مأزق «لا حرب ولا سلام»: تناقضات مجتبى خامنئي تفضح التخبط الاستراتيجي في قمة هرم النظام الإيراني
في أواخر أكتوبر 2026، كشفت المواقف والرسائل المتضاربة الصادرة عن أعلى هرم السلطة في طهران عن انسداد استراتيجي غير مسبوق يعصف بأروقة النظام الإيراني، حيث يتأرجح الخطاب الرسمي بين الاستعداد لمواجهة عسكرية جديدة وتوسيع القدرات الصاروخية والمسيّرات والتحكم في مضيق هرمز، وبين محاولات فتح مسار لإنهاء حالة «لا حرب ولا سلام» الممتدة؛ فمع تصاعد الضغوط المركبة، طفت الانقسامات الحادة بين ما يصدر عن مجتبى خامنئي وما يطرحه رئيس السلطة التنفيذية مسعود بزشكيان وبقية أقطاب الحكم إلى العلن، مما يبرهن على غياب رؤية استراتيجية متماسكة قادرة على الموازنة بين كلفة التصعيد الخارجي ورعب الانهيار أمام الاحتقان الشعبي المتفاقم.
عقوبات جديدة من الخزانة الأمريكية تستهدف شبكات التمويل والالتفاف المالي التابعة لنظام الولي الفقيه
تواصل وزارة الخزانة الأمريكية تشديد الإجراءات الرادعة وتوسيع دائرة العقوبات المالية لتفكيك شبكات غسيل الأموال وشركات الواجهة التي يعتمد عليها نظام الولي الفقيه للالتفاف على القيود الدولية. وتستهدف هذه التدابير تجفيف قنوات التمويل السرية التابعة لحرس النظام الإيراني، وقطع شريان الإمداد المالي المخصص لتغذية الترسانة العسكرية والميليشيات الإقليمية وأجهزة القمع الداخلي، ما يضاعف من وطأة الخناق الاقتصادي ويفاقم العزلة المفروضة على المنظومة الحاكمة في طهران.
رسائل متناقضة وانقسام في تفسير مأزق «لا حرب ولا سلام»
تجسدت أحدث مظاهر التخبط القيادي في أعقاب الاجتماع الذي عقده مجتبى خامنئي مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، حيث جرى التأكيد على ضرورة التمسك بشروط النظام لإنهاء حالة الركود الراهنة القائمة على معادلة «لا حرب ولا سلام». وفي اليوم التالي مباشرة، سارع مسعود بزشكيان خلال اجتماع لمجلس الوزراء إلى تقديم قراءة مغايرة، مفسراً توجيهات الولي الفقية بأنها تعني حتمية كسر الجمود الراهن والخروج من المأزق، لكنه استدرك بالتشديد على استمرار الاستعداد لخيار الحرب بالتوازي مع السعي لأي تفاهم. إن هذا التباين العلني بين مؤسسات صنع القرار لا يقتصر على خلاف شكلي في التعبير، بل يعكس صراعاً جوهرياً بين أجنحة السلطة حول كيفية مواجهة الأزمة الوجودية: فبينما يرى تيارٌ ضرورة التوصل إلى تسوية لتفادي السقوط، يصر تيار آخر على رفع سقف الابتزاز العسكري كشرط مسبق لأي حوار.
أوراق الابتزاز العسكري: مضيق هرمز وتدوير المناورات الإقليمية
تزامنت هذه التناقضات مع تحركات مكثفة ركزت على استعراض أدوات الردع؛ إذ شدد مجتبى خامنئي خلال لقائه برئيس البرلمان محمد باقر قاليباف على تدعيم عناصر القوة، وفي مقدمتها تشديد السيطرة على مضيق هرمز وتوسيع الترسانة الصاروخية وبرامج الطائرات المسيّرة، إلى جانب التمسك بالعلاقات مع الشركاء الاستراتيجيين. وجاء توقيت هذه الطروحات لافتاً في ظل الحراك الدبلوماسي والعسكري في المنطقة، والذي شمل زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وقائد الجيش الباكستاني. كما أعادت المباحثات مع القائد الأسبق لـ «حرس النظام الإيراني» محسن رضائي تسليط الضوء على سيناريوهات إنهاء الجمود الحالي. وفي المقابل، واصلت منصات إعلامية ومسؤولون نافذون الدفع باتجاه خطاب صدامي يدعو لمضاعفة الضغط العسكري والاستعداد لجولة قتال جديدة بدلاً من التعويل على التفاوض، بينما حاول قاليباف انتهاج ذات المقاربة المزدوجة بالجمع بين الجاهزية للحرب وإبقاء باب الدبلوماسية موارباً دون تقديم صيغة توفيقية قابلة للحياة.
نزيف الموارد والذعر من انفجار الشارع الثائر
تكشف هذه المناورات المتضاربة عن المأزق الفعلي للنظام؛ إذ إن أي مواجهة خارجية جديدة ستجلب دماراً اقتصادياً وخسائر عسكرية تعمق هشاشته السياسية، في حين أن استمرار المراوحة وحالة عدم اليقين يستنزف ما تبقى من شرايين الاقتصاد. لكن العقدة الكبرى التي تعجز كل التوليفات الفوقية عن حلها تكمن في العامل الحاسم المتمثل في الغليان الداخلي؛ فالأزمة المعيشية المستفحلة، وانهيار القوة الشرائية، والتضخم الجامح، وارتفاع معدلات البطالة، الناجمة جميعها عن تحويل مقدرات الشعب لتمويل آلة البطش التابعة لـ «حرس النظام الإيراني»، حولت الشارع إلى برميل بارود. إن أي تصعيد خارجي سيفاقم الضغط على كاهل المحرومين، كما أن أي تنازلات تفاوضية ستقابل برفض أجنحة النظام الداخلية، وفوق هذا وذاك فإن أي تسوية خارجية لن تطفئ نيران الغضب الشعبي التي دفعت الملايين إلى الساحات.
الخبز يتحول إلى سلعة كمالية في إيران: تداعيات كارثية لسياسات التجويع والإفقار الممنهج التي يفرضها نظام الولي الفقيه
تسجل أسعار الخبز في مختلف المدن والمحافظات الإيرانية قفزات غير مسبوقة إثر قرارات رفع الدعم والزيادات المتتالية التي أقرتها السلطات، ليتحول رغيف العيش الأساسي من قوت يومي للملايين إلى سلعة تفوق قدرة العائلات والطبقات الكادحة. وتكشف هذه السياسات عن تمادي نظام الولي الفقيه في تجويع المجتمع وسلب موائد الفقراء لتمويل أجهزة القمع والترسانة العسكرية والميليشيات، مما يضع البلاد أمام احتقان معيشي متصاعد ينذر بموجات غضب شعبي واسعة.
حتمية الحسم الثوري: إسقاط الاستبداد وبناء الجمهورية التعددية
يثبت العجز عن تبني استراتيجية مستدامة أن الأزمة تجاوزت حدود المناورات السياسية لتطال بنية الحكم ذاتها؛ فالأصوات الحرة داخل المجتمع الإيراني، وفي طليعتها التشكيلات المنظمة من «جيش الجياع»، تدرك أن الحل لا يكمن في ترقب نتائج صراع الأجنحة أو انتظار ما ستسفر عنه ألعاب الابتزاز الإقليمي. وبدعم ميداني متواصل من قِبل «وحدات المقاومة» التي تؤطر كل «حراك اعتراضي» وتصعّد وتيرة «النضال» الثوري، يترسخ في الوعي الجماهيري المبدأ الراسخ: «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه»، بوصفه الحد الفاصل الذي يجهض محاولات إعادة إنتاج الاستبداد.
تؤكد الوقائع السياسية في نهاية أكتوبر 2026 أن التخبط المستشري بين خياري التصعيد العسكري أو التراجع التكتيكي لا يمثل مجرد تباين في القراءات الدبلوماسية، بل هو انعكاس لأزمة بقاء شاملة يواجهها النظام الإيراني بعد أن استنفد كل مناوراته الخارجية ومحاولات شراء الوقت؛ فالمعضلة الجوهرية لا تنحصر في عجز مجتبى خامنئي عن حسم بوصلة القرارات، بل في أن أي مسار يختاره سيضعه في مواجهة مباشرة مع الشعب الإيراني الذي يرفض الاستبداد بكافة أشكاله، قاطعاً الطريق على مشاريع الالتفاف ومخلفات نظام الشاه. ومع استمرار استنزاف الثروات في التسلح والمغامرات العسكرية، يبقى الأفق مفتوحاً أمام تصاعد النضال الجماهيري لكسر القيود، ليؤكد أن التغيير التاريخي لا يمر عبر تسويات المساومة الدبلوماسية، بل عبر الإرادة الشعبية الحرة القادرة على تفكيك بنى التسلط وإقامة جمهورية ديمقراطية تليق بتضحيات الشعب الإيراني وتطلعاته المشروعة.
- وثيقة قضائية فرنسية تكشف مخاطر أمنية مزدوجة ضد تظاهرة المقاومة الإيرانية في باريس

- احتجاجات المتقاعدين والمعلمين في إيران: كفى إشعالا للحروب.. موائدنا فارغة

- عمدة كونئو الإيطالية: إرث مدينتنا في مقارعة الفاشية يربطنا بالمقاومة الإيرانية

- مأزق «لا حرب ولا سلام»: تناقضات مجتبى خامنئي تفضح التخبط الاستراتيجي في قمة هرم النظام الإيراني

- كيف يمهد الغلاء لنهوض «جيش الجياع» ضد النظام الإيراني؟

- انتفاضة نوفمبر 2019: زلزال غيّر موازين القوى وفجّر الصدع الوجودي داخل النظام الإيراني


