728 x 90

إيران ..القضية الرئيسية ليست التفاوض أم عدم التفاوض؟!

  • 12/17/2019
حديث اليوم
حديث اليوم

أکّد "حسن روحاني" في کلمة له باجتماع مجلس الوزراء الإیراني يوم الأربعاء 11 دیسمبر، مرة أخری عن رغبته في "المفاوضات" واصفاً إياها بأنها ضروریة لمواجهة العقوبات والالتفاف علیها. وقال: «الآن المفاوضات متاحة، السياسيون من مختلف البلدان يتحدّثون إلينا».

في الأيام الأخيرة تکررّت إشارة "روحاني" رئیس النظام الإيراني إلی ضرورة التفاوض معتبراً إیاه السبیل الوحید لإنقاذ النظام من مأزقه ووضعه الحالي الشديد التأزم.

وقال "روحاني" في كلمة له یوم الاثنین 9 دیسمبر أمام طلّاب جامعة "فرهنکیان" بمناسبة یوم الطالب إنّ: «المفاوضات أمر ضروري وخطوة ثوریة إذا أدّت إلی هزیمة العدو وإحباط مؤامراته».

وقد تحدّث في الأسبوع الماضي (4 دیسمبر) مفصّلاً عن ضرورة التفاوض خلال مؤتمرٍ حول «التأمین والتطویر» بالعاصمة طهران. وسخر علناً من موقف «لن نتفاوض» الذي یتبنّاه خامنئي في معارضته الشدیدة لأیة مفاوضات مع الولایات المتحدة الأمریکیة قائلاً: «قول المرء بأني لن أتفاوض أمر سهل للغاية، یکفي أن يردّد شعاراَ واحداً وهو: «لن أتفاوض» في حین أن الصعوبة تکمن في التفاوض علی حد تعبیره.

تصريحات "روحاني" هذه بطبیعة الحال کانت شدیدة الوطأة علی خامنئي وعصابته الحاکمة ولم یستطیعوا استساغتها. فجاء الردّ سریعاً من قبل الصحف التابعة لعصابة خامنئي التي عرضت مواقف "روحاني" المتناقضة بشأن المفاوضات، وذکّرته بموقفه المعارض حین اعتبر أنّ التفاوض مع الولایات المتحدة ضرب من الجنون.

وردّت هذه الصحف المسیّسة علی سخریته من خامنئي (في مؤتمر التأمین).

صحیفة "رسالت" (5 دیسمبر) کتبت مخاطبة "روحاني":

«سیادة الرئیس تذكّر أنك كنت على بعد خطوة أو أقلّ من أن تُسحَق تحت أقدام الناس، ومراجع التقلید، والبرلمانیین وغيرهم حین أنقذك «الولي الفقیه» وحده. دع تسلسل المناصب واحترام ولایة الفقیه وكل ذلك جانباً، على الأقل أظهر قلیلاً من المعرفة»!

لابدّ من أنّ هذه الهجمات الشرسة علی "روحاني" قد أرغمته علی التراجع واتخاذ الحذر في حدیثه حول المفاوضات خلال اجتماع مجلس الوزراء، إذ ضمَّن حدیثه عن «ضرورة التفاوض» عبارات مثل: «الحکومة ستتحرّك في إطار الخطوط الحمراء للنظام» و«لن نتجاوز هذه الخطوط» لیطمئن المعارضین.

علامات خلف الکوالیس تشیر إلی التفاوض

تدّل علامات کثیرة علی محادثات سرية جارية أو من المزمع إجراؤها قریبا ،من زيارة وزير الخارجية العماني لطهران، وسفر "عباس عراقجي" مبعوث روحاني الخاص إلى اليابان الأسبوع الماضي تمهیداً لزیارة مرتقبة لروحاني إلی الیابان علی ما یبدو، وصولاً إلی موضوع وساطة اليابان بضوء أخضر أبدته واشنطن لطوکیو التي کانت إحدی القنوات الوسیطة بین إیران والولایات المتحدة الأمریکیة خلال الشهور الماضیة، ختاماً بالإعلان الأخیر للرئيس الأمريكي عن استعداده للتفاوض مع إیران.

لذا فهناك أسئلة عدیدة تطرح حول هذه المستجدات، هل بالفعل موضوع المفاوضات جدي هذه المرة بعد أن وصل النظام إلی حافة الاختناق الاقتصادي عقب الضربة القویة التي تلقّاها من انتفاضة نوفمبر الشعبیة؟

هل تخلّى الولي الفقیه عن موقفه الثابت في رفض التفاوض؟

هل الهجمات التي تشنّها وسائل الإعلام التابعة لخامنئي وعصابته على "روحاني" وزمرته المؤیدة للمفاوضات، دخان متصاعد لإخفاء المفاوضات الجاریة خلف الكواليس؟

تتضاعف أهمیة وخطورة هذه الأسئلة مع تصاعد انتفاضة نوفمبر للشعب الإیراني التي ألحقت ضربة قاضیة بالنظام وتحدیداً خامنئي، وأضعفت موقفه بشكل کبیر داخل النظام.

للإجابة على هذه الأسئلة يجب علینا أولاً الإجابة على السؤال التالي: هل هروب النظام من المفاوضات ناتج عن القوة أم الضعف؟

بالطبع الجواب هو أنّ خامنئي لا يستطيع التفاوض بسبب ضعفه الشديد. وقد أشار خامنئي نفسه صراحة أو تلميحاً إلی هذا الأمر في كل مرة تحدّث فیها عن رفضه للمفاوضات. على سبيل المثال، قال إنّ الولايات المتحدة ترمي من وراء المفاوضات إلی دفعنا إلى الاستسلام وذکر أنّ: «الغرض من التفاوض هو أننا (الولایات المتحدة) نقول شيء ما وأنتم تقبلونه».

بالتالي یمکن القول إنّ إضعاف موقف النظام خاصة الولي الفقیه إثر انتفاضة نوفمبر سیُبعد خامنئي عن الجلوس إلی طاولة المفاوضات أکثر من ذي قبل، في حين أن العکس غیر صحیح! کما أنّ الولايات المتحدة أو أوروبا أو أي طرف آخر سيدخل إلی التفاوض مع النظام عقب انتفاضة نوفمبر وهو مدرك لحقيقة أنّ النظام قد أصبح ضعيفاً وهشّاً ومهزوزاً بشكل واضح وأكثر من أي وقت مضى نتيجة للانتفاضة الواسعة النطاق، وبالتالي ستقوم الدول المفاوضة بتعديل مواقفها إزاء وضع النظام الجديد بشکل أتوماتیکي.

يمكن رؤية هذه الحقيقة بجلاء في تغییر لهجة كل من الولايات المتحدة والدول الأوروبية فيما يتعلق بالنظام.

هذا وقد أدّت انتفاضتي العراق ولبنان إلی جانب انتفاضة نوفمبر الإیرانیة وانهیار العمق الاستراتیجي للنظام في المنطقة إلی تقزیم موقف النظام ومکانته في المجتمع الدولي بشکل كبير.

هل تشکّل الضغوط الناجمة عن "الاختناق الاقتصادي " آلیة للتفاوض؟

من ناحية أخرى فإنّ حالة الاختناق الإقتصادي التي یعاني منها النظام هي حقيقة خطيرة للغاية دفعت بالولي الفقیه إلی المخاطرة وقبول قرار زیادة أسعار البنزین علی الرغم من علمه التام بخطر الانفجار الاجتماعى الذي سیعقب هذا القرار، لکنه لم یرضخ لخطوة التفاوض مع الولايات المتحدة التي أصرّ علیها روحاني وحکومته.

مع إنّ النظام قد فُوجيء بحجم الإنتفاضة، وکان سیمتنع عن تقنین وتنفیذ قرار رفع أسعار البنزین لو کان یعلم أنه سیشعل فتیل هکذا انتفاضة عارمة، لکن علی أیة حال کان ینبغي علی خامنئي الاختیار بین السيء والأسوأ، وقد اختار قرار رفع أسعار البنزین وتحمّل خطر اندلاع الانتفاضة علی أن یختار الأسوأ بالنسبة إلیه وهو تجرّع سمّ التفاوض، لأنّ التفاوض مع الولایات المتحدة الأمریکیة علی حد تعبیره هو «سمّ، والتفاوض مع الحکومة الأمریکیة الحالیة سمّ مضاعف».

کما أنّ "خامنئي" قد صرّح في وقت سابق بأنّ التفاوض یعني تنازل لا نهایة له وسیؤدي إلی نفي نظام ولایة الفقیه في نهایة المطاف.

ما تفسیر علامات التفاوض خلف الکوالیس؟

إذن كيف ينبغي تفسير التطورّات الأخيرة والزیارات التي تتمّ مع الوسطاء والعلامات الدالّة علی إجراء المفاوضات خلف الكواليس؟

الجواب هو أنّ خامنئي في خضم الأزمة الشاملة التي اجتاحت أرکان النظام، يرحّب بوجود أي نوع من العلاقات مع المجتمع الدولي على أمل الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع الأطراف الأخری. لهذا یواصل سیاسة المماطلة لکسب الوقت والتعامل بحیطة وحذر. لکن بالطبع هذه السياسة لن تنفع النظام ولن تداوي جرحاً من جروحه العدیدة في ظلّ الظروف الراهنة حیث أن عنصر الوقت لیس لصالح النظام بینما یزداد ضعفاً وتآکلاً یوم بعد یوم.

بغض النظر عن كل هذا، فإنّ التفاوض أو عدم التفاوض لیس أمراً مهماً في الوقت الحالي. لأن مع افتراض إجراء المفاوضات، وحتى لو جلس المسؤولون الأمریکیون السابقون المتعاونون مع النظام الإیراني علی طاولة المفاوضات وأمدّوا النظام من جدید بملیارات الدولارات، لن يغير هذا من مصیر النظام الحتمي الذي خطّه له الشعب الإیراني وجیله الشاب الباسل في انتفاضة نوفمبر وهو السقوط دون أدنی شك.

هذا ما أکّده قائد المقاومة الإیرانیة مسعوى رجوي في رسالته (25 نوفمبر) حیث وصف انتفاضة نوفمبر بأنها: «وثیقة التأمین الخاصة بنا للتطورات المستقبلية».

نعم، لن یتمّ تحدید مصیر وطننا بناء علی سیاسات القوی الأجنبیة وعملائهم، بل سیتمّ تعیینه وفقاً لمقاومة الشعب الإیراني واستراتیجیة جیشه الحرّ الناجعة. وقد ثبتت فاعلیتهما خلال انتفاضة نوفمبر العظیمة ونضال الشباب البواسل ونشاط المراکز الثوریة في جمیع مدن إیران.