مليارات مهدورة وأزمة سكن خانقة.. المشاريع غير المكتملة تفضح الفساد الهيكلي لـ النظام الإيراني
لم يعد العدد المتزايد لمشاريع البناء غير المكتملة في جميع أنحاء طهران مجرد مشكلة تتعلق بالتخطيط الحضري؛ بل تحول إلى أحد أوضح المؤشرات على الأزمة العميقة التي تعصف بقطاعي البناء والإسكان في إيران. ففي وقت يعاني فيه سوق الإسكان من ارتفاع جنوني في الأسعار، وانهيار القدرة الشرائية للأسر، ونقص حاد في الوحدات السكنية، توقفت آلاف مشاريع البناء في العاصمة الإيرانية والمدن الكبرى الأخرى في منتصف الطريق.
لقد احتجزت هذه المشاريع المهجورة مليارات التومانات من الاستثمارات والمواد الخام والموارد الحضرية، لتتحول تدريجياً إلى رموز بصرية صارخة للركود الاقتصادي والاضمحلال في البنية التحتية في ظل النظام الإيراني.
ويحذر خبراء صناعة البناء من أن استمرار هذا الاتجاه لن يؤدي فقط إلى تفاقم أزمة الإسكان في إيران، بل سيولد أيضاً تداعيات اقتصادية واجتماعية، وحتى أمنية واسعة النطاق على المراكز الحضرية. فالمباني التي كان من المفترض أصلاً أن تساعد في التخفيف من أزمة السكن الخانقة، أصبحت الآن بؤراً للتدهور الحضري، وانعدام الأمن، وإهدار رأس المال.
ولا تزال كميات هائلة من رؤوس الأموال والطاقة والقدرات الحضرية مقفلة ومحتجزة في مشاريع ظلت مهجورة لسنوات دون أي حل يلوح في الأفق. ويساهم انتشار التطورات العمرانية غير المكتملة في تراجع قابلية العيش في المدن، وانكماش الاستثمار، وتسارع تدهور البنية التحتية.
وفي ظل ظروف النقص الحاد في المساكن، فإن إطلاق مشاريع جديدة مع ترك المشاريع الحالية غير مكتملة لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة. ومع ذلك، فإن الوضع المرئي في طهران لا يمثل سوى جزء من مشكلة وطنية أوسع بكثير، تمتد جذورها إلى التضخم المزمن، والارتفاع الصاروخي في تكاليف البناء، ونقص التمويل، والفساد الهيكلي المتجذر، والتخبط في صنع السياسات.
اقتصاد إيران عالق في دوامة المشاريع المهجورة
تطور تراكم المشاريع غير المكتملة ليصبح واحداً من أكثر الأزمات الهيكلية استعصاءً في الاقتصاد الإيراني. وتشير الأرقام الرسمية الصادرة عن منظمة التخطيط والميزانية التابعة للنظام إلى وجود ما يقرب من 50,000 مشروع إنمائي غير مكتمل حالياً في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك 38,000 مشروع إقليمي ومحلي، ونحو 12,000 مشروع وطني. وقد استهلك العديد من هذه المبادرات بالفعل أجزاء كبيرة من الأموال العامة، لكنها لا تزال غير مكتملة بعد سنوات من إطلاقها.
وتشير التقارير إلى أن المشاريع التي يزيد عمرها عن عشر سنوات تمثل الآن ما يقرب من 80 بالمائة من مشاريع التنمية المدرجة في ميزانية إيران المقترحة لعام 2026، مقارنة بنحو 40 بالمائة في عام 2014. وتعكس هذه الأرقام التآكل التدريجي لنظام التنمية وعجز الحكومات المتعاقبة لـ النظام الكهنوتي عن إكمال المشاريع التي تطلقها للاستهلاك الإعلامي.
ويعكس قطاع الإسكان والبناء هذا النمط ذاته. ويقول محللو العقارات إن تراجع الاستثمار، وركود المعاملات العقارية، والانهيار المالي للمطورين قد أجبرت العديد من المشاريع السكنية في طهران وغيرها من المدن الكبرى على وقف عملياتها. وتشير التقديرات إلى أن مئات الآلاف من الوحدات السكنية في جميع أنحاء إيران لا تزال مكتملة جزئياً، والعديد منها مهجور منذ سنوات مع إحراز تقدم ضئيل أو معدوم.
ويجادل خبراء الاقتصاد بأن أحد الأسباب الرئيسية وراء تراكم المشاريع غير المكتملة هو الممارسة الحكومية الطويلة الأمد المتمثلة في إطلاق مبادرات دون تأمين تمويل مستدام. وعلى مدى العقود الأخيرة، قدمت الإدارات المتعاقبة مشاريع واسعة النطاق مدفوعة بالمنافسة السياسية، أو الأهداف الدعائية، أو الضغط الاجتماعي، لتشهد انهيارها لاحقاً تحت وطأة التضخم، وعجز الموازنة، وانخفاض إيرادات الدولة.
وقد جعل الاعتماد الشديد على عائدات النفط والتمويل العام من مشاريع التنمية عرضة بشدة للصدمات الاقتصادية. فكل تراجع في الإيرادات الحكومية أدى إلى تعطيل الجداول الزمنية للبناء، مما أسفر عن تضخم تجمعات رأس المال المعطل، وانخفاض الإنتاجية الاقتصادية، وتدهور البنية التحتية الحضرية.
وسبق أن ذكرت غرفة التجارة الإيرانية أن متوسط وقت إنجاز مشاريع التنمية في البلاد قد وصل الآن إلى ما يقرب من 17 عاماً، مما يسلط الضوء على عدد المشاريع التي تخرج فعلياً من الدورة الاقتصادية قبل أن تكتمل أبداً. كما لاحظت الغرفة في تقرير لها عام 2022 أن حوالي 6,000 مشروع صناعي وتعديني وتجاري غير مكتمل بنسبة تقدم مادي تتجاوز 60 بالمائة، لا تزال خاملة في جميع أنحاء البلاد. ووفقاً للتقرير، فإن إكمال هذه المشاريع يمكن أن يولد ما يقرب من 280,000 فرصة عمل مباشرة. ومع ذلك، فإن النقص المزمن في التمويل وغياب التخطيط الاقتصادي المتماسك قد ترك هذه القدرات الهائلة معطلة وبلا فائدة.
تضخم البناء والانهيار المالي بين المطورين
أصبح الارتفاع المستمر في أسعار مواد البناء على مدى السنوات الثلاث الماضية أحد أهم المحركات وراء توقف المشاريع. وتُظهر بيانات مركز الإحصاء الإيراني أن التضخم في مدخلات البناء قد ارتفع باطراد في طهران والمدن الأخرى، مما زاد من تكاليف البناء بشكل دراماتيكي.
وتشير التقارير الرسمية إلى أن التضخم في مواد البناء ارتفع على مراحل طوال العام الماضي، ليقفز من نحو 23 بالمائة في الربيع إلى ما يقرب من 38 بالمائة بحلول الشتاء. وبحلول ربيع 2026، أفادت التقارير أن التضخم السنوي في مواد البناء وخدمات إنتاج الإسكان في طهران قد وصل إلى ما يقرب من 50 بالمائة.
وقد حذر مركز الإحصاء الإيراني مراراً وتكراراً في السنوات الأخيرة من تسارع أسعار مدخلات البناء. وشهدت بعض القطاعات، بما في ذلك التجصيص وبلاط السيراميك وخدمات البناء، زيادات أكثر حدة. وفي عام 2025 وحده، أفادت التقارير أن تكلفة مدخلات البناء ارتفعت بنحو 38 بالمائة مقارنة بالعام السابق.
ويقول خبراء الصناعة إن العديد من المشاريع تم تصميمها في البداية باستخدام تقديرات تكلفة وأسعار صرف قديمة. ومع ذلك، فإن انهيار العملة الوطنية والتضخم المستمر تسببا في تضاعف تكاليف التنفيذ عدة مرات، مما ترك المطورين غير قادرين على تأمين التمويل الإضافي اللازم لمواصلة العمليات.
وقد أثر النمط ذاته على المشاريع المدعومة من الدولة. وإلى جانب التضخم، يشير المحللون إلى الفساد الهيكلي المتأصل، وتضخم تكاليف المقاولات، والغموض المالي، وضعف الرقابة كعوامل رئيسية تزيد من تفاقم الأزمة. وفي العديد من المشاريع، أصبحت الفجوة بين توقعات التكلفة الأولية وتكاليف التنفيذ الفعلية كبيرة جداً لدرجة أن المقاولين يواجهون نقصاً حاداً في السيولة. كما أدت تقلبات العملة إلى زيادة تكلفة الصلب والمعدات الصناعية وأنظمة البناء والمواد الخام المستوردة. وحتى خلال الفترات التي دخل فيها سوق الإسكان نفسه في ركود المعاملات، استمرت تكاليف البناء في الارتفاع، مما جعل العديد من المشاريع غير مجدية اقتصادياً.
كما حذرت بعض شخصيات الصناعة من أن الاضطرابات في سلاسل إنتاج الصلب والأسمنت في إيران قد تزيد من حدة أزمة المشاريع غير المكتملة في العام المقبل. وأفادت التقارير أن الأضرار التي لحقت بأجزاء من قطاع الصلب الإيراني خلال الضربات العسكرية الأخيرة التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة قد أثارت مخاوف من موجة أخرى من الزيادات في أسعار مواد البناء، مما قد يدفع حتى المشاريع شبه المكتملة نحو التعليق.
مدينة عالقة بين نقص المساكن والتدهور الحضري
يمثل انتشار المشاريع غير المكتملة أكثر من مجرد مشكلة اقتصادية؛ فقد أصبح أيضاً أزمة اجتماعية وحضرية كبرى. ففي جميع أنحاء طهران، ترتبط المباني المهجورة بشكل متزايد بارتفاع انعدام الأمن، وتفاقم التدهور الحضري، وتوسيع الأذى الاجتماعي، وتراجع نوعية الحياة. وفي عدة مناطق من العاصمة، أدت المشاريع المهجورة منذ سنوات إلى تشويه المناظر الطبيعية للأحياء وتقليص القيمة الاقتصادية والبيئية للمساحات الحضرية. ويحذر خبراء التنمية الحضرية من أن التدهور المستمر قد يعمق التفاوتات ويسرع من هروب رؤوس الأموال بعيداً عن قطاع البناء في إيران.
ومن منظور اقتصادي، لا تزال مليارات التومانات من رؤوس الأموال العامة والخاصة محاصرة في مشاريع لا تدر أي عائد إنتاجي. وتشير تقديرات منظمة التخطيط والميزانية إلى أن إكمال المشاريع الوطنية غير المكتملة يتطلب موارد مالية هائلة، وهو تمويل يبدو بعيد المنال بشكل متزايد نظراً لتدهور الوضع المالي للحكومة.
إن سوق الإسكان في إيران، الذي كان يُعتبر ذات يوم أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي في البلاد، يواجه الآن مزيجاً من الركود والتضخم وانعدام اليقين العميق. فقد أدى ارتفاع تكاليف البناء، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، وضعف الدعم المصرفي، وعدم الاستقرار الاقتصادي المستمر إلى دفع العديد من المستثمرين للابتعاد عن مشاريع التنمية الجديدة.
كما أثبتت مبادرات الإسكان المدعومة من الحكومة، مثل مشروع إسكان مهر والحركة الوطنية للإسكان، أنه بدون تمويل مستقر، والسيطرة على التضخم، والتعاون المصرفي الفعال، فإن أكبر مشاريع الإسكان التابعة للدولة معرضة لتأخيرات شديدة أو للتعليق التام. وتشير التقارير المحيطة بهذه البرامج إلى ارتفاع مساهمات المتقدمين، وتأخير صرف القروض، والتصاعد السريع لتكاليف البناء، مما يترك العديد من المشاريع المدعومة من الدولة نفسها في ظروف شبه مهجورة.
وفي ظل هذه الظروف، يجادل العديد من المحللين الاقتصاديين بأن أولوية الحكومة الإيرانية يجب أن تنصب على إكمال المشاريع الحالية غير المكتملة ومنع المزيد من إهدار رأس المال، بدلاً من إطلاق مبادرات جديدة دون أي دعم مالي أو خطة واضحة.
لقد أصبحت طهران اليوم رمزاً حياً لأزمة البناء الأوسع في إيران: مدينة تعاني في آن واحد من نقص حاد في المساكن، بينما تقف آلاف المباني غير المكتملة مهجورة عبر أحيائها، تفقد قيمتها ببطء تحت وطأة التضخم والاضمحلال والركود الاقتصادي الشامل الذي فرضه حكم الديكتاتورية.
- وحدات المقاومة تستهدف مقار الباسيج والحرس في طهران ومدن إيرانية عدة

- الجنرال ويسلي كلارك: إيران رهينة بيد متعصبين، والمقاومة المنظمة هي الأمل الوحيد للتغيير

- مليارات مهدورة وأزمة سكن خانقة.. المشاريع غير المكتملة تفضح الفساد الهيكلي لـ النظام الإيراني

- مريم رجوي : لقد وقع الملالي اليوم في فخ وضع لا يمكنهم فيه العودة إلى ما قبل الانتفاضة ومجازر شهر يناير، ولا يمتلكون طريقاً للمضي قدماً

- مريم رجوي: السلام الدائم لن يتحقق إلا بإسقاط ديكتاتورية ولاية الفقيه

- بنادق على الشاشات وانهيار في الشوارع.. المسرحية الهزلية لـ النظام الإيراني


