التعليم في إيران: مهدُ الحضارة أم مقصلة المستقبل؟
لو قُدّر لباحثٍ فطن أن يتقصّى أسباب الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المستعصية التي تضرب بلداً ما، ولوجد أن هذه الأزمات تتراكم وتتكاثر عاماً بعد عام، فأي طريق سيسلكه لكشف الجذور الحقيقية للمرض؟ هل سيتجه إلى مكان آخر غير المنبع الذي تتشكل فيه عقول أبناء ذلك المجتمع وتتربى أجيال مستقبله؟ بالطبع لا. سيتجه مباشرة إلى نظام التعليم، فهو المهد الذي يُصنع فيه إنسان الغد، وهو الحاضنة التي تنمو فيها بذور الحضارة والعلوم والسياسة والثقافة، والتي تشكل بمجموعها “وعي” الأمة. إن معيار تقدم أي دولة هو نظامها التعليمي السليم الذي يربي أجيالاً مثقفة تبني المستقبل.
والآن، تخيل المشهد الأكثر رعباً: أن تصل أيادي نظام الملالي الحاكم إلى هذا المهد تحديداً، وتعبث به وتلوثه بسياساتها الفاسدة. ماذا سيحدث لبلد يتحول فيه قطاع التعليم، المسؤول عن بناء الإنسان، إلى ساحة للتربح المادي وتكريس الفجوة الطبقية؟ في ظل حكم الملالي، لم يعد هذا مجرد تصور، بل هو واقع مرير تعيشه إيران. لقد لخصت صحيفة “ستاره صبح” الحكومية في عددها الصادر بتاريخ 16 يوليو 2025 الكارثة في عنوان واحد: “نظام التعليم أصبح طبقياً”.
هذا العنوان وحده يكفي ليكون شهادة وفاة للمشروع السياسي والاقتصادي والثقافي والتعليمي للنظام الحاكم. أما السطر الأخير في هذه الشهادة، فيكشف عن آلية الانهيار: “التخلي عن المسؤولية” عبر خصخصة قطاع التعليم. والنتيجة بالنسبة للأسر الإيرانية هي مواجهة “سبع مراحل شاقة” لتسجيل أبنائهم في المدارس، في رحلة مذلة للبحث عن حق أساسي.
وتنقل الصحيفة عن خبير تربوي وأستاذ جامعي ما يشبه تقريراً عن وقوع الكارثة بالفعل، فيقول: “في قطاع التعليم، الذي يعد من أهم المجالات الاستراتيجية والمصيرية في البلاد، نواجه تخلياً كاملاً عن المسؤولية. المسؤولون المعنيون لا يرغبون في تنفيذ أعمال جوهرية وشاقة. اليوم، يعاني التعليم في إيران بشكل جامح من أخطاء تعليمية وتربوية فادحة”.
وها هي علامة أخرى على الكارثة التي تجري فصولها الآن، وعلى حشرة الأرضة التي تنخر في جسد مستقبل إيران: “إن القطاع الخاص المستقل في التعليم يسعى لاصطياد الثروة من الطبقة المترفة في المجتمع، ولا يولي اهتماماً كبيراً للتعليم والتربية. في بعض هذه المؤسسات، تُداس جميع المبادئ الإنسانية والأخلاقية والقواعد التربوية تحت الأقدام، فقط من أجل أن يحصل الطالب على مرتبة متقدمة في امتحانات القبول الجامعي (الكونكور). هذا النمط من التعليم لن يترك لنا مستقبلاً. هذا الوضع يعني تفكك المجتمع وانهيار العلاقات الاجتماعية”.
لقد أشرنا مراراً وتكراراً إلى أن حكم ولاية الفقيه لا مثيل له في تاريخ إيران في تكريس الطبقية، وفي الجرائم السياسية، والنهب الاقتصادي، وتدمير البيئة، ومعاداة المرأة، والخداع الديني. هذه الشواهد دقيقة ومنطبقة على طبيعة هذا النظام لدرجة أننا نرى تطابقاً تاماً في تفرده بتدمير قطاع التعليم، تفرّد لا مثيل له حتى على مستوى العالم. وكما يقول الخبير: “هذا الأسلوب من التدمير الاستباقي للمستقبل لم يسبق له مثيل في أي مكان في العالم. لقد تميزت إيران في مجالات عدة عن العالم، وللأسف، سلكت طريقاً إلى اللا مكان: الأول هو التعليم، والثاني الصحة والعلاج، والثالث الإسكان. في هذه المجالات، لا يمكننا مقارنة أنفسنا حتى بأسوأ البلدان! والسبب هو أن المسؤولين قد تركوا هذه القطاعات لمصيرها ويعيشون حالة من التسيير اليومي للأمور”.
في ظل هذا الوضع، ما هو المصير الذي ينتظر مستقبل إيران؟ أليست أرض إيران تصرخ بألف لسان، وتطلق نداءً عالياً بأن الوقت قد حان لانتفاضة شاملة وثورة اجتماعية تحسم مصير هذا الاحتلال الشامل الذي يفرضه حكم ولاية الفقيه على كل مناحي الحياة؟ إنها دعوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تبتلع الهاوية ما تبقى من وطن.
- أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
- التضخم يبتلع موائد الإيرانيين مسجلاً 62.2%.. اقتصاد في حالة سقوط حر
- الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
- صحيفة دير ستاندرد تفضح الإمبراطورية المالية لـ مجتبى خامنئي في قلب أوروبا
- بزشكيان يعترف بـ الانهيار الوشيك.. قلب النظام ينبض بصعوبة وأي ضغط إضافي سيفجره
- اعترافات في برلمان النظام : عرقلة تفتيش الطاقة الذرية، خط الفقر يقفز لـ 50 مليون تومان، وآلاف الوفيات بسبب التلوث







