دبلوماسية غامضة وتهديدات واضحة: الأزمة النووية الإيرانية على شفا الانفجار
مع لقاء عراقجي وغروسي وتوقيع اتفاق هش ومؤقت، عاد الملف النووي للفاشية الدينية مرة أخرى إلى مركز اهتمام السياسة العالمية. وفيما يحاول نظام خامنئي المفلس استخدام الغموض وعدم المرونة كأدوات للمساومة السياسية بهدف الخلاص من تداعيات آلية الزناد أو تأجيلها، تشدد القوى الغربية والوكالة الدولية للطاقة الذرية على الشفافية والتعاون الكامل. إن الفجوة بين هذين النهجين، التي تعود جذورها إلى بداية الملف النووي لهذا النظام، قد دخلت الآن مرحلة جديدة؛ مرحلة لا يمكن أن تطول.
اتفاق القاهرة الغامض وأسئلة بلا إجابات
أفادت وكالة رويترز بأن “المواقع الرئيسية التي تعرضت للقصف في إيران لا تزال محظورة على مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية”. هذا الوضع يتعارض مع التوقعات التي نجمت عن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في القاهرة بين رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة، وعباس عراقجي، وزير خارجية النظام. وأشارت رويترز إلى أن “لا غروسي ولا عراقجي… قدما تفاصيل”، وهو ما دفع الدبلوماسيين إلى التحذير من أن “التفاصيل هي جوهر المسألة”.
كما اعتبر لورنس نورمن، مراسل صحيفة وول ستريت جورنال، الاتفاق المذكور مفتقرًا إلى الشفافية وكتب: “انطباعي هو أن الاتفاق بين غروسي وعراقجي غامض. المحادثات مستمرة ولكن حسب فهمي لا توجد نتيجة واضحة”. هذا الغموض يعني عمليًا ترك المجال مفتوحًا لاستمرار الأزمة.
قلق غربي من مخزون اليورانيوم الإيراني
من ناحية أخرى، يسلط تقرير لمجلة نيوزويك الضوء على أبعاد أكثر خطورة للوضع. فبحسب المجلة، “لا يزال اليورانيوم المخصب لدى النظام الإيراني – سواء كان مخفيًا أو لا يمكن الوصول إليه بسبب الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية – يثير قلق القوى الغربية”. وقد اشتد هذا القلق بشكل خاص بعد التقييمات المشتركة للوكالة وثلاث دول أوروبية، التي خلصت إلى أن النظام “يمتلك مواد كافية لصنع قنبلة نووية”.
كما حذرت نيوزويك من أنه لتجنب حرب جديدة، تطالب الولايات المتحدة وحلفاؤها بالتعاون الكامل من جانب إيران، وإلا فإن “احتمال اتخاذ إجراء عسكري أمريكي أو إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة قائم”. بعبارة أخرى، لم يعد سيناريو العودة إلى “الضغط الأقصى” يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل بات يشمل أبعادًا أمنية وحتى عسكرية.
آلية الزناد: سيف ديموقليس فوق رأس النظام
أحد التهديدات الرئيسية التي تواجه الفاشية الدينية اليوم هو تفعيل “آلية الزناد”؛ وهي آلية تم تعريفها بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231. ووفقًا لهذه الآلية، يمكن لأي من أطراف الاتفاق، في حال انتهاك إيران لالتزاماتها، أن يبدأ عملية العودة التلقائية لعقوبات مجلس الأمن.
وأفادت رويترز بأن “القوى الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، وألمانيا) قد بدأت عملية آلية الزناد”، وأوضحت أنها لن توقف هذه العملية إلا إذا سمح النظام باستئناف عمليات التفتيش، وقدم تقريرًا عن مخزونه من اليورانيوم المخصب، ودخل في مفاوضات مع الولايات المتحدة. هذه العملية تعني أن نافذة الدبلوماسية محدودة وهشة، وأن النظام لم يعد قادرًا على ممارسة لعبة “المشي على الحبل” لكسب الوقت كما في السابق.
ردود الفعل الداخلية: تهديد وإنكار ومواجهة
في مواجهة هذه الضغوط، اتخذ مسؤولو النظام موقفًا دفاعيًا وهجوميًا في بعض الأحيان. فقد هاجم الحارس حيات مقدم، عضو لجنة الأمن في البرلمان، المدير العام للوكالة قائلاً: “رافائيل غروسي قد خان… لم نكن نريد أن يأتي غروسي إلى إيران مرة أخرى”. وهدد بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) مضيفًا: “إذا أرادت الترويكا الأوروبية مواصلة آلية الزناد… فسننسحب بالتأكيد من المعاهدة”.
كما وصف حسين شريعتمداري المفاوضات مع أمريكا بأنها “ليست عديمة الفائدة فحسب، بل خطيرة”، وكتب: “من الآن فصاعدًا، أولئك الذين يقترحون التفاوض مع أمريكا هم إما أغبياء للغاية أو خونة”.
نهاية لعبة كسب الوقت
بوضع كل هذه المعطيات جنبًا إلى جنب، يظهر تناقض واضح: من ناحية، يقترب المجتمع الإيراني أكثر فأكثر من نقطة الانفجار بسبب الضغط الاقتصادي والتضخم والبطالة؛ ومن ناحية أخرى، فإن النظام الحاكم، بمنطق البقاء والأمن، يصف أي تراجع أو تسوية بأنها “خيانة”. وهذا التناقض هو ما حوّل الأزمة النووية ليس فقط إلى قضية دولية، بل إلى عقدة أساسية في السياسة الداخلية لهذا النظام.
يمكن القول إنه على الرغم من الاتفاق المبدئي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن الملف النووي للنظام يقف اليوم عند نقطة حساسة: اتفاق غامض وهش، مخزون يورانيوم مقلق، تهديد آلية الزناد، واحتمال الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، كل ذلك يشير إلى أن مستقبل هذه الأزمة معرض للمخاطر وعدم الاستقرار أكثر من أي وقت مضى. والخيار النهائي واضح: إما التعاون والرضوخ للقواعد الدولية، أو مزيد من العزلة وعقوبات أشد، وفي النهاية مواجهة عسكرية. وفي كلتا الحالتين، لن يجد خامنئي فرصة لإنقاذ نظامه، لأنه من أي جهة استدار، سيجد نفسه في مواجهة الغضب الانفجاري للمجتمع الإيراني الذي بلغ السيل منه الزبى.
- الابتزاز النووي والإرهاب الداخلي: النظام الإيراني يتخبط في أزمات السقوط
- تحذير غروسي: مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب سيبقى تهديدًا حتى بعد الحرب
- كايا كالاس: الاتحاد الأوروبي يعاقب 19 مسؤولاً وكياناً تابعاً للنظام الإيراني
- علي رضا جعفرزاده لشبكة نيوزماكس: لا حاجة لتدخل عسكري أمريكي، والشعب الإيراني والمقاومة المنظمة هما الحل لإسقاط النظام
- تكتيكات الخداع وتصدير الأزمات: المقاومة الإيرانية تحذر من نوايا طهران النووية
- تصاعد التوترات النووية: تحركات عسكرية ومواقف أمريكية حازمة تجاه طهران







