الرئيسيةأخبار إيرانخلف كواليس التلويح بالقنبلة الذرية: النظام الإيراني يهرب من شبح الانفجار الداخلي...

خلف كواليس التلويح بالقنبلة الذرية: النظام الإيراني يهرب من شبح الانفجار الداخلي نحو الابتزاز الخارجي

0Shares

خلف كواليس التلويح بالقنبلة الذرية: النظام الإيراني يهرب من شبح الانفجار الداخلي نحو الابتزاز الخارجي

في سياق الانهيار المعيشي المتسارع، وتصاعد الاحتقان الاجتماعي، والتحولات الأمنية الإقليمية خلال خريف وأواخر أكتوبر 2026، شهد الخطاب السياسي والإعلامي لدى مسؤولي النظام الإيراني قفزة لافتة نحو التلويح العلني بـ إعادة النظر في العقيدة النووية، والتهديد بـ الانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وصولاً إلى الدفع باتجاه إنتاج القنبلة الذرية؛ حيث تحولت منابر صلاة الجمعة، وقاعة البرلمان، ووسائل الإعلام الرسمية إلى منصة منسقة لاصطناع مطالب شعبية وهمية تزعم رغبة أكثر من 70% من المجتمع في كسر الخطوط الحمراء التسليحية. ويكشف تفكيك أبعاد هذه الموجة الدعائية أنها لا تعكس تحولاً استراتيجياً أو تقنياً فعلياً، بل تمثل محاولة مصطنعة لخلق استقطاب أمني للهروب من استحقاقات الأزمات الداخلية المستحكمة.

هندسة الخطاب النووي: من منابر الجمعة إلى مشاريع القوانين

يكشف توحيد النبرة النووية عبر القنوات الرسمية عن خطة دعائية موجهة ومنسقة بدقة وليست مجرد تصريحات عفوية؛ فقد برز ذلك في ادعاءات أئمة الجمعة التابعين لعلي خامنئي، مثل محمد جواد حاج علي أكبري، الذي استند إلى استطلاعات رأي مجهولة المصدر للترويج لفرية مطالبة الأغلبية بصناعة القنبلة، وتزامن ذلك مع تحركات نيابية قادها نواب مثل عليرضا سليمي ومحمود نبويان للتهديد بتقديم مشروع قانون بصفة «عاجل جداً» لإلزام السلطة بالانسحاب من معاهدة (NPT) وتعديل التوجهات الدفاعية. وتستند هذه المناورة إلى نهج قديم اعتمده النظام منذ الكشف عن منشآت نطنز لتخصيب اليورانيوم مطلع الألفية وإحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي، حيث ظل المشروع النووي ورقة مساومة وضمانة لبقاء السلطة، غير أن المرحلة الراهنة تتميز بمحاولة منهجية لتحويل ما كان يُعد محظوراً دبلوماسياً إلى مطلب عام مزيف لفرض أمر واقع جديد.

الأهداف المزدوجة: ابتزاز إقليمي وترميم معنويات الحاضنة المنهارة

تتحرك هذه المناورات الكلامية في إطار تحقيق هدفين متوازيين يفرضهـما المأزق الراهن:

المناورة الإقليمية والردع القائم على الاستنزاف: يواجه النظام تحديات قاسية وتراجعاً حاداً في ركائز نفوذه الإقليمي، ومن ثم فإن إطلاق التهديدات النووية المتتالية لا يعكس جاهزية عملياتية لتركيب رؤوس حربية فورية، بقدر ما يمثل محاولة لخلق «ردع كلامي» يستهدف إرهاب دول المنطقة ودفع القوى الغربية إلى التراجع عن ممارسة المزيد من الضغوط الاستراتيجية.

حقن الأمل الكاذب في صفوف العناصر المحبطة: أسفر فشل الحسابات الإقليمية وتبخر الوعود المتكررة بـ الانتقام عن صدمة هيكلية وإحباط واسع النطاق في صفوف القواعد الموالية والأجهزة العملياتية، بما فيها التشكيلات المرتبطة بـ «حرس النظام الإيراني». ويشكل التهويل بالقدرات النووية أداة بروباغندا لفرملة نزيف الانشقاقات والتآكل المعنوي في بنية النظام، رغم أن بقاء هذه التهديدات مجرد وعود جوفاء سيسرّع حتماً من وتيرة فقدان الثقة داخل هذه الدوائر.

پارانويا أمنية ورعب وجودي من الانفجار الاجتماعي الداخلي

يظل الدافع الجوهري للجوء إلى هذا الخطاب الراديكالي هو الخوف من السقوط بفعل الانفجار الداخلي؛ فالاعترافات المتتالية من كبار مسؤولي الجهاز التنفيذي—بدءاً من إقرار رأس الحكومة بوقوع المنظومة في حصار خانق يهدد بقاءها، وصولاً إلى اعتذار وزراء القطاع الاقتصادي عن عجز المواطنين عن تأمين أبسط متطلبات الغذاء اليومي—تفضح حجم الهوة الفاصلة بين الحكام والمحكومين. وقد انعكس هذا الذعر من تمرد الفئات المسحوقة وجيل الشباب في خطب دينية وأمنية متطرفة؛ حيث طالب إمام جمعة كرج بـ «وضع بوابات وحراس على مداخل القلوب»، في حين دعا خطباء آخرون إلى تعميم الشك الأمني في كل مواطن والتجسس على حركة الجيران. وتبرز هذه المواقف تحول السلطة إلى حالة هستيرية ترصد في كل تحرك يومي للمواطنين نذيراً لثورة وشيكة.

يشكل التصعيد الكلامي غير المسبوق حول السلاح النووي ستارة دخان مفضوحة للتغطية على تآكل ركائز الحكم وهشاشة توازناته الداخلية؛ فنظام يواجه أزمة شرعية غير قابلة للحل، وتضخماً يسحق معيشة الملايين، ومجتمعاً يقف بكافة طبقاته على حافة ثورة عارمة، يعمد إلى خلق أوهام القوة الذرية لترقيع تصدعات أجهزته ومقايضة الخارج بأمن المنطقة. إن هذه المغامرة الاستنزافية، التي تُلقي بأعباء اقتصادية وسياسية باهظة على كاهل الشعب الإيراني، لن تفلح في تبديد رعب السلطة من الحساب التاريخي المحتوم؛ إذ إن مصير الاستبداد لا تحسمه خطب المنابر أو الابتزاز العسكري، بل تصنعه إرادة الجماهير المصممة على إسقاط الديكتاتورية واسترداد حقوقها المسلوبة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة