الرئيسيةأخبار إيرانكيف يحوّل النظام الإيراني الخبز إلى أداة لتركيع الشعب؟

كيف يحوّل النظام الإيراني الخبز إلى أداة لتركيع الشعب؟

0Shares

كيف يحوّل النظام الإيراني الخبز إلى أداة لتركيع الشعب؟

تفكيك الكرامة الإنسانية وسلب منزلة المواطن الإيراني؛ واقع مأساوي تفرزه السياسات الاقتصادية والتوجهات الأيديولوجية لـ نظام الملالي الذي التهم مقدرات البلاد على مدار عقود.

«تشتري إحدى الفتيات الزيت ومعجون الطماطم بالدين ، بينما تأخذ زميلتها في السكن بضع حزم من الخبز والجبن بالائتمان من متجر آخر، وتتولى الثالثة مسؤولية تأمين البقوليات بالدين. هذا التقسيم المعقد للعمل هو استراتيجية البقاء لثلاث فتيات متعلمات جامعيًا في العاصمة طهران».

«يقول أحد الخبازين في وسط طهران إنه مع الارتفاع الرسمي في أسعار الخبز، يأتي بعض الزبائن ــ ومن الواضح أنهم من الموظفين المحترمين ــ ويطلبون نصف رغيف أو قطعاً من الخبز، لأنهم لا يملكون ثمن رغيف كامل من خبز السنغك». (صحيفة شرق الحكومية، 29 مايو 2026).

انهيار اقتصادي في إيران يدفع الشركات نحو الإفلاس وسط صراع المواطنين من أجل البقاء

تعصف أزمة اقتصادية طاحنة بالأسواق الإيرانية جراء الارتفاع الصاروخي في التضخم وانهيار القدرة الشرائية. وتواجه قطاعات واسعة، تشمل المطاعم والمحلات التجارية، تراجعاً تاريخياً في المبيعات وركوداً حاداً أجبر المؤسسات على التسريح الجماعي للعمال والإغلاق النهائي، بعدما بات المواطنون عاجزين عن تأمين السلع والخدمات الأساسية.

شلل تجاري | يونيو 2026 – إفلاس الشركات والمحال التجارية يعكس وصول الاقتصاد الإيراني إلى نقطة الاصطدام المباشر مع عجز الشارع، مهدداً بإنهاء سبل عيش ملايين العائلات

ما الذي يمكن لـ محتل أجنبي أن يفعله ببلد ما ولم تفعله سلطة الاستبداد الحاكمة بإيران؟

إن تقزيم المصطلحات الكبرى مثل الحرية والحياة يحتاج إلى تخصص فريد لا يملكه سوى نظام طهران؛ وتصغير شأن ومنزلة الإنسان هو النتاج الطبيعي لإدارة هذا النظام الكهنوتي. إن حكومتًا ابتلعت على مدى عقود كافة الطاقات الاقتصادية والإنسانية والاجتماعية لإيران لخدمة بقائها الأيديولوجي، قد أوصلت المجتمع اليوم إلى نقطة بات فيها مجرد البقاء على قيد الحياة هو المعضلة الأساسية لابتلاع ملايين البشر.

لقد اعتاد الجميع على قراءة وتحليل الأزمات الاقتصادية المزمنة في أشكالها التقليدية من ارتفاع خط الفقر وتفاقم التضخم؛ لكن خنق وتقليص الحاجات الأساسية للعيش لدى الطبقة الوسطى تحديداً، يمثل ورقة مرعبة وبهلوانية من السياسات الاقتصادية الإنهاكية التي تديرها غرف العمليات التابعة للنظام المتكئ على سلطة الولي الفقيه.

هذه الطبقة، التي كانت تاريخياً تتمتع بالحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، باتت مجبرة اليوم على التوسل لأصحاب المحال التجارية واختلاق الأعذار لحفظ ماء الوجه لعدم امتلاكها ثمن الخبز والجبن؛ فتردد عبارات من قبيل: نسيت بطاقتي المصرفية في المنزل، الشبكة البنكية معطلة، أو سأدفع لك غداً.

وهنا تتجاوز الأزمة حدودها الاقتصادية لتتحول إلى انهيار تدريجي للمنزلة الاجتماعية وتحقير يومي للمواطن الإيراني. إن المجتمع الذي كانت طبقته الوسطى تمثل عمود الاستقرار والتوازن الاجتماعي، يرى اليوم قطاعاً واسعاً من هذه الطبقة ــ من قشرة المتعلمين، والموظفين، والمهندسين، والتكنوقراط ــ يُدفع نحو الحذف الكامل من الحياة العامة تحت وطأة تكاليف المعيشة الأساسية.

ويرسم تقرير صحيفة شرق الصادر في ربيع عام 2026، مرآة صريحة للاقتصاد الإيراني المشلول يعكس اللقطات التالية:

  • هيمنة دفاتر النسيّة والدين على المعاملات اليومية في البقالات، والمخابز، ومحلات الخضار.
  • نفاد الرواتب: راتبان لموظفَين زوجين داخل الأسرة الواحدة لا يكفيان عموماً حتى الأسبوع الثاني من الشهر، لتبدأ أسابيع العوز العجاف حيث لا تتبقى في البطاقات المصرفية حتى قيمة لترات قليلة من البنزين.
  • انهيار المنظومة السلوكية: يروي أحد أصحاب المحال التجارية مأساة تعبر عن غياب الأمان المجتمعي قائلاً: ارتفعت معدلات سرقة المواد الغذائية الصغيرة بشكل جنوني؛ وعلب التونة تمتلك الحصة الأكبر من هذه السرقات لصغر حجمها وارتفاع سعرها. ما زلت أضع الخبز خارج المحل حتى يتمكن من يعاني من جوع حقيقي ولا يملك المال من أخذه.

هذه الصور المرعبة لا تعبر عن مجرد فقر عابر، بل هي مؤشر قاطع على تفكك بنيان المجتمع؛ حيث يقاتل المعلم والموظف والمتقاعد ليس من أجل الرفاهية، بل لمجرد الاستمرار في التنفس. وفي مقابل هذا البؤس، ينفق النظام مليارات الدولارات على آلية القمع، وتصدير الأزمات، والحروب الإقليمية بالوكالة لخدمة ديمومة سلطته.

جذور التضخم في عام 2026: هل هي الحرب أم سياسات نظام الملالي المدمرة؟

عكس مقطع فيديو متداول المعاناة الشعبية من الغلاء الموجه حكومياً في إيران، حيث قفز سعر لتر البنزين إلى 200 ألف تومان في مايو 2026. ورغم محاولات ربط الأزمة بالتوترات العسكرية، أكد خبراء اقتصاديون موالون للنظام أن التضخم ناتج عن السياسات المدمرة ولا علاقة له بالحرب، مستدلين بالاحتجاجات الشعبية التي خرجت ضد الغلاء منذ يناير الماضي.

انهيار اقتصادي | مايو 2026 – القفزة الجنونية في أسعار الوقود تكشف زيف المبررات الخارجية وتؤكد تفجير التضخم بقرارات حكومية مباشرة لتمويل عجز الموازنة على حساب لقمة عيش المواطن

وأمام قتل الكرامة الإنسانية تحت نير الحاجة، تخرج حكومة الملالي بخبرائها ومستشاريها لتقدم حلولاً ارتجالية عقيمة تتمثل في حزم دعم بائسة أو اعتبارات إعانات يائسة، وهي حلول يصفها المراقبون بأنها غير مجدية لمواجهة هذا السقوط المدوي في قلب العاصمة طهران.

إن هذا الواقع الإنساني المتردي يثبت مجدداً أن المواجهة الأساسية بين المجتمع الإيراني والنظام الكهنوتي ترتكز على ركنين لا ينفصلان: الحرية والاقتصاد. ولقد برهنت العقود الماضية على أن الشعب الإيراني لا يمكنه استعادة هذين الركنين إلا عبر الانتفاضة وإسقاط سلطة الاستبداد، فالقضية الجوهرية لم تعد تقبل المساومة، والمستقبل يكتبه ثوار الخنادق بوجه أيديولوجيا التجويع والإفقار الممنهج.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة