أزمة المياه في إيران تتعمق: عقود من سوء الإدارة باتت تهدد الملايين بالجفاف
بينما تتراجع مخزونات السدود وتواجه المدن الكبرى شحاً حاداً في المياه، تواصل قيادة النظام نقل المسؤولية إلى كاهل المواطنين بدلاً من مواجهة عقود من التدمير البيئي والسياسات الفاشلة.
لم تعد أزمة المياه المتفاقمة في إيران مجرد تحذير بيئي بعيد المدى، بل تحولت إلى تهديد مباشر ومباشر للصحة العامة، والأمن الغذائي، والاستقرار الاقتصادي، وبقاء الملايين من سكان المراكز الحضرية الكبرى في البلاد. ومع ذلك، ورغم سنوات من ناقوس الخطر المتصاعد، تواصل مؤسسة الحكم مواجهة الكارثة بالإنكار والتملص ومطالبة الشعب بـ التضحية، بدلاً من إجراء أي إصلاح هيكلي حقيقي.
وتكشف التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولي الأرصاد الجوية وهيئات إدارة المياه عن حجم الكارثة الآخذة في التكشف. فقد حذرت السلطات من شح مائي حاد يهدد طهران، وكرج، ومشهد، وساوه، وأراك، في حين تظهر الأرقام الرسمية أن ثلث سعة خزانات السدود في البلاد لا يزال فارغاً تماماً، رغم زيادة هطول الأمطار في بعض المناطق.
الزراعة في إيران تحت الحصار: أزمة مياه حادة وسوء إدارة كارثي يهددان الأمن الغذائي للملايين
تحول القطاع الزراعي في إيران إلى جبهة مواجهة حقيقية تهدد الأمن الغذائي للمواطنين بضغوط صامتة ومدمرة. وفي حين تفرض العقوبات قيوداً على التكنولوجيا، ينبع التهديد الأكبر من الداخل جراء السياسات المائية الفاشلة وسوء الإدارة الهيكلية لنظام الملالي، مما يترك القطاع الذي يدعي الاكتفاء ذاتياً في حالة هشاشة متزايدة.
إن هذا التناقض بحد ذاته يحمل دلالات خطيرة؛ فرغم زعم مسؤولي نظام طهران أن معدلات هطول الأمطار الوطنية اقتربت هذا العام من المعدلات طويلة الأجل أو تجاوزتها قليلاً، فإن التوزيع غير المتكافئ، وتهالك البنية التحتية، والتدهور البيئي، وسوء الإدارة المزمن، تركت مساحات شاسعة من البلاد في حالة ضعف خطير. فالأزمة لم تعد تتعلق بمعدلات الأمطار، بل باتت أزمة حكم وإدارة بامتياز.
وفي هذا السياق، أقر أحد وظيفة، رئيس المركز الوطني للمناخ ومنظمة إدارة الأزمات، بأن سكان عدة مدن كبرى قد يواجهون نقصاً حاداً في مياه الشرب ما لم يخفضوا استهلاكهم بشكل جذري. ووفقاً لتصريحاته، استقبلت طهران 155 ملم فقط من الأمطار خلال العام المائي الحالي، وهو رقم يقل بكثير عن المعدل طويل الأجل للمحافظة البالغ 250 ملم. والأكثر إثارة للقلق، أن العاصمة سجلت عجزاً في الأمطار بنسبة 38 بالمائة هذا العام، بعد أن عانت بالفعل من هطول أمطار أقل من الطبيعي بنسبة تقارب 50 بالمائة خلال الدورة المائية السابقة. وتضع هذه النقص المتتالية ضغوطاً هائلة على الخزانات، وأنظمة المياه الجوفية، والبنية التحتية الحضرية المتدهورة أصلاً.
ومع ذلك، يصر المسؤولون على تقديم الأزمة أساساً باعتبارها مسألة تتعلق بأنماط الاستهلاك العام للمواطنين، متجاهلين المحركات الرئيسية وراء الانهيار البيئي في إيران، والتي تتمثل في عقود من بناء السدود العشوائي، والاستخراج غير المستدام للمياه الجوفية، وتجفيف المستنقعات، والسياسات الزراعية المدفوعة بالفساد داخل المشاريع التنموية التي تسيطر عليها مؤسسات تابعة لـ سلطة الاستبداد، فضلاً عن الغياب التام للتخطيط طويل المدى للموارد.
وتكشف إحصاءات النظام نفسه عن حجم الخلل الحاد؛ فرغم الإعلان عن زيادة بنسبة 72 بالمائة في تدفق المياه إلى السدود خلال العام المائي الحالي، فإن حوالي 33 بالمائة من السعة الإجمالية للخزانات الوطنية لا تزال فارغة. ويحذر الخبراء من أن أنماط الأمطار غير المنتظمة وسوء إدارة الموارد يواصلان تقويض الأمن المائي في عموم البلاد.
في موازاة ذلك، باتت الأزمة تهدد بشكل مباشر القطاع الزراعي وإمدادات الغذاء؛ حيث حذر بيمان ألمي، رئيس غرفة النقابات الزراعية، من أن انقطاع الكهرباء المتكرر الذي يؤثر على الآبار الزراعية قد يخفض إنتاج المحاصيل بنسبة تتراوح بين 25 و30 بالمائة، إذ يتسبب كل انقطاع للتيار في هدر ما يقرب من ساعة من مياه الري، مما يزيد من استنزاف احتياطيات المياه الجوفية الناضبة أساساً. ويعكس هذا التردي ترابطاً كارثياً في البنية التحتية الفاشلة: أزمة طاقة تضاعف أزمة المياه، والتي بدورها تعمق انعدام الأمن الغذائي والاضطراب الاقتصادي.
وحتى المسؤولون داخل شركة إدارة الموارد المائية الإيرانية يعترفون بأن 12 محافظة على الأقل لا تزال تسجل هطول أمطار دون المعدل العام، ومنها قم، وسمنان، والمركزي، ويزد، وأصفهان، وحتى أجزاء من جيلان، حيث أصبحت توقيتات الأمطار وتوزيعها الجغرافي شديدة الاضطراب نتيجة الإهمال الحكومي وتدمير البيئة.ک
أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
كشفت تقارير رسمية عن جفاف الاحتياطيات المائية خلف سدود مشهد الحيوية (دوستي، أرداك، طرق، وكارده) ونضوبها بالكامل. وأدى هذا التدهور الكارثي إلى خروج السدود من الخدمة، مما أجبر السلطات على الاعتماد الكلي على استنزاف المياه الجوفية لتأمين احتياجات ملايين المواطنين، وسط محاولات حكومية يائسة لترقيع الفشل الإداري.
وبدلاً من تقديم استراتيجية وطنية شاملة، يكثف كبار المسؤولين في حكومة الملالي، وعلى رأسهم رئيس النظام مسعود بيزشكيان، دعواتهم للمواطنين لفرض أقصى درجات الترشيد في استهلاك المياه والكهرباء والغاز والوقود، محذرين من أن الأزمة ستتفاقم ما لم يخفض الشعب استهلاكه. إن تحميل المواطنين عبء الكارثة مع تجاهل الجذور الهيكلية لها بات نمطاً ثابتاً في نموذج حوكمة الجمهورية الإسلامية، حيث لا يُنظر إلى مشقة الشعب كدليل على فشل السياسات، بل كعبء يجب على المجتمع نفسه امتصاصه وتحمله.
ويؤكد المراقبون أن الحكومة لا تملك أي خطة متماسكة أو فعالة لمواجهة هذا التحدي، بل تواصل الاعتماد على القيود المؤقتة، وتحذيرات الطوارئ، مع التهرب الكامل من المسؤولية عن عقود من الدمار البيئي. إن أزمة المياه في إيران تمثل النتيجة الحتمية لنظام سياسي قدم المشاريع الأيديولوجية، وشبكات الفساد، والبقاء قصير الأجل، على حساب التنمية الوطنية المستدامة. والنتيجة باتت ظاهرة للعيان في كل مكان: سدود تجف، وزراعة تنهار، وهجرة قسرية، وانعدام أمن غذائي، وفجوة آخذة في الاتساع من عدم الثقة الشعبية تجاه سلطة الولي الفقيه، فبلد يواجه إجهاداً مائياً مزمناً لا يمكنه البقاء تحت وطأة حوكمة قوامها الإنكار والارتجال.
- أزمة المياه في إيران تتعمق: عقود من سوء الإدارة باتت تهدد الملايين بالجفاف

- إفقار الشعب كاستراتيجية بقاء.. كيف يحوّل نظام الملالي الانهيار الاجتماعي إلى سلاح؟

- انهيار اقتصادي في إيران يدفع الشركات نحو الإفلاس وسط صراع المواطنين من أجل البقاء

- غلاء الألبان.. صدمة جديدة تضرب موائد الإيرانيين وتفضح الفساد الاقتصادي للنظام الإيراني

- هجرة الأطباء والمهندسين.. نظام الملالي يهدر 60 مليار دولار من الثروة البشرية سنوياً

- انهيار اقتصادي يحول المرض إلى كابوس في ظل سلطة الاستبداد


