الرئيسيةأخبار إيرانإيران الغنية في جحيم العجز: الجذور والسبب الرئيسي

إيران الغنية في جحيم العجز: الجذور والسبب الرئيسي

0Shares

إيران الغنية في جحيم العجز: الجذور والسبب الرئيسي

من المفارقات الصارخة أن إيران، التي تتربع على رابع أكبر احتياطيات للطاقة في العالم، تغرق اليوم في جحيم انقطاع الكهرباء وأزمات المياه والوقود وإغلاق المصانع. هذا الانهيار ليس مصادفة. فأزمة عجز الطاقة ليست مجرد مشكلة فنية أو حتى اقتصادية، بل هي علامة صارخة على انهيار نظام سياسي؛ نظام أنفق موارد البلاد في سبيل بقائه وضحى بالتنمية الوطنية من أجل أولويات مثل القمع وتصدير الإرهاب. وتكشف التصريحات الأخيرة للخبير الاقتصادي محمود جام ساز، في صحيفة “آرمان ملي” بتاريخ 25 أغسطس 2025، عن حقيقة كيف دفع نظام ولاية الفقيه بالبلاد إلى حافة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.

إيران الغنية في الظلام

يقول هذا الخبير: «إن دولة إيران الشاسعة، التي تعد من بين أكبر أربع دول في العالم من حيث احتياطيات الطاقة، تعاني اليوم من نقص في الطاقة». هذه الجملة وحدها كافية لفضح انعدام الكفاءة الهيكلي. ويؤكد أن أزمة الطاقة كانت متوقعة منذ سنوات، لكن «لم يتم تنفيذ أي خطة إصلاح هيكلية أو استثمار في تأمين الطاقة، وخاصة الكهرباء، بسبب غياب التخطيط وانعدام الإرادة اللازمة والجدية».

ونتيجة هذا التقصير هي أزمة تعصف بالبلاد اليوم: انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي في صيف تصل درجات الحرارة فيه إلى 45 و50 درجة مئوية في محافظات مثل خوزستان وسيستان وبلوشستان، وانخفاض القدرة الإنتاجية للصناعات بنسبة تصل إلى «50 في المائة».

لماذا وصلت أزمة الطاقة إلى هذه النقطة؟

يعدد جام ساز عوامل نشوء الأزمة على النحو التالي: «عدم الاستثمار في البنية التحتية، وعجز العرض عن تلبية الطلب، وتخلف الإنتاج عن القدرة الاسمية، وهدر الطاقة، وسوء الإدارة في الإنتاج والتوزيع الممزوج بالريع». ووفقًا له، فإن القدرة التشغيلية لإنتاج الكهرباء في البلاد تبلغ «75 ألف ميغاوات كحد أقصى»، بينما يبلغ ذروة الاستهلاك «90 ألف ميغاوات»؛ أي عجز يبلغ «24 ألف ميغاوات»، مما أدى إلى انقطاعات واسعة النطاق.

ولكن لماذا لا تستطيع دولة تمتلك كل هذه الموارد حتى الحفاظ على القدرة الاسمية لمحطات الطاقة الحالية؟ يكمن الجواب في أولويات نظام ولاية الفقيه.

عندما تكون الحرب والقمع أولوية، يُدمر التطور

يقول جام ساز: «في الوقت الحاضر وبعد حرب الـ12 يومًا، أُعطيت الأولوية في البلاد لتعزيز القوة العسكرية وإنتاج أسلحة جديدة استعدادًا للدفاع، لذا فإن أي إمكانية للاستثمار في معالجة العجز وتحسين الخدمات العامة، بما في ذلك تأمين الطاقة والمياه، غير ممكنة أو صعبة للغاية». تكشف هذه التصريحات بوضوح كيف يختار النظام بشكل متعمد تمويل آلته الحربية والقمعية على حساب حياة المواطنين، محولاً الموارد المحدودة إلى وقود لإشعال الحروب والمغامرات الإقليمية بدلاً من إضاءة منازلهم وتأمين معاشهم.

كما أن الفساد الهيكلي هو أحد جذور الأزمة الأخرى. ويوضح: «الفساد وسوء الإدارة في توزيع الكهرباء من الأمور التي تميز المشتركين الريعيين عن المشتركين العاديين». أي أنه حتى في انقطاع التيار الكهربائي، يوجد تمييز، ويتم ضمان نور الكهرباء للمقربين من السلطة، بينما يغرق عامة الناس في الظلام.

عجز أم هيكل ريعي؟

يشير جام ساز أيضًا إلى حقيقة مروعة: «تبلغ نسبة هدر الكهرباء في شبكة النقل والتوزيع ما بين 10 إلى 15 في المائة من إجمالي الكهرباء المنتجة، أي ما يعادل 10 آلاف ميغاوات، وهو ما يعادل 10 أضعاف قدرة محطة بوشهر للطاقة النووية». من ناحية أخرى، «وجود 220 ألف جهاز تعدين للعملات المشفرة تم اكتشافه واستهلاك غير قانوني يقدر بـ 3 آلاف ميغاوات» يظهر أن الاقتصاد الريعي والمافيوي للنظام قد حوّل حتى أزمة الطاقة إلى فرصة لتحقيق الربح لشبكات السلطة.

إن هذا النظام لا يفشل في منع هدر الطاقة فحسب، بل يرعاه ويشرعنه، فاتحًا أبواب النهب على مصراعيها عبر شبكة من التراخيص الريعية والتغاضي المتعمد عن سرقة موارد الشعب.

أزمة اقتصادية وانفجار اجتماعي في الطريق

وفقًا لجام ساز، يتسبب انقطاع التيار الكهربائي في «خسارة يومية للقطاع الصناعي تصل إلى 10 آلاف مليار تومان»، وأدى إلى «توقف العديد من الوحدات الصغيرة والمتوسطة وتسريح عمالها، حيث توقفت 3000 ورشة عمل في ضواحي طهران وحدها». هذا يعني أن بطالة متسلسلة تحدث. حتى أنه يحذر من أنه مع استمرار هذا الوضع، من المحتمل «انخفاض الناتج المحلي الإجمالي إلى سالب 4 في المائة وسالب 5 في المائة».

هذه الأرقام تعني انهيار الاقتصاد الوطني: انخفاض الدخل القومي ونصيب الفرد، وزيادة البطالة، والتضخم المتصاعد، وعجز حاد في الميزانية. وتزامن أزمة الكهرباء مع أزمة المياه يفاقم من السخط الاجتماعي. «لقد بدأت ردود فعل الناس في بعض المدن الجنوبية، والتي يمكن أن تكون مقدمة لتوسع الاحتجاجات» (نفس المصدر).

يقول هذا الخبير الاقتصادي: «يبلغ رصيد صندوق التنمية الوطني أدنى مستوياته، أي حوالي 11 مليار دولار»، لذا فإن «ضربة خارجية واحدة يمكن أن تدخل الاقتصاد الإيراني في غيبوبة».

الأزمة هي أزمة خامنئي وليست أزمة طاقة

تحمل كل هذه الاعترافات رسالة واضحة: المشكلة الرئيسية في إيران ليست نقص الموارد أو العقوبات الخارجية، بل هيكل السلطة القائم على ولاية الفقيه؛ هيكل ضحى بالتنمية من أجل العسكرة والفساد والريع والبقاء السياسي. أزمة الطاقة هي مجرد واحدة من علامات الانهيار. عندما تكون أولوية نظام ما هي الحرب والقمع وتصدير الأزمات، فلن تكون النتيجة سوى الظلام والبطالة والانفجار الاجتماعي.

إن هذا النظام عاجز هيكلياً عن الإصلاح، لأن إصلاحه يعني تفكيكه. وبالتالي، لا يكمن الحل في محاولات الترقيع، بل في ضرورة تاريخية حتمية: إزالة هذا الهيكل الفاسد من جذوره، وإعادة السلطة والسيادة إلى أصحابها الشرعيين، الشعب الإيراني.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة