قمع القوميات، تصدع السلطة، والإفلاس.. كيف يختنق النظام في أزماته المفتعلة؟
في الوقت الذي يتخبط فيه النظام الإرهابي في إيران وسط تداعيات ما بعد الحرب، تتصاعد الضغوط الداخلية بشكل متزامن من كل حدب وصوب. وتكشف التقارير الواردة من وسائل الإعلام الموالية للنظام والمصادر الحقوقية عن مزيج سام من القمع الطائفي، وصراع النخبة، والانهيار الاقتصادي، والشلل الاستراتيجي بشأن المواجهة في مضيق هرمز. فعلى صعيد القمع الممنهج، أفاد مراقبو حقوق الإنسان بشن موجة جديدة من الاعتقالات استهدفت المواطنين العرب في الأهواز وكوت عبد الله بمحافظة خوزستان.
بدأت هذه الاعتقالات في الأيام التي تلت عيد الفطر، حيث قامت قوات استخبارات حرس النظام الإيراني باحتجاز العشرات من الأفراد بسبب إقامتهم صلوات الجماعة وفقاً للتقاليد السنية وتنظيم احتفالات العيد. وقد وُضع هؤلاء المعتقلون في الحبس الانفرادي بمرافق تابعة لـ حرس النظام الإيراني، حيث تعرضوا لضغوط جسدية ونفسية وحُرموا من الزيارات العائلية، قبل نقلهم إلى سجن شيبان المركزي في الأهواز حيث لا يزالون قيد الاحتجاز لأكثر من شهر. وتسلط هذه القضايا الضوء على الحملة القمعية التي يشنها النظام الإيراني ضد كافة الأقليات العرقية والدينية، حيث أصبح العرب السنة في المناطق ذات الأغلبية العربية أحدث أهدافه.
وفي الوقت ذاته، أُجبرت وسائل الإعلام الحكومية على الانتقال إلى وضع السيطرة على الأضرار وسط شائعات حول استقالة الرئيس مسعود بزشكيان واتساع الهوة بين الحكومة وحرس النظام الإيراني. وقد نقلت وكالة إيسنا عن مهدي طباطبائي، نائب بزشكيان لشؤون الاتصالات، إصراره على أن الرئيس ليس من النوع الذي يستقيل وأن الظروف الحالية لا تبرر ذلك.
وبشكل منفصل، نفى حاجي ميرزائي، رئيس ديوان بزشكيان، أي انقسام، مدعياً أن كل اجتماع رئيسي يضم قادة حرس النظام الإيراني وتُتخذ فيه القرارات بالإجماع. إن هذه النفيات العلنية المتكررة بحد ذاتها تشير إلى قلق عميق داخل الدائرة الحاكمة؛ فقد تبادلت المنافذ المتشددة المقربة من جبهة بايداري وحرس النظام الإيراني، مثل موقعي رجا نيوز وتسنيم، اتهامات حادة بالخيانة بشأن فريق التفاوض النووي. بل إن الخطيب المرتبط بالدولة ميثم مطيعي وبخ المتطرفين علناً، مذكراً إياهم بأن هذا ليس موسم انتخابات، بل هي حرب.
وتترافق هذه التصدعات السياسية مع انهيار اقتصادي يسحق المواطنين؛ حيث أفادت وكالة إيلنا بأن متوسط رواتب الموظفين في وزارة جهاد الزراعة – المسؤولة عن الأمن الغذائي – بلغ 24 مليون تومان فقط، وهو رقم يقل بكثير عن خط الفقر الحضري المقدر بـ 70 إلى 75 مليون تومان.
ويؤكد النشطاء النقابيون أن العديد من المكافآت الموعودة لم تُدفع قط، مما أثار موجة من الاستقالات. وبعد خمسة أشهر من إزالة سعر الصرف التفضيلي البالغ 28,500 تومان، قفزت تكلفة سلة الغذاء الأساسية المشمولة بالكوبونات الإلكترونية من 2.18 مليون إلى 3.78 مليون تومان، في حين ظل الكوبون الحكومي مجمداً عند مليون تومان، ليترك الأسر ذات الدخل المحدود تواجه عجزاً شهرياً قدره 1.6 مليون تومان. وتظهر الإحصاءات الرسمية أن تضخم أسعار الغذاء بلغ 115 بالمائة، بينما تضاعف سعر الدولار في السوق الحرة ليصل إلى حوالي 180 ألف تومان في غضون عشرة أشهر تقريباً.
وفي غضون ذلك، تجاوز انقطاع الإنترنت 1,656 ساعة متواصلة – وهو الأطول في تاريخ أي دولة – مما زاد من عزلة المواطنين بينما يحتفظ المطلعون على النظام بالوصول الكامل. وقد كشفت الإشارات المتضاربة حول المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن أزمة هرمز عن تصدعات في أعلى مستويات القيادة. ففي حين أصر المتحدث إسماعيل بقائي على أن القضايا النووية ليست مطروحة على الطاولة وأن المحادثات تركز حصرياً على إنهاء الصراع ورفع الحصار البحري، وصف بزشكيان مطالب ترامب بأنها معادلة مستحيلة.
وفي المقابل، ألقى النائب المتطرف أمير حسين ثابتي باللوم صراحة على الفشل الدبلوماسي في مقتل الولي الفقیة علي خامنئي، وطالب بإعدام المتربحين الاقتصاديين، متباهياً بأن إغلاق مضيق هرمز حول إيران إلى قوة تفرض العقوبات. وفي تسريب صوتي، اعترف رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بأن العدو يضعفنا من الداخل عبر الضغط الاقتصادي، بينما أمر رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي بقمع كل من يُتهم بزرع الانقسام. ومجتمعة، ترسم هذه الملفات صورة لقيادة تكافح من أجل إظهار وحدة مصطنعة بينما تواجه أزمات متزامنة تخنقها من كل جانب. إن الإنكار العلني للخلافات، والردود الإعلامية المحمومة، والدعوات لتقشف شعبي، تكشف عن نظام منهك اقتصادياً، ومنقسم داخلياً، ومحاصر استراتيجياً، حيث دفعت هذه الأزمات المتراكمة – والتي هي من صنع يديه – النظام الكهنوتي إلى حافة الانهيار التام وخط النهاية.
- قمع القوميات، تصدع السلطة، والإفلاس.. كيف يختنق النظام في أزماته المفتعلة؟

- نفاق النخبة الحاكمة في إيران.. شعارات معادية للغرب واستثمارات سرية بملايين الدولارات في قلب أوروبا

- النظام الإيراني يجوّع شعبه: فجوة معيشية مرعبة وحصار رقمي يخنق المواطنين

- غلاء فاحش أو انعدام تام.. إفلاس المنظومة الصحية يضع الإيرانيين أمام خيارات كارثية

- ثروة منهوبة وشعب يتضور جوعاً.. كيف يبتلع النظام الإيراني عائدات النفط في الأسواق المظلمة؟

- الانهيار الاقتصادي في إيران.. دمار الحرب، حجب الإنترنت، وسوق عمل يحتضر في ظل النظام الإيراني


