الانهيار الاقتصادي في إيران.. دمار الحرب، حجب الإنترنت، وسوق عمل يحتضر في ظل النظام الإيراني
لم يعد الاقتصاد الإيراني يواجه صدمات معزولة، بل يمر بحالة من الانهيار المنهجي الشامل. إن التأثيرات المجتمعة للصراع العسكري، وعمليات الإغلاق المطولة للإنترنت، وتخفيض قيمة العملة، وسوء الإدارة الهيكلية، تعمل على تدمير الإنتاج وسبل العيش بوتيرة متسارعة. وعلى المستوى الصناعي، ألحقت الضربات العسكرية الأخيرة أضراراً بالبنية التحتية الرئيسية، مما أدى إلى تعطيل الإنتاج والتوظيف. وقد تعطلت مرافق التصنيع الكبرى جزئياً، مما أجبر الشركات على تقليص عملياتها أو إيقافها بالكامل. وفي بعض الحالات، أفادت تقارير بأنه طُلب من العمال المشاركة في جهود إزالة الأنقاض قبل تلقي أجورهم المتأخرة، وهو مؤشر صارخ على قيود السيولة الشديدة وتدهور ظروف العمل.
وفي الوقت نفسه، أدى الإغلاق المطول للوصول إلى شبكة الإنترنت الدولية – والذي يتجاوز الآن شهرين – إلى شل الاقتصاد الرقمي في إيران بشكل فعال، بعد أن كان هذا القطاع قد أصبح مصدراً حيوياً للتوظيف، وخاصة للشباب والنساء والمهنيين المهرة العاملين في مجالات العمل الحر، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية، والتداول المالي.
لقد كان التأثير فورياً ومدمراً؛ حيث اختفت مصادر الدخل بالكامل، وفقد المستقلون إمكانية الوصول إلى العملاء الدوليين، ولم تعد الشركات عبر الإنترنت قادرة على العمل، وانقطع المتداولون عن الأسواق العالمية. ويؤكد رواد الأعمال أن سلاسل التوريد قد تجمدت، حيث تعطلت واردات المواد الخام ووصول العملاء في وقت واحد، والنتيجة هي انهيار شبه تام للنشاط الاقتصادي المعتمد على التكنولوجيا الرقمية. وقد أدت هذه الصدمة المزدوجة – الاضطراب الصناعي والشلل الرقمي – إلى موجة واسعة من تسريح العمال.
وتقوم الشركات عبر قطاعات متعددة، بما في ذلك التجزئة والتصنيع والخدمات، بتقليص حجمها أو الإغلاق تماماً. وتعمل المراكز التجارية التي كانت تزدهر بمبيعات وخدمات التكنولوجيا الآن بالحد الأدنى من طاقتها، مع إغلاق العديد من المتاجر وطرد الموظفين. ويتدهور سوق العمل بسرعة مرعبة، فحتى المهنيون ذوو التعليم العالي والخبرة الواسعة يعجزون عن إيجاد فرص عمل بديلة بعد فقدان وظائفهم. وتشير التقارير إلى زيادة حادة في نشاط البحث عن عمل، مع تقديم مئات الآلاف من الطلبات خلال فترات قصيرة، بينما تستمر الفرص المتاحة في الانخفاض، ليعكس هذا الفجوة المتسعة انكماشاً حاداً في الطلب على العمالة.
وتوضح مؤشرات الاقتصاد الكلي عمق هذه الكارثة؛ فقد فقد الريال الإيراني قيمة كبيرة، مما دفع الأجور الحقيقية إلى أدنى مستوياتها التاريخية. ومع تداول الدولار الأمريكي فوق حاجز 180 ألف تومان، انخفض الدخل اليومي الفعلي للعامل بالحد الأدنى للأجور إلى حوالي ثلاثة دولارات. ويبلغ الحد الأدنى الرسمي للأجور الشهرية – حوالي 16.6 مليون تومان – أقل من 100 دولار، وهو ما يضع إيران بشكل دراماتيكي دون المعايير الإقليمية، ويسلط الضوء على شدة تآكل القدرة الشرائية. وقد اتسعت رقعة البطالة بشكل كبير، حيث تشير الأرقام الرسمية إلى أن الاضطرابات الأخيرة المرتبطة بالصراع قد قضت على أكثر من مليون وظيفة، مع تأثر ما يصل إلى مليوني شخص بشكل مباشر أو غير مباشر. وتعتبر الأزمة قاسية بشكل خاص على النساء اللواتي تركزن بشدة في العمل عن بعد وعبر الإنترنت، وعلى العمال الشباب الذين يحاولون دخول سوق عمل يزداد انغلاقاً وجموداً.
وفي الوقت ذاته، تتدهور ظروف العمل بشكل مطرد؛ إذ أصبح تأخير الأجور، والرواتب غير المدفوعة، والفصل القسري أمراً شائعاً ومألوفاً. وتفيد التقارير أن بعض أرباب العمل يستغلون الأزمة لخفض الوظائف مع زيادة الأسعار، مما يزيد من الضغط على كل من العمال والمستهلكين في ظل غياب أي آليات رقابية فعالة. كما يتعرض المتقاعدون والأسر ذات الدخل الثابت لضغوط متزايدة؛ حيث تفشل مدفوعات المعاشات التقاعدية في مواكبة التضخم، وفي بعض الحالات، تؤدي الاستقطاعات غير المتوقعة إلى تقليص الدخول غير الكافية أصلاً، لتستنزف العديد من الأسر دخلها الشهري قبل وقت طويل من نهاية الشهر، مجبرةً على اتخاذ قرارات قاسية للتخلي عن الاحتياجات الأساسية.
إن الصورة الأوسع هي صورة انهيار منهجي؛ فالتضخم، و البطالة، وانخفاض قيمة العملة، والضعف المؤسسي المتأصل في هيكل النظام الكهنوتي، كلها عوامل تعزز بعضها البعض، وتخلق حلقة مفرغة يصعب استقرارها بشكل متزايد. وما يميز هذه المرحلة من الأزمة ليس فقط شدتها، بل اتساع نطاقها، حيث تتدهور ركائز اقتصادية متعددة في وقت واحد. بالنسبة لملايين الإيرانيين، لم تعد المسألة الاقتصادية تتعلق بالنمو أو الفرص، بل أصبحت صراعاً يومياً من أجل البقاء في بيئة يتلاشى فيها الدخل، وترتفع فيها التكاليف، وتنهار فيها الآليات التي كان يُعتمد عليها لتأمين أبسط مقومات الحياة.
- الانهيار الاقتصادي في إيران.. دمار الحرب، حجب الإنترنت، وسوق عمل يحتضر في ظل النظام الإيراني

- لم يعد بإمكان العالم تجاهل المقاومة الداخلية في إيران

- طفولة مسلحة.. كيف يحول النظام الإيراني الأطفال إلى أدوات للحرب

- إيران بين حرب الخارج وقمع الداخل: الشعب يدفع الثمن والنظام يحافظ على بقائه

- يوركشاير بايلينز: هل تنحاز أوروبا لجلادي طهران أم لإرادة الشعب الإيراني؟

- مشروع قرار أمريكي ضد النظام الإيراني في الأمم المتحدة وتحذيرات أوروبية بشأن هرمز


