الانهيار لم يبدأ اليوم.. كيف يوظف النظام أزماته الخارجية لسحق الداخل؟
هل حقاً يُعد الانهيار الاقتصادي المتفاقم في إيران نتيجة مباشرة للحرب؟ وهل كانت البلاد لتنعم بالازدهار والاستقرار لو لم يندلع هذا الصراع العسكري؟
هذه هي التساؤلات التي يطرحها الإيرانيون العاديون بشكل متزايد في الوقت الذي يكرر فيه مسؤولو النظام الإيراني التذرع بــ ظروف الحرب لتبرير التضخم، ونقص السلع، والبطالة، والضغط الاجتماعي المتصاعد.
إن سردية النظام واضحة وتتذرع بأن البلاد تمر بظروف استثنائية، وبالتالي يجب على الجمهور تحمل مشاق استثنائية. ولكن بالنسبة لملايين المواطنين الذين يكافحون الفقر والبطالة وانهيار القدرة الشرائية وانعدام اليقين الاقتصادي، تبدو هذه التبريرات جوفاء بشكل متزايد.
فالواقع المرير الذي يواجه المجتمع الإيراني لم يبدأ مع دوي المدافع؛ بل أُرسيت أسس أزمة اليوم قبل سنوات، بل وعقود، من خلال الفساد المستشري، والاقتصاد الريعي، وانعدام الكفاءة المؤسسية، والغياب الممنهج للمساءلة.
ولم تكن الحرب سوى غطاء سياسي ملائم تستغله السلطات للتغطية على إخفاقات تسبق الصراع الحالي بكثير. وبالنسبة للمؤسسة الحاكمة في طهران، تقدم الحرب ما هو أكثر بكثير من مجرد تحدٍ أمني؛ إنها توفر فرصة سياسية ذهبية.
فمن خلال تصوير البلاد على أنها تحت حصار دائم، يحاول النظام دفع الإخفاقات الهيكلية طويلة الأمد إلى الخلفية، وإعادة صياغة الغضب الشعبي باعتباره تضحية ضرورية من أجل البقاء الوطني.
وتتجلى هذه الاستراتيجية بوضوح في الخطاب الرسمي، حيث يصر مسؤولو النظام روتينياً على أن البلاد في حالة حرب، وبالتالي يجب قبول المعاناة الاقتصادية الاستثنائية كأمر حتمي لا مفر منه.
ومن الناحية العملية، تعمل هذه السردية كآلية لتعطيل الرقابة، وإضعاف المطالب بالإصلاح، وتطبيع حالة الطوارئ كنهج للحكم. غير أن المجتمع الإيراني لم يعد يقتنع بسهولة بمثل هذه الحجج الواهية.
فبعد عقود من الوعود الاقتصادية الكاذبة، والشعارات السياسية الرنانة، والتفسيرات المتقلبة للأزمات المتكررة، يرى العديد من المواطنين في سردية الحرب مجرد عذر واهٍ وليس تفسيراً منطقياً.
وحتى الصحف الموالية للنظام بدأت تعترف بحجم الإحباط الشعبي؛ حيث لخصت صحيفة آرمان ملي مؤخراً السؤال المركزي الذي يدور في أوساط المجتمع: ما الذي يجب أن يحدث بالضبط حتى تتحسن الظروف الاقتصادية ويشعر الناس العاديون بارتياح حقيقي؟
ليعكس هذا السؤال بحد ذاته فجوة متسعة بين السرديات الرسمية والواقع المعيش. لقد كان الاقتصاد الإيراني يعاني بالفعل من خلل هيكلي حاد قبل وقت طويل من التصعيد العسكري الأخير.
فالتضخم المزمن، وانهيار العملة، وهروب رؤوس الأموال، وهجرة الأدمغة، وشبكات الفساد، والتشوهات المرتبطة بالعقوبات، كانت قد أصبحت سمات دائمة للحياة الاقتصادية. لم تخلق الحرب الأخيرة هذه المشاكل، بل أدت فقط إلى تضخيمها.
ويشير مسؤولو النظام اليوم إلى الاضطرابات الناجمة عن الحرب، بما في ذلك قطع الإنترنت المطول، وعدم استقرار سلاسل التوريد، وارتفاع الأسعار، كدليل على أن الصراع الخارجي هو المسؤول عن المعاناة الاقتصادية.
ومع ذلك، فإن قيود الإنترنت ذاتها فُرضت بقرارات داخلية، مما أدى إلى الإضرار بالشركات، وتدمير الوظائف، وشل القطاعات المعتمدة على التجارة الرقمية. ويعكس هذا النمط ديناميكية أوسع داخل النظام الكهنوتي: غالباً ما تُقدم الأزمات على أنها خارجية المنشأ، حتى عندما تلعب السياسات المحلية الدور الحاسم في صنعها.
وتوضح استجابة الحكومة لارتفاع الأسعار هذه المعضلة بشكل أعمق؛ حيث يدين المسؤولون روتينياً التلاعب بالأسعار ويدعون إلى اتخاذ إجراءات حاسمة ضد جهات مجهولة، بينما يتهربون من مناقشة الأسباب الهيكلية العميقة التي تدفع عجلة التضخم وعدم استقرار السوق.
وفي هذا الإطار، تصبح المسؤولية غامضة عمداً، وتُشار باستمرار إلى مؤسسات مسؤولة دون تحديد هويتها أو محاسبتها بشكل حقيقي، لتظهر الكوارث الاقتصادية وكأنها مجهولة المصدر؛ قاسية بما يكفي لتدمير المجتمع، ولكن لا يمكن تتبعها للوصول إلى سلطة حاكمة مستعدة لتحمل مسؤولية أفعالها.
وكلما ازداد الوضع الاقتصادي هشاشة، بدا النظام أكثر اعتماداً على لغة الطوارئ الدائمة، لتصبح ظروف الحرب ليست حالة مؤقتة، بل نموذجاً مستداماً للحكم.
ويفيد هذا النموذج الأنظمة الاستبدادية لأنه يضعف توقعات الشفافية والمساءلة؛ ففي جو يحدده الخوف والأزمات وخطاب الأمن القومي، يمكن رفض المطالب العامة بسهولة واعتبارها غير مناسبة أو غير مسؤولة أو حتى خيانة.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر قاتلة للنظام نفسه؛ فالشعب الذي يعاني من تضخم لا يرحم، وتدهور في مستويات المعيشة، واتساع في فجوة عدم المساواة، سيحكم في النهاية على الواقع من خلال تجربته الشخصية المباشرة وليس من خلال السرديات الرسمية.
ولا يمكن محو التجربة القاسية للانحدار الاقتصادي بمجرد رسائل سياسية. بالنسبة للعديد من الإيرانيين، لم تعد القضية المركزية تتمحور حول ما إذا كانت الحرب قد أدت إلى تفاقم الاقتصاد أم لا، فمما لا شك فيه أنها فعلت ذلك.
بل القضية الأعمق هي لماذا دخلت البلاد هذه الحرب وهي ضعيفة ومنهكة بالفعل بعقود من الفساد والانهيار المؤسسي وسوء الإدارة الاقتصادية. ولعل التحدي الأخطر الذي يواجه النظام اليوم ليس مجرد الانهيار الاقتصادي، بل انهيار المصداقية ذاتها.
لقد اتسعت المسافة بين الخطاب الرسمي وإدراك الجمهور لدرجة أن حتى الأزمات الوطنية الكبرى تفشل في توليد الوحدة السياسية التي تنشدها السلطات. فلم يعد الكثير من المواطنين يفسرون رسائل الدولة بمنظار الثقة، بل بتشكك عميق صقلته سنوات من الوعود المنكوثة والمظالم المهملة.
وقد تثبت فجوة المصداقية هذه في نهاية المطاف أنها أشد خطراً على النظام من العقوبات أو المواجهة العسكرية. ورغم محاولات الحكومة إلباس الإخفاقات طويلة الأمد ثوب الحرب، إلا أن الجذور الحقيقية للأزمة الاقتصادية في إيران تظل واضحة وجلية لمجتمع عاش عقوداً من القمع والفساد وتضاؤل الفرص.
وعندما ينحسر الصراع الحالي في نهاية المطاف، ستبقى تلك الحقائق المعلقة بلا حل قائمة لتطارد جلاديها؛ إذ إن الغضب الاقتصادي، وانعدام الثقة السياسية، والإحباط الاجتماعي الذي يحدد ملامح إيران اليوم، ليست عواقب مؤقتة للحرب، بل هي النتيجة المتراكمة لنظام حكم أمضى سنوات في التهرب من المساءلة بينما يطالب شعبه بتقديم تضحيات متزايدة بلا نهاية.
- تداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية …ارتفاع أسعار الأدوية في إيران بنسبة تصل إلى 300 بالمئة

- الانهيار لم يبدأ اليوم.. كيف يوظف النظام أزماته الخارجية لسحق الداخل؟

- قمع القوميات، تصدع السلطة، والإفلاس.. كيف يختنق النظام في أزماته المفتعلة؟

- نفاق النخبة الحاكمة في إيران.. شعارات معادية للغرب واستثمارات سرية بملايين الدولارات في قلب أوروبا

- النظام الإيراني يجوّع شعبه: فجوة معيشية مرعبة وحصار رقمي يخنق المواطنين

- غلاء فاحش أو انعدام تام.. إفلاس المنظومة الصحية يضع الإيرانيين أمام خيارات كارثية


