تهديدات قضائية تكشف عمق الانقسام في قمة النظام الإيراني
بعد أن دعا التيار المغلوب داخل النظام الإيراني، المعروف بـ«جبهة الإصلاحات»، إلى إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة ووقف تخصيب اليورانيوم، اندلعت حرب شرسة بين زمر الحكم، كاشفة عن حجم التصدعات التي تهدد هيكل السلطة. هذه الدعوة، التي تمثل خروجًا على ثوابت النظام، لم تمر مرور الكرام، بل أطلقت العنان لردود فعل عنيفة من قبل التيار المتشدد، الذي يرى في أي مرونة دبلوماسية خيانة وطعنة في الظهر.
في قلب هذه المعركة، برز رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، كأداة قمع رئيسية بيد الولي الفقيه، حيث لم يتردد في توجيه تهديدات صريحة لواضعي البيان. وفي تصريحات نقلتها وسائل الإعلام الرسمية، أكد إيجئي أن «المدعي العام في طهران سيتصرف وفقًا لواجبه القانوني» للتعامل مع ما أسماه «بيانًا يخدم مصالح العدو». ولم يكتفِ بذلك، بل شدد على ضرورة «التسريع والتدقيق في معالجة ملفات العناصر التي تخل بأمن المواطنين وتتعاون مع النظام الصهيوني»، في إشارة واضحة إلى الموقعين على البيان.
هذه التهديدات لم تأتِ من فراغ، بل استندت إلى توجيهات الولي الفقيه علي خامنئي، حيث قال إيجئي: «لقد أكد قائد الثورة مجددًا في توجيهاته الحكيمة على ضرورة الوحدة والانسجام بين جميع السلطات والمسؤولين… نأمل أن نستمع جميعًا لهذه التوجيهات الإلهية ونعمل بها». وبهذا، وضع إيجئي نفسه في موقع المنفذ لأوامر عليا تهدف إلى سحق أي صوت معارض، مبررًا القمع بضرورة «الحفاظ على أمن البلاد ودفع شر الأعداء».
ومن المثير للاهتمام أن إيجئي كشف عن تكتيك سياسي مدروس، حين أشار إلى أنه تم نصحه بتأخير الإجراءات القضائية «لإتاحة الفرصة للشعب ووسائل الإعلام لاتخاذ موقف من هؤلاء الأفراد أولاً». وهو ما حدث بالفعل، حيث سارعت بعض الشخصيات المحسوبة على نفس التيار إلى إدانة البيان، مما يظهر محاولة لعزل أصحاب المبادرة وتصويرهم كخونة حتى بنظر حلفائهم السابقين.
صحيفة “كيهان”، الناطقة بلسان خامنئي، دخلت على الخط بقوة، حيث رحبت بتهديدات إيجئي ووصفت أي تهاون في التعامل مع واضعي البيان بأنه «فتح الطريق أمام العدو». وفي افتتاحيتها، انتقدت الصحيفة ما اعتبرته ضعفًا من قبل بعض المسؤولين، وربطت بين بيان الإصلاحيين وقضايا أخرى مثل السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول البلاد، معتبرةً أن «العدو يظن أن جزءًا من المسؤولين قد أصيبوا بالانهزامية». وأضافت أن قبول توجيهات الوكالة الدولية «يوحي للعدو بأن إيران ضعيفة ويمكن فرض أي شيء عليها».
هذا الصراع المحتدم يكشف عن حقيقة واضحة: النظام الإيراني يعيش حالة من التخبط الاستراتيجي. ففي حين ترى الزمرة المغلوبة أن التفاوض هو طوق النجاة الوحيد من الأزمات الاقتصادية والعزلة الدولية، يرى التيار المهيمن، بقيادة خامنئي وأجهزته القمعية كالقضاء وحرس النظام الإيراني، أن أي تنازل هو بداية الانهيار. وبالتالي، فإن الرد الوحيد المتاح لديهم هو تشديد القبضة الأمنية وتخوين كل من يدعو إلى مسار مختلف، في محاولة يائسة للحفاظ على نظام يتآكل من الداخل.
- فقر وعوز يهدد الملايين؛ تحذيرات من انفجار اجتماعي في إيران بعد تخطي سكان حافة الجوع حاجز الـ40 مليوناً
- أزمة المياه في إيران تتعمق: عقود من سوء الإدارة باتت تهدد الملايين بالجفاف
- إفقار الشعب كاستراتيجية بقاء.. كيف يحوّل نظام الملالي الانهيار الاجتماعي إلى سلاح؟
- انهيار اقتصادي في إيران يدفع الشركات نحو الإفلاس وسط صراع المواطنين من أجل البقاء
- غلاء الألبان.. صدمة جديدة تضرب موائد الإيرانيين وتفضح الفساد الاقتصادي للنظام الإيراني
- هجرة الأطباء والمهندسين.. نظام الملالي يهدر 60 مليار دولار من الثروة البشرية سنوياً







