الدستور، وتوفي بعد ذلك بوقت قصير.
مظفر الدين شاه
من عام 1906 (1285 بالتقويم الفارسي) حتى ثلاث سنوات بعد ذلك، حارب محمد علي شاه الثورة الدستورية وهُزم، وتم طرده من إيران على يد الشعب.
مظفر الدين شاه والبلاط الملكي
محمد علي شاه
بعده، جلس ابنه أحمد شاه على العرش لمدة 17 عامًا. وباستغلال الاستعمار للفساد وعدم كفاءة الحكم والعناصر الخائنة والعميلة في الداخل، تم استبداله في خريف عام 1925 (1304 بالتقويم الفارسي) بقوزاق انقلابي يدعى رضا خان في عملية مليئة بالعار والجريمة، مع العلم أن رضا خان كان يعتبر الحاكم الفعلي للبلاد منذ عام 1920 (1299 بالتقويم الفارسي) بشكل رئيسي.
أحمد شاه
رضا خان القوزاق
سيطرة إنجلترا وروسيا على شمال وجنوب إيران
مع هزيمة روسيا أمام اليابان في حربي 1895 و1905، ناضل الشعب الإيراني بالفعل في فترة تقارب 30 عامًا من أجل: نظام قضائي مستقل وحديث، وعدالة اجتماعية، وتقدم اجتماعي، والأهم من ذلك كله، السيادة الشعبية. هذه المطالب، بالطبع، لم تتحقق في ذلك الوقت، لكنها أصبحت على جدول أعمال الجيل التالي من الشعب والثوار الإيرانيين.
الحرب العظمى وتداعياتها الكبرى
إن ما حدث في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين من تحولات في توازن القوى بين الدول الكبرى، من هزائم روسيا أمام اليابان، إلى ظهور الدولة البلشفية في روسيا، ومن فشل القوى الأوروبية في تدمير روسيا السوفيتية، إلى انتصار ثورة أكتوبر الروسية، كل ذلك أحدث تحولاً عالميًا كبيرًا جدًا في العلاقات الدولية.
في الظروف الطبيعية لتلك الحقبة، كانت إنجلترا تسيطر باستمرار على النصف الجنوبي من إيران. وكان الشريك الاستعماري لإنجلترا في تقسيم إيران هو روسيا، التي كانت تهيمن عادة على الأجزاء الشمالية من إيران.
لقد وجد الإيرانيون هذه الثقة في النفس بأن من الممكن هزيمة روسيا أيضًا! في تلك الفترة نفسها، كان الإيرانيون قد شكلوا قواتهم التحريرية في مناطق مختلفة من البلاد. وقد سجل هذه النقطة إدوارد براون في كتابه “الثورة الإيرانية” وناظم الإسلام كرماني في الجزء الأول من كتابه “تاريخ يقظة الإيرانيين”.
الثورة الإيرانية، إدوارد براون
تاريخ يقظة الإيرانيين، ناظم الإسلام كرماني
مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، وظهور قطب سياسي مختلف في العالم (وهو الاتحاد السوفيتي) والشعارات التي طرحها بشأن المساواة والتضامن، تغيرت طريقة تقسيم العالم وأسلوب استعمار مناطق نفوذ القوى بشكل جذري. وأصبحت الأساليب الاستعمارية القديمة (أي الاحتلال العسكري والاستعمار الصريح) بالية. وبدلًا من إرسال أساطيل بحرية ضخمة وقوات عسكرية للسيطرة على الأراضي الأخرى، لجأت دول مثل إنجلترا وفرنسا وإسبانيا وهولندا وإيطاليا وعدد آخر إلى أساليب جديدة.
وما فعلته القوى الاستعمارية في إيران ربما يكون المثال الأكثر رمزية على الأساليب الجديدة للاستعمار للحفاظ على المستعمرات، ولكن بتوتر أقل وتكلفة أقل وضمان عوائد أكبر، ودون الحاجة إلى تدخل عسكري، خاصة في بلد كان رائدًا في ثورات التحرير في المنطقة وله تاريخ من 30 عامًا من الثورة المستمرة.
النوى الأولى للقوات التحريرية الإيرانية
كتب القنصل العام لإنجلترا في أصفهان في تقرير أرسله في 15 مارس 1905 عن تأثير هزيمة روسيا أمام اليابان على الإيرانيين:
“في طهران وأصفهان وشيراز ويزد، تم تشكيل لجان صغيرة من أربعة أو خمسة أشخاص، وكل شخص وضع مبلغًا يتراوح بين مائة وخمسين ومائتي تومان وأرسلوا أشخاصًا إلى مناطق مختلفة وقاموا بتعليم الناس أنه إذا سافر مظفر الدين شاه إلى أوروبا في الصيف المقبل، فليثيروا ضجة في جميع أنحاء البلاد.” (فريدون آدميت، فكر الديمقراطية الاجتماعية)
فكر الديمقراطية الاجتماعية، فريدون آدميت
من بين كل تلك القوات والمجموعات التي تشكلت حديثًا، تشكلت لاحقًا الكتائب المقاتلة للثورة الدستورية. في أصفهان وغيلان ومازندران وآذربيجان، وعلى نطاق أصغر في كرمانشاه، وكذلك في جنوب البلاد، تجمع الناس في مجموعات متعددة. العديد من هذه التشكيلات في الخطوة التالية تسلحت ونهضت للدفاع عن الثورة.
كتائب الثورة الدستورية المقاتلة
كل هذا حدث حوالي عام 1905 الميلادي وهزيمة ثورة 1905 الروسية. في هذه الفترة، سجل ستارخان وعلي موسيو، كأعظم قادة الثورة الدستورية، مكانتهم بحق في تاريخ إيران والمنطقة.
علي موسيو، ستارخان
بسبب وجود نفس الجيل من القادة والقوات الثورية، عندما انهارت روسيا القيصرية بعد 10 أو 12 عامًا خلال ثورة أكتوبر، وقعت عدة أحداث متوازية كان لها تأثير حاسم على مصير الثورة الإيرانية.
ستارخان وباقرخان بين مقاتلي الثورة الدستورية
أحداث مؤثرة في الثورة الدستورية
لقد دخلت الجماهير الشعبية في إيران، بفضل استعداداتهم المسبقة والقوى التحريرية التي شكلوها قبل وقت طويل من الثورة الروسية، الساحة السياسية للبلاد بشكل جديد.
أرست الحكومة الروسية الجديدة، بإلغائها جميع الامتيازات الاستعمارية في عهد القيصر، سابقة جديدة في السياسة، والتي على الرغم من جميع انتكاساتها اللاحقة، أنهت حقبة تاريخية في العلاقات الدولية (أي الاستعمار التقليدي) وفتحت عصرًا جديدًا في تاريخ العلاقات الدولية.
قد بسطت إنجلترا التي كانت في الخطوة الأولى، وفي الفراغ الناتج عن غياب روسيا، سيطرتها على كل إيران، بل وسيطرت حتى على قوة القوزاق التي كانت قوة روسية أساسًا، عندما اضطرت إلى مغادرة إيران تحت ضغط توازن القوى السياسية الجديد وضغط الثوار الإيرانيين والرأي العام الأوروبي، حاولت مواصلة سيطرتها الاستعمارية على إيران بشكل آخر.
ذلك الشكل الجديد الذي اتبعه الاستعمار في تلك المرحلة كان تعيين حاكم دمية بدلاً من الاحتلال المباشر في البلدان الخاضعة لسيطرته.
وتجدر الإشارة إلى أن تلك الفترة كانت جزءًا من مراحل نمو الرأسمالية وبداية صعود “تصدير رأس المال”، وهي مرحلة كانت فيها القوى الغربية تسعى بشهوة عارمة وجدية قاتلة ودامية حقًا لتقسيم العالم وتقسيم موارد وأسواق البلدان الأخرى فيما بينها.
كما أدركت تلك القوى أنه بدلًا من استخدام الجيوش والحملات العسكرية والتدخل المباشر مع خسائر مالية وبشرية فادحة، يمكن قمع الأمم بشكل أفضل وأرخص بكثير من خلال دكتاتور محلي عميل.
ولهذا السبب أيضًا، وللحفاظ على إيران في مدار مستعمراتها، قامت إنجلترا بتنصيب حاكم دمية في إيران: رضاخان!
رضا خان القوزاق
في الحقيقة، كان رضاخان، الذي لم يكن قد أصبح شاهًا (ملكًا) بعد، حلقة الوصل بين الاستعمار القديم والاستعمار الجديد. حاكم وصل إلى السلطة عبر سلسلة من الانقلابات، وبالطبع، بنفس اليد التي رفع بها، سحب إلى الأسفل بمجرد نكثه بالوعد!
الحرب العالمية الأولى، نهاية عصر “الاستعمار القديم” وولادة “الاستعمار الجديد”
في تلك المرحلة التاريخية، ومع وجود كتائب متعددة من أنصار الاستقلال، وأحيانًا ثورية، في كل زاوية من إيران، يمكن الاستنتاج أنه لم يعد بالإمكان عمليًا استمرار استعمار إيران بالشكل السابق والاحتلال المباشر.
لذلك، قام الجنرال إدموند أيرونسايد، قائد القوة الشمالية في إيران “نوربرفورس” (NORPERFORCE)، بتوجيه مباشر من وينستون تشرشل (وزير الحرب البريطاني آنذاك)، بتنفيذ الخطة والبرنامج اللازمين لضمان سيطرة إنجلترا على إيران في الوضع الجديد.
الجنرال إدموند أيرونسايد
وكان إنجاز أيرونسايد أنه في أقل من خمسة أشهر، وجد بسرعة أنسب عنصر إيراني لتنفيذ المشروع الاستعماري البريطاني: لم يكن أحد سوى رضاخان القوزاق!
كتب أيرونسايد في مذكراته: “أنا شخصيًا أعتقد أن دكتاتورية عسكرية ستحل مشاكلنا في إيران وستمكننا من مغادرة هذا البلد دون عناء.” (مذكرات أيرونسايد السرية، نقلاً عن: سيد ضياء الدين طباطبائي برواية وثائق الساواك، مركز دراسة الوثائق التاريخية، ص 19)
ولم يمض وقت طويل حتى اتضح أن ما قصده أيرونسايد بذلك الدكتاتور العسكري هو القوزاق المعروف في القصة، أي رضاخان!
ووفقًا لمصدق، لم يخف رضا شاه هذه الحقيقة أبدًا، فقد قال هو نفسه في تجمع: “أيرونسايد هو من جاء بي!” (سياسة الموازنة السلبية، المجلد الأول، ص 34)
اللاعبون الآخرون على الساحة الإيرانية
من “أردشير جي ريبورتر” مخبر المخابرات البريطانية إلى الجنرال أيرونسايد وتشرشل، ومن رضاخان إلى سيد ضياء، كلهم هم الذين وردت أسماؤهم وتفاصيلهم بكثرة في الوثائق الموجودة، وشرحت كيفية خدماتهم للاستعمار البريطاني.
ووفقًا لـ”سير دينيس رايت” (الذي كان مسؤولاً سياسياً بريطانياً في إيران من أواخر الثلاثينات الشمسية وما بعدها، أي في عهد مصدق)، كان “أردشير جي ريبورتر” أول من قدم رضاخان إلى الجنرال أيرونسايد. (رضا شاه، من الولادة إلى العرش، ص 264)
محمد تقي بهار، أو “ملك الشعراء بهار”، في كتابه الشهير (تاريخ الأحزاب السياسية في إيران)، خصص قسمًا مفصلاً تقريبًا للوثائق المتعلقة بالعلاقات الأولية لرضاخان عندما كان ضابطًا متوسط الرتبة في القوزاق مع الإنجليز الذين كانوا قد سيطروا للتو على قوة القوزاق، وأعتقد أن الاطلاع عليها ضروري لفهم التاريخ الإيراني المعاصر بشكل صحيح.
محمد تقي بهار، (ملك الشعراء بهار)
وكتب ملك الشعراء بهار في كتابه (تاريخ الأحزاب السياسية في إيران)، نقلاً عن موظف التلغراف في معسكر القوزاق المتمركز في منجيل، أن “ستاروزلسكي” (STAROZELSKY)، قائد قوة القوزاق والقائد المباشر لرضاخان، اشتكى من دسائس الإنجليز ضده، وأشار إلى رضاخان وتذمر قائلاً: “هذا الضابط (أي رضاخان) بعد تناول العشاء، عندما يكون المعسكر في راحة، يركب حصانه ويذهب إلى معسكر الإنجليز ويبقى هناك حتى الفجر وجزء كبير من الليل.” (رضا شاه من الولادة إلى العرش، ص 420 و421)
رضا شاه من الولادة إلى العرش، ص 420 و421
تلك الاجتماعات الليلية التي ذكرها موظف التلغراف في معسكر قوزاق منجيل “ستاروزلسكي” كانت في الواقع هي الزيارات التي كان الإنجليز يدعون فيها رضاخان ويوجهونه لكي يتمكن من تنفيذ انقلاب 22 فبراير (3 إسفند).
ومن المثير للاهتمام أن ملك الشعراء بهار كتب في نفس كتاب تاريخ الأحزاب السياسية أنه بسبب صداقته وعلاقته مع سيد ضياء، أدرك أن سيد ضياء كان يتردد أيضًا على قزوين في تلك الأيام.
وقد ذكر لاحقًا سبب تلك الزيارات في تقارير أيرونسايد، وهي أنها كانت للتنسيق مع قادة الانقلاب، وفي الواقع، كان أيرونسايد والسفير البريطاني في طهران قد أرسلا سيد ضياء إلى قزوين.
تاريخ الأحزاب السياسية، ص 66
ووثق دينيس رايت، المسؤول السياسي البريطاني البارز في إيران في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، جزءًا من كواليس تلك اللقاءات السرية والليلية، استنادًا إلى وثائق وزارة خارجية بلاده، على النحو التالي:
التقى أيرونسايد مرة أخرى في 31 يناير برضاخان بصحبة “هنري سميث”. لم يسجل شيئًا عن هذا اللقاء والمفاوضات التي جرت، واكتفى بعبارة قصيرة كتب فيها: “رضاخان يتمنى أن يكون ذا شأن، ويعرب عن ضيقه الشديد لكونه ليس ذا شأن في الوقت الحالي”.
دينيس رايت
ثم يكتب دينيس رايت: “بعد التخلص من سردار همايون (القائد الإيراني لقوة القوزاق المتمركزة في قزوين)، عين أيرونسايد رضاخان في منصب مساعد وقيادي.” (الإنجليز بين الإيرانيين، سير دينيس رايت، ص 421)
الإنجليز بين الإيرانيين، سير دينيس رايت، ص 421
كانت هذه هي الفترة التي قام فيها الإنجليز، بمساعدة رضاخان وعدد قليل من القوزاق الآخرين، بعزل القائد البلشفي لقوة القوزاق، وباستقدام ستاروزلسكي (روسي أبيض)، سيطروا هم على زمام قوة القوزاق.
كان لدى إنجلترا في ذلك التاريخ قوتان عسكريتان في إيران؛ إحداهما شرطة الجنوب في المناطق الجنوبية من البلاد المعروفة باسم (S.P.R)، والأخرى قوة شمال إيران المعروفة باسم “نوربرفورس” (NORPERFORCE) الأولى كانت تعمل على قمع القوات الشعبية في الجنوب، والثانية كانت مشغولة بقمع القوات الثورية في الشمال.
أيرونسايد، أي قائد القوة الشمالية أو “نوربرفورس”، الذي فشلت مهمته في جنوب روسيا لدعم القيصر وقوات روسيا البيضاء ضد البلاشفة، سعى قبل الانسحاب إلى بغداد لحسم مسألة إيران، وقد فعل ذلك.
كتب الجنرال أيرونسايد في مذكراته عن لقائه الأخير مع ذلك القوزاق الإيراني في فندق جراند قزوين، وذلك في 12 فبراير 1921، أي قبل عشرة أيام فقط من انقلاب 22 فبراير (3 إسفند):
“كنت أزور لواء قزوين بانتظام في آق بابا… كنت أنوي إنجاز المهمة قبل شهر من بدء الانسحاب نحو بغداد. لذلك، ناقشت مسألتين مع رضاخان. أخبرته متى سأخرجه من نطاق سيطرتي، كما حذرته من أنه إذا قام بأي عمل عدائي، فسأوقف الانسحاب وأهاجمه بلا رحمة… إنه يكره السياسيين الذين يسيطرون على البرلمان… في رأيي… كان بلا شك رجلاً ذا قيمة استثنائية.” (رضا شاه من الولادة إلى العرش، ص 421 و422)
رضا شاه من الولادة إلى العرش، ص 421 و422
ذهب أيرونسايد إلى طهران في 15 فبراير لتقديم تقرير عن الوضع إلى السفير البريطاني في إيران، وكذلك للقاء أحمد شاه. لكن “نورمان”، السفير البريطاني في طهران، أوضح لأيرونسايد أن هناك حاجة لشخص آخر إلى جانب رضاخان لتنظيم الأمور، لأن رضا القوزاق كان أميًا، وخاصة في البداية، سيكون عائقًا في إدارة شؤون الدولة والعمل السياسي. يبدو أن سيد ضياء دخل المشهد من هنا وتوجه إلى قزوين للتنسيق مع القوزاق. (رضا شاه من الولادة إلى العرش، ص 422 و423)
شباب الانتفاضة في إيران يستهدفون مراكز القمع والنهب التابعة للنظام
تحت شعار “المرأة، المقاومة، الحرية”، ومع تحية لروح الشهيدتين البلوشيتين وعشر أخوات مقاومات أُصبن بجروح، يواصل شباب الانتفاضة الأبطال عملياتهم النوعية ضد مؤسسات ورموز نظام الملالي في مختلف أنحاء إيران. ففي موجة جديدة من الأنشطة الشجاعة، استهدف الشباب المقاومون مراكز القضاء والفساد وقواعد القمع في مدن شيراز، وطهران، وخاش، وخورموج، ومشهد، وكرمان، وأرومية، وزاهدان، وخرم آباد، وأليغودرز، وسراوان، وبيرجند، موجهين رسالة واضحة بأن شعلة المقاومة لن تنطفئ.
إضرام النار في قضائية الجلادين في شيراز
أقدم شباب الانتفاضة في شيراز على ثلاث عمليات إضرام نار شجاعة استهدفت مبنى السلطة القضائية في المدينة. تُعتبر هذه المؤسسة إحدى الأدوات الرئيسية في يد النظام لقمع المعارضين، حيث تصدر أحكاماً جائرة وتقوم بإعدام المتظاهرين والناشطين السياسيين بهدف بث الرعب في المجتمع وإخماد صوت الاحتجاج.
استهداف مؤسسة الفساد والنهب في طهران
في قلب العاصمة طهران، استهدف الشباب المقاومون إحدى مؤسسات الفساد والنهب التي يديرها الملالي وقادة حرس النظام الإيراني. تعمل هذه المؤسسات كواجهة لنهب ثروات الشعب الإيراني وتمويل أجهزة القمع والأنشطة الإرهابية للنظام في المنطقة، ويمثل استهدافها ضربة مباشرة لشبكة المصالح الاقتصادية التي يعتمد عليها النظام للبقاء.
مهاجمة مؤسسة الإسكان الناهبة في خاش
هاجم شباب الانتفاضة في مدينة خاش مبنى مؤسسة الإسكان بقنابل الكوكتيل. هذه المؤسسة، التي يُفترض أن تخدم المواطنين، تحولت في ظل حكم الملالي إلى أداة للنهب المنظم والاستيلاء على الأراضي والممتلكات، مما يجعلها رمزاً للفساد الذي ينخر في جسد الدولة.
في خورموج بمحافظة بوشهر، استهدف الشباب الأبطال بقنابل الكوكتيل مقر “لجنة إغاثة الخميني”. تُستخدم هذه اللجنة كغطاء للقيام بأنشطة قمعية واستخباراتية، حيث تعمل على تحديد هوية المعارضين وممارسة الضغط على الأسر المحتاجة لضمان ولائها للنظام، وهي بذلك أداة للسيطرة الاجتماعية تحت ستار العمل الخيري.
إضرام النار في قواعد الباسيج القمعية
قام شباب الانتفاضة بإضرام النار في قواعد الباسيج التابعة لـحرس النظام الإيراني في مدن خاش، ومشهد، وكرمان، وأرومية، وزاهدان. تعتبر هذه القواعد مراكز خط المواجهة في قمع الاحتجاجات الشعبية، وتُستخدم لتجنيد وتدريب المرتزقة الذين يهاجمون المتظاهرين ويرهبون الأحياء السكنية.
إحراق رموز وصور قادة النظام
في مدن خرم آباد، وأليغودرز، وسراوان، وبيرجند، أحرق الشباب الأبطال اللوحات الإعلانية واللافتات الحكومية التي تحمل صور خامنئي ورئيسي والجلاد قاسم سليماني. يمثل حرق هذه الصور رفضاً شعبياً قاطعاً لرموز الاستبداد والقتل، وتحدياً مباشراً لهيبة النظام التي يحاول فرضها بالقوة.
إن هذه العمليات المستمرة تظهر حقيقة أن العدو الرئيسي للنظام هو الشعب الإيراني نفسه. ولهذا السبب، لجأ النظام إلى تصعيد القمع الوحشي. لكن أنشطة هؤلاء الشباب الدؤوبة والشجاعة تثبت أن سياسة القمع لم تعد مجدية وأن جدار الخوف قد انهار. إن شباب الانتفاضة، باعتبارهم طليعة الشعب الإيراني، يؤكدون عزمهم على مواصلة النضال حتى إسقاط هذا النظام وإقامة حكومة ديمقراطية شعبية تحقق الحرية والعدالة لجميع الإيرانيين.
أزمة المعيشة وخطر الانتفاضة: بركان خامد في قلب المجتمع الإيراني
في الوقت الذي بدأ فيه غبار المناورات الدعائية المخادعة التي قام بها خامنئي لاستغلال الأوضاع الإقليمية المتأزمة بالانقشاع، يجد الهيكل المتداعي للنظام الإيراني نفسه مرة أخرى في مواجهة ضغوط متزايدة وأزمات داخلية متنوعة ومتراكمة. هذه المرة، بدأت الأزمات التي كانت تدور في الخفاء أو تحت السيطرة لفترة طويلة، تطفو على السطح واحدة تلو الأخرى لتكشف عن وجهها الصريح؛ من أزمة المياه والكهرباء، إلى الأزمات البيئية، والأزمات الهيكلية داخل بنية الحكم، وعلى رأسها جميعاً، أزمة المعيشة. هذه الأزمة التي تستهدف لقمة عيش الناس مباشرةً، وتُعتبر تهديداً فعلياً للاستقرار الاجتماعي والسياسي للنظام.
أزمة المعيشة بلغة الأرقام
إن البيانات الرسمية، رغم أنها تخضع دائماً للتلاعب وتصدر بتحفظ، تكشف عن جزء من عمق الكارثة. فقد أعلن مركز الإحصاء التابع للنظام أن معدل التضخم السنوي في يونيو 2025 قد اقترب من 40%. هذا يعني، بافتراض ثبات الدخل، أن الأسر الإيرانية فقدت ما يقرب من نصف قوتها الشرائية في غضون عام واحد فقط. هذا المؤشر ليس مجرد رقم اقتصادي، بل هو انعكاس للمسار التنازلي للقدرة على الصمود الاجتماعي في مواجهة الضغط الاقتصادي. عندما يصبح شراء الخبز والدواء والتعليم وحتى فواتير الماء والكهرباء من الكماليات بالنسبة للطبقات الوسطى والدنيا، فإن الفجوة الطبقية والسخط العام يتحولان بسرعة إلى محرك للاحتجاجات.
أصداء الخطر في إعلام النظام
لم تعد الصحف الرسمية أيضاً – رغم تبعيتها لهيكل السلطة – قادرة على إنكار خطر الانهيار الاجتماعي. فقد كتبت صحيفة “آرمان ملي” في عددها الصادر في 7 يوليو بكل صراحة أنه مع انكماش الطبقة الوسطى، أصبح خطر “الانفجار الاجتماعي والسياسي” ملموساً أكثر من أي وقت مضى. كما عنونت صحيفة “جهان صنعت”: “جرس إنذار أزمة المعيشة يدق”. هذه التحذيرات لم تعد تقتصر على الخطابات الفكرية، بل أصبحت حقيقة يتحدث عنها حتى المسؤولون الحكوميون السابقون. فقد شبهت بروانه سلحشوري، العضوة السابقة في البرلمان، إيران ببركان خامد لا يحتاج إلا إلى شرارة لينفجر.
ولكن السؤال الرئيسي هنا هو: كيف يعتزم النظام الإيراني، وخاصة خامنئي، احتواء هذا البركان؟ استراتيجيته المعروفة هي سياسة “ترحيل الأزمات”؛ أي إطالة أمد الأزمة بوعود فارغة، وقمع متقطع، وضخ أمل كاذب أحياناً عبر تغيير الوجوه السياسية. لكن هذا التكتيك لم يعد مجدياً. فمع ضعف القدرة على القمع، وتزايد الانشقاقات في صفوف القوات الموالية، والهزائم المتتالية في الساحتين الداخلية والدولية، لم يعد النظام يمتلك القدرة العملية اللازمة للسيطرة على السخط الاجتماعي.
عتبة التحمل الشعبية
الحقيقة هي أنه عندما تتجاوز أزمة المعيشة “عتبة التحمل”، لم يعد للحديث عن الوقاية معنى. لقد تم كسر هذه العتبات مراراً في المجتمع الإيراني. أثبتت انتفاضات أعوام 2017 و2019 و2022 أن المجتمع لا يمتلك فقط القدرة على تنظيم انتفاضات شاملة، بل راكم أيضاً في داخله القدرة على القفزة نحو تغيير سياسي جذري. في خضم كل هذا، يبقى العامل الحاسم الوحيد هو مدى تنظيم القوى المحتجة وتماسكها السياسي لتغيير السلطة.
يدرك النظام الإيراني خطورة هذا الوضع جيداً. لكن ما يمتلكه اليوم ليس سوى بقايا مهترئة لجهاز قمعي، وقوات مفككة، ومصداقية محترقة على الساحة الدولية. جهازٌ عاجز حتى عن احتواء السخط داخل سجونه، حيث يصرخ السجناء في عشرات السجون في أنحاء البلاد بشعار “لا للإعدام” عبر الإضراب عن الطعام، ويبعثون برسائل صمود من داخل زنازين القمع إلى الخارج.
في هذه الظروف، إذا تمكن المجتمع الإيراني المحتج – وخاصة جيل الشباب والنشطاء المحليون وخلايا المقاومة – من الوصول إلى التنظيم اللازم وتعزيز شبكاتهم، فإن الطريق نحو التحولات الجذرية سيصبح ممهداً. النصر لن يتحقق بالشعارات، بل بالتنظيم والاستمرارية وربط النضالات ببعضها البعض. وعندها، لن يبقى أي بركان خامداً.
كيف كشفت الحرب عن أزمات النظام الإيراني المتراكمة ومأزقه البنيوي
تترك كل حرب آثارها السياسية والاجتماعية والاقتصادية على الأرض قبل أن ينجلي غبارها عن السماء. لقد حاول نظام الملالي استغلال أجواء “حالة الطوارئ” التي فرضتها الحرب والتهديدات المستمرة لإخفاء أزماته المتراكمة خلف ستار من القمع والدعاية، لكن ما نشهده اليوم من تفجر سلسلة من الأزمات يكشف أن هذا الغطاء كان أرق من أن يتحمل ضغطًا بهذا الحجم. إن القاسم المشترك بين كل هذه الأزمات هو الانهيار الكامل لرأس المال الاجتماعي للنظام وتفجر انعدام الثقة في قلب المجتمع.
وكانت إحدى الحيل الدعائية الشائعة للنظام هي إلقاء لوم الأزمة الاقتصادية على العقوبات. لكن الشعب الإيراني طرح مرارًا وتكرارًا سؤالًا صريحًا: إذا كان الفقر والتضخم ناتجين فقط عن العقوبات، فلماذا تم إنفاق ولا يزال يتم إنفاق مليارات الدولارات في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وكذلك في الصناعات الصاروخية والنووية؟ هذا السؤال لا يتحدى فقط طريقة تخصيص الموارد، بل يوجه أصابع الاتهام مباشرة إلى الهيكل السياسي الاحتكاري والاقتصاد الريعي الحاكم؛ وهو هيكل قضى على إمكانية قيام مؤسسات مستقلة وخاضعة للمساءلة عبر سيطرته على الموارد، وحصر دائرة صنع القرار في قبضة فئة قليلة.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، يمكن الخوض في التفاصيل الفنية لانهيار قيمة العملة الوطنية، وتراجع مؤشرات الرفاهية، وانخفاض الاستثمار الأجنبي، والإغلاق المتتالي للمؤسسات الإنتاجية؛ لكن الجذر يكمن في مكان آخر: في بنية حكم طائفية أشبه بحكم أمراء الحرب (ملوك الطوائف)، حصرت السلطة والثروة في حلقة ضيقة. نتيجة هذا التركيز هي ظهور ظاهرة يطلق عليها علماء الاجتماع “الاحتكار السلطوي”، حيث يقوم الحكام بتخصيص الموارد العامة وفقًا لأهوائهم، ويربطون أي نقد يوجه إليهم بتهديد الأمن القومي.
الجمود في قمة السلطة واستحالة الإصلاح
في خضم هذا المأزق، اعترفت صحيفة “جهان صنعت” الحكومية في عددها الصادر بتاريخ 8 يوليو 2025، تحت عنوان “طريق للنجاة”، بالواقع المرير حيث كتبت:
“لإنقاذ صناعة الطاقة والاقتصاد الوطني، تحتاج إيران إلى إصلاحات هيكلية وإعادة نظر في سياساتها الخارجية… بدون مراجعة عميقة للسياسة الخارجية وإصلاحات هيكلية… حتى لو تراجع الضغط الخارجي، لن يكون للاقتصاد الوطني القدرة على النهوض.”
يحمل هذا الاعتراف الرسمي معنى واضحًا: الأزمة الحالية ليست مجرد نتاج للضغوط الخارجية، بل هي نتيجة للجمود التام في عملية صنع القرار في قمة السلطة. وهنا يطرح السؤال نفسه: ما معنى “الإصلاحات الهيكلية” في نظام يهيمن فيه الولي الفقيه وشبكة من المؤسسات المعينة على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية؟ الحقيقة هي أن أي خطوة نحو الإصلاح الحقيقي تتطلب تحديد سلطات المؤسسات العليا وعلى رأسها خامنئي؛ ومثل هذه العملية لا يمكن أن تنبثق من رحم الدستور الحالي. من هنا، فإن أي نقاش حول الإصلاح الحقيقي يؤدي حتمًا إلى حتمية إسقاط الهيكل القائم.
تآكل رأس المال الاجتماعي
تنقل الصحيفة عن الخبير الاقتصادي مرتضى أفقه قوله: “لقد تآكل رأس المال الاجتماعي، واليوم لم يعد الناس يتمتعون بذلك التجاوب السابق؛ لقد استهلكت الحكومات خلال هذه الفترة كل الاحتياطيات المتاحة، وللأسف لم يبق شيء”.
وفقًا لعلماء الاجتماع، يمثل رأس المال الاجتماعي الدعامة غير المرئية لشرعية أي حكومة. عندما تنكسر هذه الدعامة، فإن أي سياسة جديدة تهتز في رياح انعدام الثقة وتسقط. وتختتم الصحيفة مقالها، مع إقرارها باستحالة إصلاح النظام، بإطلاق رصاصة الرحمة على مستقبله قائلة: “لحل المشاكل الاقتصادية الحالية، الوصفات الاقتصادية البحتة ليست فعالة… من الضروري أن نغير نظرتنا إلى التفاعلات العالمية… خاصة حل الخلافات العميقة مع أوروبا وأمريكا، الأمر الذي يمكن أن يهيئ الأرضية لحل المشاكل الاقتصادية.”
والترجمة السياسية لهذه التوصية واضحة: تغيير جذري في توجه السياسة الخارجية والتخلي عن أيديولوجية المواجهة، وهو ما يعني كسر المحرمات التي بني عليها النظام لأكثر من أربعين عامًا.
قد تخلق الحرب على المدى القصير هامشًا آمنًا للقمع وتصدير الأزمات، لكنها على المدى الطويل تعمل كمرآة تعكس بوضوح كل العيوب الهيكلية. يواجه نظام الملالي اليوم أزمة شاملة يتشابك فيها التضخم الجامح مع انهيار وذبول رأس المال الاجتماعي.
لقد أثبتت تجربة العقدين الأخيرين أنه لا زيادة عائدات النفط ولا الاتفاقات المؤقتة قادرة على تضميد هذا الجرح العميق؛ لأن جذور الأزمة تكمن في آلية تركيز السلطة ورعاية الريع. فإذا كان الإصلاح الهيكلي الحقيقي يعني استعادة سيادة الشعب على مصيره، فإننا نصل إلى ضرورة تغيير نموذج الحكم؛ تغيير لا يمكن تحقيقه إلا بنفي الهيكل الحالي. والقوة التي ستعجل بتحقيق ذلك ليست حربًا خارجية، بل تضامن الشعب الإيراني حول انتفاضة منظمة، ستكون بمثابة منصة انطلاق نحو مستقبل ديمقراطي.
“المخبز في خطر! ‘نانينو’ هو أكبر عدو للخباز”. هذه العبارة المكتوبة على لافتة ضخمة حملها الخبازون في مدينة رشت الإيرانية تلخص عمق الأزمة التي تعصف بأحد أهم القطاعات الحيوية في البلاد. ففي يوم الثلاثاء، 8 يوليو، تجمع عدد من الخبازين في رشت أمام مبنى المحافظة واتحاد الخبازين للاحتجاج على الوضع الكارثي الذي تسببت به منظومة “نانينو” الحكومية، محذرين من أن استمرار هذا الوضع قد يدفعهم إلى إضراب وإغلاق واسع النطاق في جميع أنحاء محافظة جيلان وغيرها من المحافظات.
ولم يقتصر الأمر على رشت، ففي اليوم نفسه، أعلن خبازو طهران أنهم سيتوقفون عن العمل بمنظومة “نانينو” وسيقومون بتسليم أجهزة نقاط البيع الخاصة بها. وفي مشهد، تجمع الخبازون في مقر اتحادهم وسلموا الأجهزة ذاتها، معلنين رفضهم مواصلة التعاون مع هذا النظام. وتأتي هذه التحركات استكمالاً لاحتجاجات مماثلة شهدتها مدن بجنورد وكنكاور في اليوم السابق، مما يرسم صورة قاتمة لأزمة الخبز المتصاعدة التي تحولت إلى ما وصفه برلماني إيراني بـ “التحدي الهائل”.
إن منظومة “نانينو”، التي فُرضت على المخابز بحجة مراقبة حصص الطحين المدعوم، سرعان ما تحولت إلى كابوس يلاحق الخبازين، وأداة لفرض الغرامات والابتزاز والضغط المالي الذي أوصلهم إلى حافة الانهيار. وقد عبر عن هذا الواقع المؤلم بيان لخبازي مدينة أرومية في 4 يوليو، حيث قالوا: “نصرخ اليوم بأعلى صوتنا أننا لم نعد نملك القدرة على الاستمرار؛ موائدنا أصبحت فارغة ومخابزنا على وشك الإغلاق. لم يعد الخباز قادراً على دفع أجور العمال، أو تكاليف التأمين والكهرباء والماء والصيانة، ولا حتى تأمين لقمة العيش لأسرته. إن شبح الإفلاس، بمعناه الحرفي، يتجول في أزقة مخابز أرومية”. وأضافوا أن ضغط المفتشين والغرامات غير المنطقية والقرارات غير المدروسة كانت بمثابة رصاصة الرحمة التي أُطلقت على جسد هذا القطاع المنهك.
هذا الشعور بالعجز والغضب يتجسد في صرخة أحد الخبازين في مشهد الذي قال بحرقة: “أقسم بآيات القرآن، لم أكن أملك اليوم أجرة العامل الذي عمل منذ الصباح. لم أستطع شراء البطاطس والبصل لزوجتي وأطفالي. أقسم بعلي وأولاده، لم يدخل حسابي أي مبلغ منذ السابع والعشرين من الشهر الماضي، ولا أعرف إلى أين أذهب. لم تصلني حتى رسالة جافة تطمئن قلبي”. هذا الغضب الشعبي وجد صداه حتى داخل أروقة السلطة، حيث وجه أحد أعضاء البرلمان الإيراني حديثه لحكومة بزشكيان قائلاً: “إن منظومة نانينو، أو ما يسمى بمنظومة البيع الذكي للخبز، قد فاقمت هذه التحديات. يا وزير الصناعة! يا وزير الزراعة! أوقفوا منظومة نانينو. لقد تحولت مشاكل المخابز اليوم إلى تحدٍ هائل… لماذا لا تجيبون؟ أما بالنسبة للانقطاع المتكرر للكهرباء، فإنني أحذر من أن هذا الأمر قد أنهك صبر الناس وأصحاب المصانع”.
إن احتجاج الخبازين وإعادتهم لأجهزة الدفع وصرخاتهم حول “الموائد الفارغة”، ليس مجرد صرخة قطاع معين، بل هو جزء من حالة أوسع من نفاد الصبر و”القدرة على التحمل” لدى الكادحين. وقد وصف خبير حكومي الظروف الحالية بأنها أشد فتكاً بالنظام من السنوات السابقة والانتفاضات الماضية، محذراً من أن “صبر الناس” قد نفد. وذكّر قائلاً: “رأينا كيف نفد صبر الناس في عدة مناسبات مع زيادة سعر البنزين، واندلعت احتجاجات. الوضع الآن أسوأ حتى من سنوات 2018 و2021 و2022 و2023، لأن الحكومات استهلكت خلال هذه الفترة كل الاحتياطيات المتاحة، وللأسف لم يبق شيء يمكن أن يبقى البلاد واقفة على قدميها في حال استمرت العقوبات أو اشتدت”.
مقتل 3 من عناصر الشرطة في اشتباك مسلح بمدينة تشابهار جنوب شرق إيران
شهدت مدينة تشابهار الساحلية في محافظة سيستان وبلوشستان، صباح يوم الجمعة 11 يوليو 2025، حادثاً أمنياً دموياً، حيث قُتل ما لا يقل عن ثلاثة من عناصر الشرطة الإيرانية ومهاجم مسلح في اشتباك استمر لساعات.
وقع الحادث في الطريق الساحلي للمدينة عندما أطلق شاب بلوشي مسلح النار على سيارتين تابعتين لقوات الشرطة، إحداهما سيارة ركاب (من نوع سمند) والأخرى شاحنة “تويوتا هايلوكس، كانتا تقومان بدورية في المنطقة.
تفاصيل الاشتباك
وفقاً للتقارير الأولية وشهود عيان، أدى الهجوم المباغت إلى مقتل ثلاثة من أفراد الشرطة كانوا على متن سيارة التويوتا، بينما تمكنت سيارة “السمند” من الفرار من موقع الحادث دون أن يصاب ركابها بأذى.
بعد الهجوم الأولي، تمركز المهاجم المسلح بالقرب من سيارة التويوتا. ومع وصول قوات دعم عسكرية إلى الموقع، اندلع اشتباك عنيف بينه وبين القوات، استمر قرابة الساعتين. وانتهى الاشتباك بمقتل المهاجم. وقد تسبب تبادل إطلاق النار الكثيف في تحويل الطريق الساحلي إلى ساحة متوترة وأثار حالة من القلق في المنطقة.
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر السلطات المحلية أو قوات الشرطة أي تصريح رسمي، ولم يتم الكشف عن هوية المهاجم أو دوافعه، فيما لا تزال التحقيقات جارية لكشف ملابسات الحادث.
يأتي هذا الهجوم في ظل مناخ ملتهب تشهده محافظة بلوشستان، ومدينة تشابهار على وجه الخصوص، منذ أسابيع. وتفيد مصادر محلية بأن القوات الحكومية القمعية قد شنت هجمات وعمليات قتل في عدة مناطق، مما أثار سخطاً واسعاً بين السكان.
وقد عبر أهالي بلوشستان عن نفاد صبرهم تجاه ما وصفوها بـ “جرائم ولاية الفقيه”، مؤكدين أنهم لم يعودوا قادرين على الصمت أمام عمليات الخطف والسرقة والقتل خارج نطاق القانون، وإطلاق النار العشوائي من قبل القوات القمعية على المواطنين.
وتشهد الأسابيع الأخيرة تصاعداً في وتيرة العنف، حيث قُتلت المواطنة “حسنيه كلكلي” على يد قوات ترتدي ملابس مدنية. كما هاجمت قوات الشرطة القمعية قرية “غونيتش” التابعة لمدينة خاش، وفي هجوم لم يكن في القرية إلا النساء، أدى إطلاق النار إلى مقتل سيدتين بلوشيتين وإصابة عشر أخريات بجروح، حيث واجهت النساء القوات بشجاعة.
يثير هذا الحادث الأخير المخاوف مجدداً بشأن الوضع الأمني في المناطق الحدودية الحساسة مثل تشابهار، التي تعد أحد أهم الموانئ التجارية في إيران. ومع استمرار حملات القمع الدموي، من المتوقع أن يزداد التوتر والاحتقان في المحافظة خلال الفترة المقبلة.