إفقار الشعب كاستراتيجية بقاء.. كيف يحوّل نظام الملالي الانهيار الاجتماعي إلى سلاح؟
الاعترافات الصادرة من داخل أروقة النظام حول الفقر الجماعي والانهيار النفسي تكشف كيف تحول الحرمان الاقتصادي في إيران من مجرد أزمة إلى آلية متعمدة للسيطرة الاجتماعية.
لم يعد الفقر في إيران منذ سنوات مجرد نتاج لسوء الإدارة الاقتصادية أو تفشي الفساد، بل تطور إلى شيء أعمق وأكثر خطورة: أداة للحكم. وتحت وطأة سلطة الاستبداد، أصبح الإفقار المتعمد آلية استراتيجية لإضعاف المجتمع، وإنهاك قوى المقاومة، وإعادة تشكيل النسيج النفسي للأمة بأسرها.
والأمر الأكثر دلالة هو أن هذا الواقع المرير لم يعد يُكشف فقط على ألسنة النقاد أو قوى المعارضة، بل باتت التحذيرات تتدفق باطراد من داخل المنظومة الإعلامية التابعة للنظام وعلى لسان خبرائه المقربين. ترسم هذه الاعترافات صورة مدمرة لمجتمع يتم دفعه بشكل منهجي نحو الإنهاك النفسي والتشرذم الاجتماعي.
انهيار الطبقة الوسطى وتمدد الفقر: مدن إيران تفقد روحها تحت وطأة الفساد والحروب
تُظهر طهران والمدن الإيرانية الكبرى علامات انهيار مشابهة لأواخر الإمبراطورية الرومانية، حيث يتمدد الفقر الحضري والعشوائيات إثر الفساد وسياسات الحروب. ولم تعد الأزمة مجرد ضائقة اقتصادية محدودة، بل باتت مؤشراً صارخاً على التآكل التدريجي للحياة الاجتماعية والإنسانية، وانهيار مقومات الحياة المستقلة للمواطنين.
وفي هذا الصدد، نشرت صحيفة توسعه إيراني المقربة من النظام، تقريراً صادماً اعترفت فيه بأن ما يقرب من 50 بالمائة من المجتمع الإيراني يعيشون الآن تحت خط الفقر. واستند التقرير إلى تصريحات الطبيب النفسي محمد غديري وصفي في مقابلة له مع وكالة أنباء إيلنا الحكومية. وحتى في إطار الخطاب الرسمي الخاضع للرقابة الصارمة، فإن مثل هذا الاعتراف يُعد زلزالاً مدوياً.
لكن الأشد خطورة هي العواقب التي وصفها الطبيب النفسي الأكاديمي نفسه؛ حيث أكد التقرير أن الفقر المطلق يغذي مباشرة الارتفاع الجنوني في معدلات الاضطرابات النفسية، بما في ذلك القلق، والاكتئاب، وإدمان المخدرات والمؤثرات العقلية، والسلوكيات الاندفاعية، والعدوانية، والجرائم العنيفة. وبحسب تعبيره، لم يعد الفقر مجرد حالة اقتصادية، بل تحول إلى مصنع مستمر للمقابر الاجتماعية والانهيار السلوكي.
يمثل هذا التحليل التوضيح الأكثر نصوعاً للعلاقة بين الحكم الديكتاتوري وهندسة الإنهاك الاجتماعي؛ فالمجتمع الذي يسحقه الضغط الاقتصادي المتواصل لا يفقد أمنه المادي فحسب، بل يفقد أيضاً توازنه النفسي، وثقته الاجتماعية، وأمله في الغد. ويُحرم المواطنون المستنزفون في صراع البقاء اليومي من القدرة على التنظيم، أو التفكير في البدائل، أو تحدي هياكل السلطة الراسخة.
أما الجانب الأكثر إثارة للقلق في هذه التحذيرات فيكمن في تداعياته العابرة للأجيال؛ فقد شدد الطبيب النفسي على أن آثار الفقر تمتد لعدة أجيال متتالية، حتى بعد حدوث تعافٍ اقتصادي جزئي. فسوء التغذية الذي يعصف بالعائلات الفقيرة، لا سيما خلال فترات الرضاعة والطفولة المبكرة، يلحق أضراراً بالغة بالنمو العصبي للأطفال، ويترك ندوباً معرفية ونفسية دائمية. وبعبارة أخرى، فإن سياسات نظام الملالي لا تفرغ الموائد اليوم فحسب، بل تقوض القدرات العقلية والتنموية لمجتمع الغد.
عندما يصل الحرمان إلى هذا المستوى القياسي، فإنه يكتسب وظيفة سياسية واضحة تماماً؛ فشعب يصارع الجوع، والصدمات النفسية غير المعالجة، والإدمان، وعدم الاستقرار، يصبح من السهل على أجهزة القمع السيطرة عليه، ويكون أقل قدرة على التعبئة الجماعية. وهكذا، يتحول الانهيار الاقتصادي إلى استراتيجية خبيثة لإدارة الأزمات.
وفي ذات السياق، كشفت الاعترافات عن تدمير ممنهج للطبقة الوسطى في إيران، مشيرة إلى أن ما يقرب من 30 بالمائة من هذه الطبقة قد هُبط بها بالفعل إلى قاع الفقر. وفي أي مجتمع طبيعي، تمثل الطبقة الوسطى العمود الفقري للاستقرار، والتعليم، والتطور الثقافي، والنمو الاقتصادي، لذا فإن تآكلها لا يعني مجرد ركود، بل يشير إلى تعفن بنيوي في جسد المجتمع.
إن سحق الطبقة الوسطى يمحو الأفق الاجتماعي تماماً، مستبدلاً الطموح باليأس، والحراك الاجتماعي بالركود، والمشاركة المدنية بالاغتراب. وفي ظل هذه الظروف، تتسارع معدلات الهجرة، ويتفكك التماسك الاجتماعي، وتنهار الثقة العامة.
توريث، فقر، ومشانق.. مثلث الرعب الذي يخنق النظام الإيراني ويعجل بانفجاره الداخلي
بات مستقبل النظام الإيراني محكوماً بالمواجهة المتصاعدة مع المجتمع، حيث ينبع الخوف الأعمق للنظام الكهنوتي من الاضطرابات الداخلية لا التهديدات الخارجية. ويتجلى هذا الذعر في رعب السلطة من المقاومة المنظمة والاحتجاجات الوطنية العارمة لشعب دُفع بالكامل إلى حافة الهاوية نتيجة الانهيار الاقتصادي والقمع السياسي المستمر.
إن ما يتجلى من هذه الاعترافات الرسمية هو واقع مرعب: الأزمة في إيران ليست مالية فحسب، بل هي أزمة حضارية. لم يعد الفقر نتاجاً عرضياً للحكم، بل يبدو متجذراً في منطق بقاء نظام الملالي الذي يقتات على القمع، والتبعية، والإنهاك.
لذا، لم يعد السؤال المركزي هو ما إذا كانت هذه السياسات مدمرة أم لا، فالجميع حتى داخل المؤسسة الحاكمة يقرون بدمارها. بل إن السؤال الحقيقي هو: إلى متى يمكن لنظام أن يستمر في الحفاظ على سلطته من خلال التآكل المنهجي للكرامة الإنسانية، والسلامة النفسية، ومستقبل أجيال بأكملها؟
لا يمكن لأي نظام، مهما بلغت وحشيته، أن يحافظ على سلطته إلى الأبد وهو يلتهم نفس المجتمع الذي يعتمد عليه بقاؤه. إن إيران اليوم تقف كتحذير صارخ للعالم عما يحدث عندما يحول الحكم المستبد المعاناة الاقتصادية إلى استراتيجية دولة، وعندما يصبح تدمير الإمكانات البشرية ركيزة من ركائز حوكمة الولي الفقيه.
- أزمة المياه في إيران تتعمق: عقود من سوء الإدارة باتت تهدد الملايين بالجفاف

- إفقار الشعب كاستراتيجية بقاء.. كيف يحوّل نظام الملالي الانهيار الاجتماعي إلى سلاح؟

- انهيار اقتصادي في إيران يدفع الشركات نحو الإفلاس وسط صراع المواطنين من أجل البقاء

- غلاء الألبان.. صدمة جديدة تضرب موائد الإيرانيين وتفضح الفساد الاقتصادي للنظام الإيراني

- هجرة الأطباء والمهندسين.. نظام الملالي يهدر 60 مليار دولار من الثروة البشرية سنوياً

- انهيار اقتصادي يحول المرض إلى كابوس في ظل سلطة الاستبداد


