رواتب لا تكفي للعيش.. هكذا تلتهم آلة الحرب والفساد الطبقة الوسطى في إيران
لعقود طويلة، حاول “النظام الإيراني” تصوير الضائقة الاقتصادية على أنها مجرد نتيجة مؤقتة للعقوبات أو الحرب أو الضغوط الخارجية.
ولكن الغضب المتصاعد بين موظفي وزارة الجهاد الزراعي يكشف عن حقيقة أعمق وأكثر مرارة؛ فالانهيار الاقتصادي في إيران لم يعد يقتصر على العاطلين عن العمل أو المهمشين، بل بات يبتلع القوى العاملة الحكومية ذاتها، والمكلفة بالحفاظ على سير عمل البلاد.
وتفضح الشكاوى الأخيرة لموظفي الوزارة فجوة مروعة بين الأجور الرسمية والتكلفة الحقيقية للبقاء على قيد الحياة في إيران. فبينما تقدر خطوط الفقر في المناطق الحضرية بما يقرب من 75 مليون تومان شهرياً، يُفاد بأن العديد من موظفي الوزارة يتقاضون رواتب بمتوسط 24 مليون تومان فقط (أي حوالي 135 دولاراً).
هذا الفارق الشاسع ليس مجرد رقم اقتصادي، بل يمثل المسافة الآخذة في الاتساع بين المؤسسة الحاكمة والواقع اليومي القاسي الذي يواجهه ملايين الإيرانيين العاديين.
ووفقاً للتقارير التي نشرتها وكالة أنباء العمل الإيرانية (إيلنا) الحکومي، لا يزال العاملون في كل من وزارة الجهاد الزراعي وقطاع التعليم من بين الموظفين الأقل أجراً في النظام الحكومي.
ويأتي هذا الإجحاف على الرغم من عبء العمل المتزايد الملقى على عاتق هذه القطاعات خلال الأزمة الاقتصادية المستمرة وحالة عدم الاستقرار الإقليمي.
ومن الصعب تجاهل هذا التناقض الصارخ؛ فالموظفون الذين لعبوا دوراً مركزياً في منع نقص الغذاء واستقرار الأسواق خلال فترات التضخم واضطرابات الحرب، يقولون اليوم إنهم بالكاد يستطيعون تحمل نفقات المعيشة الأساسية لأنفسهم.
ومع ذلك، تواصل الدولة الاعتماد على كدحهم بينما تفشل في توفير حتى الحد الأدنى من الأمن الاقتصادي لهم في المقابل.
وفي هذا السياق، أقر يحيى عزيزي، سكرتير لجنة متابعة مطالب الموظفين داخل الوزارة، في تصريحات لوكالة “إيلنا”، بأن العاملين في القطاع الزراعي أمضوا العام الماضي في المساعدة على منع انهيار السوق ونقص السلع الأساسية.
ولكن رغم أهميتهم القصوى للأمن الغذائي الوطني، ظلت تعويضاتهم المالية غير كافية بشكل مؤلم. وأوضح عزيزي أن متوسط رواتب موظفي الوزارة لم يصل إلا مؤخراً إلى حوالي 24 مليون تومان شهرياً، وهو مبلغ وصفه بأنه منفصل تماماً عن واقع تكاليف المعيشة المرتفعة في إيران.
ومع استمرار تسارع التضخم، أصبح الحفاظ على مستوى معيشي متواضع أمراً مستحيلاً بالنسبة للعديد من الموظفين الحكوميين.
كما كشفت تصريحاته عن سمة أخرى متأصلة في الهيكل الاقتصادي لـ النظام الكهنوتي، ألا وهي إطلاق الوعود دون أي تنفيذ فعلي على أرض الواقع.
فقد تمت الموافقة المبدئية على العديد من المزايا التكميلية – بما في ذلك بدلات المشقة، والتعويضات الإقليمية، ومكافآت الأمن الغذائي – ولكن لم يتم دفعها قط.
وقد وُجهت أصابع الاتهام في عرقلة هذه التدابير نحو منظمة التخطيط والميزانية، وهي مؤسسة مركزية طالما تعرضت لانتقادات لاذعة بسبب سياساتها التقشفية وإدارتها المالية الغامضة.
وحتى الزيادات الأخيرة في الأجور، كما اعترف المسؤولون، لم تقدم أي ارتياح حقيقي. فقد أضاف تعديل الرواتب الذي روجت له السلطات حوالي ثلاثة ملايين تومان فقط إلى الدخل الشهري.
وبدون هذه الزيادة المحدودة، كانت الأجور في المتوسط ستبقى قريبة من 22 مليون تومان، وهو رقم بالكاد يعادل – وفقاً للموظفين أنفسهم – أرباح عامل مبتدئ وعديم الخبرة.
إن الإحباط الذي يعبر عنه عمال الوزارة يعكس أزمة أوسع نطاقاً تنتشر كالنار في الهشيم عبر القطاع العام في إيران.
ويشير الموظفون بشكل متزايد إلى اتساع التفاوت في الأجور بين الوزارات، وتقلص المزايا، وتآكل القدرة الشرائية بسبب التضخم وسداد الديون.
ويؤكد العمال أن العديد من مدفوعات الرعاية والمكافآت في المكاتب الإقليمية لا تتجاوز أربعة ملايين تومان سنوياً، وبمجرد خصم أقساط القروض وتكاليف التأمين التكميلي، يتراجع الدخل الحقيقي فعلياً إلى مستويات العام الماضي غير الكافية أصلاً.
والأهم من ذلك، أن الرفض المتكرر للمقترحات الرامية إلى تأمين تمويل مستقر لتحسين الأجور قد عزز من التصور المتزايد بأن الأزمة ليست مجرد أزمة مالية، بل هي أزمة سياسية بامتياز.
ويقول الموظفون إن خططاً متعددة لتحسين الرواتب وخلق موارد مستدامة قُدمت إلى سلطات الميزانية الحكومية، ليتم رفضها دون أي تفسير شفاف.
لقد باتت العواقب واضحة الآن داخل القوى العاملة نفسها؛ فوفقاً لممثلي الموظفين، اختار بعض الموظفين بالفعل الاستقالة تحت وطأة الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
وهذا الاتجاه يحمل تداعيات تتجاوز بكثير مجرد النزاعات العمالية، فعندما يبدأ العمال المسؤولون عن توزيع الغذاء، والرقابة الزراعية، وإدارة الإمدادات في التخلي عن مناصبهم، فإن استقرار البنية التحتية للأمن الغذائي في إيران بأكملها يصبح في خطر حقيقي.
إن التصريحات الصادرة من داخل وزارة الجهاد الزراعي تكتسب أهمية بالغة، ليس فقط بسبب هوية المتحدثين، بل لأنها تفضح الفشل الذريع لنظام لم يعد قادراً على إعالة حتى موظفيه.
فعلى مدى عقود، ضخ النظام موارد هائلة في المشاريع الأيديولوجية، والتدخلات الإقليمية، والتوسع العسكري، وشبكات الفساد، بينما أهمل الأسس الاقتصادية اللازمة لاستدامة المجتمع.
والنتيجة باتت مرئية اليوم في كل قطاع: انهيار القوة الشرائية، و ارتفاع معدلات الفقر، وتزايد اليأس بين العمال الذين كانوا يُعتبرون يوماً ما جزءاً من الطبقة الوسطى المستقرة في الدولة.
واليوم، عندما يعترف حتى الموظفون المسؤولون عن حماية الإمدادات الغذائية في إيران علناً بأنهم لا يستطيعون تأمين أبسط الضروريات لعائلاتهم، فإن هذا الواقع القاسي يكشف عن عمق الأزمة الاقتصادية في إيران أكثر مما قد تظهره أي إحصائية رسمية على الإطلاق.
- موجة غلاء جديدة تضرب موائد الإيرانيين: ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية وزيت الطهي يقفز بنسبة 375%

- رواتب لا تكفي للعيش.. هكذا تلتهم آلة الحرب والفساد الطبقة الوسطى في إيران

- تداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية …ارتفاع أسعار الأدوية في إيران بنسبة تصل إلى 300 بالمئة

- الانهيار لم يبدأ اليوم.. كيف يوظف النظام أزماته الخارجية لسحق الداخل؟

- قمع القوميات، تصدع السلطة، والإفلاس.. كيف يختنق النظام في أزماته المفتعلة؟

- نفاق النخبة الحاكمة في إيران.. شعارات معادية للغرب واستثمارات سرية بملايين الدولارات في قلب أوروبا


