الحرب الحقيقية في إيران: النظام يعلنها صراحةً ضد شعبه
تعيش الجغرافيا الإيرانية هذه الأيام تحت غبار الحرب؛ في أجواء مشحونة بالتوتر والقلق والتكهنات بشأن المستقبل. ومع ذلك، وسط هذا الضجيج الخارجي، يظل سؤال جوهري يتردد باستمرار: أين تدور الحرب الحقيقية، وبين أي أطراف؟ هل إن ما يُطرح بوصفه تهديدًا خارجيًا هو فعلاً مركز الصراع، أم أن ساحة المعركة الأساسية تقع في مكان آخر؟
للإجابة عن هذا السؤال يكفي التوقف عند تقرير بثّته شبكة الأخبار التابعة للتلفزيون الحكومي الإيراني؛ تقرير كشف، من دون قصد، حقيقة أعمق.
فقد ورد في التقرير:
«قال أحمد رضا رادان، القائد العام لقوى الأمن الداخلي في الجمهورية الإسلامية، مساء 10 آذار/مارس في حديث لشبكة خبر التابعة للتلفزيون الحكومي: إذا نزل أحد إلى الشارع تلبيةً لرغبة العدو، فنحن لا نعتبره معترضًا أو ما شابه، بل نراه عدوًا، وسنتعامل معه كما نتعامل مع العدو. وجميع عناصرنا أيديهم على الزناد ومستعدون.»
تبدو هذه العبارة في ظاهرها تهديدًا أمنيًا، لكنها في جوهرها تكشف حقيقة بالغة الأهمية. فعندما تُعرّف السلطة المواطن المحتج لا بوصفه «معترضًا» بل «عدوًا»، فإنها عمليًا ترسم حدود الحرب. ووفق هذا التعريف، لا تكون ساحة المعركة على الحدود الجغرافية للبلاد، بل في شوارع المدن الإيرانية نفسها، والخصم ليس قوة أجنبية بل أبناء هذا البلد من المحتجين.
وفي السياق نفسه، انتشرت خلال الأيام الماضية تقارير عديدة عن انتشار واسع للقوات الأمنية في شوارع المدن الكبرى. ووفق هذه التقارير، أقام عناصر الباسيج وقوات بملابس مدنية نقاط تفتيش واسعة في مختلف مناطق المدن؛ وهي إجراءات لا تهدف إلا إلى بث الرعب والخوف في نفوس المواطنين. إن مثل هذه المشاهد لا توحي إلا بظروف أشبه بحالة ثكنة عسكرية؛ وضع يكشف أن الحكومة تخشى المجتمع الإيراني أكثر مما تخشى آثار حرب خارجية.
ذعر النظام الإيراني من انتفاضات جديدة: استخبارات الحرس تهدد المتظاهرين بـ ضربة أقوى من 8 يناير
ومن بين أخبار يوم 10 آذار/مارس 2026 أيضًا، صدر بيان عن مجلس تنسيق النقابات المهنية للمعلمين وصف فيه أجواء الأيام الأخيرة في طهران بأنها «أجواء ثكنة عسكرية». هذا الوصف يعكس واقعًا أصبحت فيه كثافة الوجود الأمني في شوارع المدن أمرًا يوميًا. وعندما تكتسب عاصمة بلدٍ ما هذا المظهر، فإن ذلك يعني أن السلطة تتخذ موقفًا دفاعيًا مفعمًا بالخوف تجاه مجتمعها.
إن مجموع هذه المؤشرات، بما بينها من قواسم مشتركة، يرسم صورة واضحة: الحرب الأساسية في إيران تدور بين الغالبية الساحقة من المجتمع وبين حكم الملالي. وهي حرب لم يعد من الممكن وصفها بأنها مجرد «احتمال مستقبلي». فقد تجاوز المجتمع الإيراني مرحلة الإمكان، ومرّ بتجربة الانتفاضة الوطنية الشاملة في كانون الثاني/يناير 2026، وهي انتفاضة كشفت أن الفجوة بين المجتمع والسلطة وصلت إلى مرحلة لا رجعة فيها.
إن ما يثير خوف القائد رادان وبقية الأجهزة الأمنية للنظام اليوم ليس مجرد احتمال اندلاع احتجاجات، بل حضور كابوس تلك الانتفاضة بصورة دائمة في بنية السلطة. فآثار تلك الهبّة الشعبية ما تزال حيّة في الذاكرة الجمعية للمجتمع، كما أنها تتجدد في ذهن الحكام على شكل كابوس مستمر. والخوف الحقيقي يكمن في احتمال أن يتكاثر الغضب المكبوت داخل المجتمع، بعد القمع الدموي والمجازر التي شهدها كانون الثاني/يناير، ليعود هذه المرة في شكل أوسع وأكثر شمولًا.
وفي مثل هذه الظروف، قد تنتهي حرب خارجية في لحظة ما عند نقطة توازن مصالح أو توازن قوى. أما الحرب الحقيقية بين المجتمع والسلطة فلها مصير مختلف. فبحكم طبيعتها العميقة والبنيوية، لا يمكن أن يكون لها إلا نهاية حاسمة واحدة: نهاية نظام ولاية الفقيه.
ففي نهاية المطاف، قد تتمكن السلطة من عقد صفقات مع أطراف خارجية، لكنها لا تستطيع عقد صفقة مع إرادة غالبية مجتمع يطالب بحريته وكرامته. هنا لا توجد مساومة، بل معادلة واحدة فقط: نهاية احتلالٍ دام سبعةً وأربعين عامًا.
- في ظل الحرب وصمت العالم.. كيف يحطم الإيرانيون آلة القمع والمشانق؟

- لم يعد بإمكان العالم تجاهل المقاومة الداخلية في إيران

- الحرب كاستراتيجية والإعدام كرسالة.. دليل النظام الإيراني للبقاء

- وحدات المقاومة.. بوصلة الخلاص ورمز الفخر الوطني في إيران

- عد تنازلي لإدراج حرس النظام الإيراني على قوائم الإرهاب في بريطانيا


