الرئيسيةأخبار إيرانالحرب كسياسة والفقر كنتيجة.. كيف يضحي النظام الإيراني بأرزاق شعبه من أجل...

الحرب كسياسة والفقر كنتيجة.. كيف يضحي النظام الإيراني بأرزاق شعبه من أجل البقاء

0Shares

الحرب كسياسة والفقر كنتيجة.. كيف يضحي النظام الإيراني بأرزاق شعبه من أجل البقاء

في المنطق الحاكم لـ النظام الإيراني، لا يُعد حفظ النظام مجرد أولوية، بل هو ضرورة مطلقة تبتلع وتبرر كل شيء آخر. وفي إطار هذه الهيكلية، يمكن حتى إعادة صياغة الحرب لتصبح نعمة، شريطة أن تعزز ديمومة هيكل السلطة. ومع ذلك، فإن ما يغيب عن هذه الحسابات هو الواقع المعيشي لملايين الإيرانيين الذين يُضحى ببقائهم اليومي من أجل الحفاظ على هذا النظام بالذات. وتتجلى هذه العقيدة بوضوح صارخ في الإغلاق الشامل للإنترنت الذي فرضه النظام وعواقبه المتسلسلة. ففي حين بُرر هذا القرار رسمياً بظروف الحرب، إلا أن تأثيراته كانت فورية ومدمرة على أرزاق الملايين. من الناحية العملية، كان قطع الوصول إلى الإنترنت يعني قطع الدخل؛ حيث تم إقصاء ملايين الأفراد الذين يعتمد بقاؤهم الاقتصادي على المنصات الرقمية والشبكات الاجتماعية بشكل مفاجئ من دورة الكسب. لم يكن هذا أثراً جانبياً غير مقصود، بل كان امتداداً متعمداً لسياسة تضع بقاء النظام الكهنوتي فوق كل اعتبار آخر.

سقوط “وهم الاكتفاء الذاتي”: الاقتصاد الإيراني يواجه انهياراً منهجياً شاملاً

تحت وطأة الحرب والهشاشة الهيكلية، تتبخر سردية النظام الإيراني حول “القدرة على التحمل”. يشير التحليل إلى أن ما يشهده الاقتصاد اليوم ليس صموداً بل هو انهيار شامل كشف عجز النظام عن إيجاد بدائل حقيقية للعزلة الدولية وسوء الإدارة المزمن الذي دفع البلاد نحو حافة الهاوية.

أزمة هيكلية | مايو 2026 – تهاوي الشعارات الاقتصادية للنظام أمام واقع الانهيار الميداني

ويقدم مقال نُشر في 4 مايو 2026 في صحيفة جهان صنعت التابعة للدولة وصفاً كاشفاً لحجم هذه الأزمة. يشير المقال إلى أن المصاعب الاقتصادية الموجودة مسبقاً – والتي كانت قاسية بالفعل قبل مارس 2026 – قد تفاقمت بشدة بإضافة مرارة الحرب. ومع ذلك، تقر الصحيفة بأن ما دفع الوضع إلى منطقة غير مسبوقة كان حجب الإنترنت بحد ذاته، والذي فُرض بسرعة بعد اندلاع الصراع، ليقيم ما يصفه المقال بأنه حاجز هائل أمام سبل العيش. ووفقاً للتقرير ذاته، يعتمد ما بين 10 إلى 15 مليون إيراني على المنصات عبر الإنترنت لتأمين دخلهم. وبقرار سياسي واحد، دُفعت هذه الشريحة الواسعة من السكان نحو الانهيار الاقتصادي، حيث انخفضت المبيعات في بعض القطاعات بنسبة تصل إلى 70 في المائة، بينما يُقدر أن حوالي 2000 شركة لم يتبق لها سوى شهر أو شهرين من القدرة التشغيلية. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية مجردة، بل تمثل أسراً تُدفع بثبات وبلا رحمة نحو مستنقع الفقر.

ولم تقتصر التداعيات على الشركات الرقمية؛ فالمطاعم ووسائل الإعلام ومجموعة واسعة من المؤسسات الخاصة وشبه الخاصة تقف الآن على شفا الإفلاس. وأصبحت الطوابير الطويلة أمام مكاتب تأمين البطالة علامة مرئية للأزمة، حيث تلاشت فعلياً الفوارق بين عامل يمتلك خبرة عام واحد وموظف أمضى عقدين في سوق العمل. ولم تعد إشعارات التسريح حوادث معزولة، بل باتت تشير إلى بداية انكماش اقتصادي واسع ومؤلم يضرب كافة شرائح المجتمع.

 ورغم هذا الواقع المرير، تواصل إدارة الرئيس مسعود بزشكيان نمطاً مألوفاً يتمثل في تقديم وعود بالتعويض دون امتلاك أي آليات ذات مصداقية لتنفيذها. وتثير هذه الوعود سؤالاً جوهرياً لم تستطع حتى وسائل الإعلام التابعة للنظام تجاهله: كيف يمكن تحقيق ذلك؟ في سياق يتسم بعجز هيكلي في الموازنة، وعقوبات متجذرة، وتضخم مرتفع، وديون متراكمة، وتدفقات إيرادات متقلصة، يبدو احتمال تقديم تعويضات حقيقية أمراً غير معقول على الإطلاق. إن حقيقة تردد صدى هذه الشكوك داخل وسائل الإعلام الحكومية تؤكد على حالة عدم يقين أعمق داخل النظام نفسه بشأن قدرته ورغبته في إدارة الأزمة بفعالية.

انهيار زراعي وشلل نفطي: اقتصاد إيران يغرق في أزمة “متعددة الأبعاد”

تواجه إيران سقوطاً حراً في الإنتاج الزراعي مع تراجع محاصيل القمح والحبوب، وسط عجز حكومي عن دفع مستحقات المزارعين. ومع توقف صادرات النفط وتراجع الواردات بنسبة 40% بسبب إغلاق مضيق هرمز، يدفع نظام الولي الفقيه البلاد نحو كارثة معيشية طاحنة تفاقمها ظروف الحرب والحصار.

أزمة معيشية | مايو 2026 – تداعيات السياسات العسكرية والحصار على الأمن الغذائي الإيراني

لقد بات من الصعب إخفاء الحقيقة الأوسع: فالحرب لم تستنزف في المقام الأول الأطراف المشاركة في الصراع المباشر، بل أثقلت كاهل الشعب الإيراني بشكل غير متناسب. وقد ضاعفت سياسات مثل قطع الإنترنت من هذا الضغط، مما يثبت أنه في معادلة قوة النظام، لا يحمل الرفاه العام أي وزن يُذكر، فما يهم هو استمرارية نظام يضمن بقاءه، حتى لو كان الثمن إفقار شعبه بشكل ممنهج. هذا هو الناتج الملموس لعقيدة حفظ النظام: الاستغلال الاستراتيجي للحرب، والفرض المتعمد للضائقة الاقتصادية عبر تعطيل البنية التحتية، والاعتماد على تأكيدات خطابية تفتقر إلى أي مسارات موثوقة للتحقيق، وتبقى، حتى داخل خطاب النظام نفسه، مغلفة بالغموض. وتشير أربعة عقود من الأدلة إلى أن هذا النهج ليس عرضياً بل هيكلي؛ فهو دورة متكررة من اختلاق الأزمات والمناورات قصيرة الأجل المصممة للانتقال من حالة طوارئ إلى أخرى.

ويتمثل التأثير التراكمي في مجتمع تقيده ضغوط اقتصادية واجتماعية قاسية بشكل متزايد، مما يحد من قدرته على التعافي والتنظيم والمطالبة بحقوقه الأساسية. فمن أعلى مستويات الخطاب الرسمي إلى الاعترافات المبطنة في وسائل الإعلام التابعة للدولة، تبرز حقيقة صارخة: الصراع المركزي ليس خارجياً فحسب، بل هو صراع داخلي مستمر بين مجتمع يسعى إلى الكرامة والعيش والحرية، ونظام يعامل المواجهة الخارجية كوقود للحفاظ على السيطرة في الداخل. ولم يعد السؤال المعلق هو ما إذا كان هذا النموذج مستداماً، بل إلى متى يمكن أن يصمد تحت وطأة عواقبه الكارثية.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة