الرئيسيةأخبار إيرانالجامعات الإيرانية: القلعة الصامدة في وجه دكتاتوريات الماضي والحاضر

الجامعات الإيرانية: القلعة الصامدة في وجه دكتاتوريات الماضي والحاضر

0Shares

الجامعات الإيرانية: القلعة الصامدة في وجه دكتاتوريات الماضي والحاضر

في شتاء عام 2026، ومع بدء الفصل الدراسي الجديد المضمخ بأحزان مجازر يناير، تحولت الجامعات الإيرانية مجدداً إلى خنادق أمامية للثورة. لم تكن الهتافات التي شقت عنان السماء في طهران مجرد صرخة غضب، بل كانت بياناً سياسياً ناضجاً يرفض استبدال استبداد ديني قائم باستبداد علماني مدعوم من الخارج. لقد أثبت الطلاب أن بوصلتهم تشير بوضوح نحو الديمقراطية، قاطعين الطريق على أي محاولة لإعادة إنتاج نظام الشاه المقبور أو إطالة عمر نظام الملالي المتهاوي.

تجمع طلاب جامعة “شريف” للتكنولوجيا بشعار: هذا عام الدم، وسقوط علي خامنئي – ٢٣ فبراير

طليعة التحدي: وعي معمد بالدم

في الثاني والعشرين من فبراير 2026، غصت باحات وشوارع جامعة طهران، وجامعة أمير كبير للتكنولوجيا، وجامعة الزهراء، بحشود طلابية هادرة توحدت خلف مطلب واحد. لقد صدحت الحناجر بشعارات لا تقبل التأويل: الموت للظالم، سواء كان الشاه أو خامنئي، ولا لنظام الشاه و لا لنظام الملالي.. ديمقراطية ومساواة.

هذه الشعارات ليست وليدة انفعال لحظي؛ إنها خلاصة رؤية سياسية صلبة تشكلت عبر ما يقرب من خمسة عقود من الاستبداد الديني، وصُقلت عبر موجات الانتفاضات المتتالية منذ عام 2017. إن الشعب الإيراني بمختلف أطيافه – من المثقفين الشباب والقوميات المتنوعة كالكرد والعرب والبلوش واللُر والآذريين، وصولاً إلى الأجيال الأكبر سناً التي عاشت حقبة ما قبل 1979 ولا تحمل أي حنين إليها – يرفض بشكل قاطع استبدال خندق دكتاتوري بآخر. إنهم لن يفروا من جحيم الطغيان الديني ليقعوا في فخ دكتاتورية تُسوق لنفسها على أنها علمانية، تستند إلى شخصيات في المنفى ورعاية غربية انتقائية.

هندسة النفوذ وسقوط الأقنعة

لقد حكم نظام الملالي إيران لنحو نصف قرن، محولاً أمة ذات أهمية جيوستراتيجية بالغة – غنية بمواردها وسكانها وطاقتها الثورية – إلى سجن كبير يعاني العزلة والرعب. يدرك حكام طهران جيداً أن أي ثورة حقيقية هنا ستعيد تشكيل الشرق الأوسط بأسره؛ ولهذا السبب يسحقون المعارضة بهذه الشراسة. لكن الطلاب يدركون هذه الحقيقة أيضاً، ويتصرفون بناءً عليها.

تستند احتجاجات فبراير إلى مقاومة لامركزية صلبة تزايدت راديكاليتها بمرور الوقت. من مظاهرات 2017-2018، إلى انتفاضة 2022، وصولاً إلى حملات القمع الدموية في يناير 2026؛ أصبحت كل موجة أكثر وضوحاً في التأسيس لمطلب إسقاط النظام وليس إصلاحه. وتبقى الجامعات هي الطليعة؛ المساحات التي يسمح فيها الاستقلال النسبي بنمو التحدي المنظم، وحيث تمتد الشبكات عبر المدن والخطوط العرقية. لقد علمت 47 عاماً من التجربة المريرة الإيرانيين كيف يميزون الحقيقة من بين ركام الدعاية.

طهران؛ حشد واسع لطالبات جامعة “الزهراء” في تجمع لتكريم شهداء انتفاضة يناير بشعار: “قسماً بدماء الرفاق، صامدون حتى النهاية” – ٢٣ فبراير

هذه التجربة خلقت شكوكاً عميقة تجاه الروايات الخارجية والمنقذين المستوردين. فبعد أن فقد إعلام النظام مصداقيته تماماً، برزت وسائل إعلام في المنفى تخلط بين الفضائح الحقيقية والأجندات الموجهة. وتعمل منصات التواصل الاجتماعي، المدعومة غالباً من جهات لا تكترث لسيادة إيران، على تضخيم المحتوى العاطفي، واستخدام المقاطع المزيفة والمؤثرين المأجورين لاستغلال آلام الشعب – من الانهيار الاقتصادي إلى الفقر والقمع – وتوجيه الرأي العام نحو نتائج معلبة سلفاً.

تحالفات المنفى وكاريكاتير القيادة

تُعد تجربة تحالف الشتات الفاشل في جامعة جورج تاون أوائل عام 2023 قصة تحذيرية بامتياز. ففي أعقاب مقتل مهسا أميني والتمرد الشعبي الذي تلاه، تجمعت شخصيات جدلية في المنفى – من بينهم رضا بهلوي – لإصدار ميثاق مهسا والوعد بالوحدة من أجل انتقال ديمقراطي. سرعان ما انهار هذا الجهد تحت وطأة تضخم الذوات، والخلافات الاستراتيجية، والسعي الواضح لإحدى الشخصيات لفرض هيمنتها بدلاً من بناء ائتلاف حقيقي. لقد كان مسرحاً رمزياً وليس سياسة جادة، شأنه شأن جزء كبير من معارضة المنفى التي تجيد الظهور الإعلامي لكنها تفشل في ترجمة نفوذها إلى تنظيم فعال في الداخل.

رضا بهلوي، على وجه الخصوص، يجسد هذه الفجوة. فرغم محاولة البعض تسويقه كشخصية انتقالية، إلا أنه يُفهم بشكل أدق على أنه نسخة كاريكاتورية عن المستبدين السابقين: متسلح بالوصول الإعلامي والدعم الغربي الانتقائي، ولا شيء غير ذلك.

على عكس عام 1979 – حين استغل خميني الفراغ الذي تركه قمع نظام الشاه الوحشي للمعارضة ديمقراطية بينما كانت الشبكات الدينية تعمل بحرية – يفتقر بهلوي اليوم إلى الحد الأدنى من الشرعية أو البنية التحتية داخل إيران. لقد قضى الشاه على منافسيه وتسامح مع الملالي كبديل آمن؛ أما مقاومة اليوم فهي أكثر تنظيماً، وتنتشر في جميع أنحاء البلاد، وتتسم بالتنوع الأيديولوجي، مستندة إلى عقود من النضال الحقيقي لانتزاع الاستقلال الفعلي.

طهران – تجمع طلاب كلية اللغات بجامعة طهران بشعار: “الموت لهذا النظام بعد كل هذه السنوات من الجرائم” – ٢٣ فبراير

السيادة للشعب: نهاية عصر الثورات المسروقة

لا يمكن أن يكون التناقض مع عام 1979 أكثر وضوحاً. في ذلك الحين، ملأت الثورة فراغاً؛ أما اليوم، فهناك حركة عضوية مجربة في الشوارع، قادرة على حشد البازار والمصانع والمدارس والأحياء. إنها حركة ترفض الثيوقراطية المتآكلة، وترفض في الوقت ذاته أي دكتاتورية ظل تنتظر دورها في الكواليس.

هتافات الطلاب هي رفض مزدوج: لا للملالي في السلطة، ولا للشاه تتربص في المنفى، مدعومة غالباً بقوى أجنبية تسعى لتفتيت المعارضة أو انتزاع تنازلات من النظام.

إن مستقبل إيران لن يُملى من استوديوهات لوس أنجلوس أو قاعات مؤتمرات جورج تاون. سوف ينبثق من الجامعات والشوارع والشبكات الصامدة التي غذت التحدي لسنوات. إن وحشية النظام – التي خلفت آلاف القتلى في الأشهر الأخيرة وحدها – لن تؤدي إلا إلى تسريع الحتمية التاريخية.

مع دخول الاحتجاجات الطلابية يومها الثالث وسط اشتباكات وحملات قمع جديدة، تدوي رسالة جامعات إيران بوضوح: الشعب يطالب بالديمقراطية والمساواة بشروطه الخاصة، متحرراً من طغاة الماضي والحاضر. إنهم يعلنون للعالم أجمع أن عصر الثورات المسروقة قد ولى إلى غير رجعة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة