المقاعد الفارغة: من إعدامات الطفولة إلى مجزرة ينايرـ آلة الموت في نظام الملالي تبتلع أجيال إيران
بعد مرور ثلاثة عقود على تصنيف منظمة العفو الدولية لإيران كأكبر مُنفذ لإعدام القاصرين في العالم، تعود المأساة لتطل برأسها من جديد. تكشف تقارير حديثة – ومن داخل أروقة النظام نفسه – عن مقتل المئات من الطلاب خلال انتفاضة يناير؛ لتؤكد أن استهداف الطفولة ليس مجرد تجاوز أمني عابر، بل هو نهج دموي متأصل وعقيدة راسخة في بنية نظام الملالي.
آخر جلاد للأطفال.. لقب يلاحق النظام
قبل 19 عاماً، أطلقت منظمة العفو الدولية على إيران لقب آخر جلاد للأطفال، استناداً إلى سجلها المروع كأكثر دولة تنفذ أحكام الإعدام بحق أفراد دون سن الثامنة عشرة. لم يكن هذا اللقب مجرد إدانة حقوقية، بل كان توثيقاً لواقع أليم: مأسسة عقوبة الإعدام ضد القاصرين. واليوم، تطفو هذه الجريمة المروعة على السطح مجدداً، متخذة شكلاً مختلفاً ولكنه لا يقل وحشية.
اعترافات الداخل: 220 طفلاً ضحية الغدر
في 25 فبراير (2026)، نشرت صحيفة اعتماد الحكومية تقريراً صادماً تحت عنوان المقاعد الفارغة. اعترف التقرير بأن مقتل الطلاب خلال انتفاضة يناير، إلى جانب اعتقال آخرين، قد تحول إلى واحدة من أهم القضايا في قطاع التعليم.
أقرت الصحيفة نصاً بمقتل 220 طفلاً خلال أحداث يناير، مشيرة إلى أن أعلى نسبة للضحايا تركزت في محافظات طهران، وأصفهان، وخراسان رضوي. وأوضحت أن التكلفة البشرية الأكبر كانت من نصيب المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و 18 عاماً، فضلاً عن أطفال أصغر سناً سقطوا مضرجين بدمائهم.
إن عبارة المقاعد الفارغة هنا تتجاوز كونها استعارة أدبية؛ إنها تجسد المأساة الحالية ليناير، وتختزل نمطاً تاريخياً أسود لطالما وقع فيه القاصرون ضحية لآلة عنف الدولة المنظم.
جرائم ضد الإنسانية: نمط موثق من الإبادة
في العام الماضي، وفي ختام ولايته التي استمرت ست سنوات، قدم جاويد رحمن، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في إيران، تقريراً شاملاً يوثق الانتهاكات المنهجية الجسيمة.
خلص رحمن في تقييمه النهائي إلى أن نطاق ووحشية هذه الانتهاكات يُعد من بين الأخطر في تاريخ إيران المعاصر، مؤكداً تورط كبار مسؤولي النظام بشكل مباشر في تخطيط وتنفيذ أعمال ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، وفي بعض الحالات، أعمال تتطابق مع الإبادة الجماعية بموجب القانون الدولي.
كما وثّق التقرير إعدام مئات الأطفال في العقود الماضية، مسلطاً الضوء على حالة فتاة تبلغ من العمر 13 عاماً فقط، اُعتقلت خلال تظاهرة في طهران في سبتمبر 1981، وأُعدمت بعد أيام قليلة. لقد أُدرجت قضيتها كدليل ساطع على نهج أوسع يتعرض فيه القاصرون لأقسى أشكال الانتقام.
استمرارية الدم: من إعدامات الثمانينيات إلى قناصة 2026
بعد مرور 44 عاماً على اختفاء أجيال سابقة من الطلاب من فصولهم الدراسية – بين معدوم ومعتقل – تعود صورة المقاعد الفارغة لتتصدر المشهد الإيراني. ما كان يرتبط بالإعدامات الجماعية في الثمانينيات، أصبح اليوم مرتبطاً برصاص القناصة وقتل الطلاب في الاحتجاجات المعاصرة.
تكمن الخطورة هنا ليس فقط في أعداد الضحايا، بل في استمرارية هذا النهج الدموي. لطالما كانت المدارس والجامعات بؤراً للرفض والتمرد في إيران. وفي كل موجة احتجاج، يرد نظام الملالي بالقوة المميتة، مخلفاً وراءه غيابات جديدة: أسماء تُشطب من سجلات الحضور، وكراسي تُترك بلا أصحاب.
الحساب المؤجل
إن مجرد اضطرار صحيفة تابعة للنظام للاعتراف بمقتل المئات من الأطفال يعكس عمق الأزمة الخانقة التي تعيشها السلطة. لكن الاعتراف دون محاسبة يهدد بالتحول إلى مجرد سطر إضافي في سجل طويل من الانتهاكات التي تمر دون عقاب.
المقاعد الفارغة ليست مجرد رموز لشهر واحد من الغضب والانتفاض. إنها دليل إدانة دامغ ضد نظام دفع فيه الأطفال والمراهقون الثمن الأكبر مراراً وتكراراً. وطالما بقيت التحقيقات حبيسة الأدراج والعدالة غائبة، فإن تلك المقاعد ستظل ترمز – ليس فقط لألم الفقدان – بل لصرخة تاريخية لا تموت، تطالب بمحاسبة القتلة وإسقاط الجلاد.
- إيران.. معيار المشروعية في النضال ضد الديكتاتورية

- ذعر النظام الإيراني من انتفاضات جديدة: استخبارات الحرس تهدد المتظاهرين بـ ضربة أقوى من 8 يناير

- المقاعد الفارغة: من إعدامات الطفولة إلى مجزرة يناير

- اعترافات رسمية: استمرار اعتقال الأطفال وذعر حكومي من تحول الجامعات إلى برميل بارود

- اليوم الرابع للانتفاضة الطلابية في إيران: حرق لصور خامنئي و خميني، واشتباكات مع قوات القمع

- الجامعات الإيرانية: القلعة الصامدة في وجه دكتاتوريات الماضي والحاضر


