“النمر الورقي” وأسود الانتفاضة”: المعنى السياسي لانتفاضة شيراز
لم تكن الاحتجاجات التي اندلعت مساء 21 أغسطس 2025 في شيراز وكازرون مجرد رد فعل على انقطاع الكهرباء، بل كانت انعكاسًا لأزمة هيكلية عميقة في ديكتاتورية خامنئي المتهالكة؛ أزمة تبدأ من مستوى الخدمات الأساسية وتمتد إلى ساحة السياسة. إن شعارات مثل “الحرية، الحرية، الحرية” و”الإيراني يموت ولا يقبل الذل” تظهر أن مطالب الشعب، الذي ضاقت به السبل، لم تعد تقتصر على حل مشكلة فنية أو اقتصادية، بل تستهدف الآن أصل علاقات القوة في إيران.
من انقطاع الكهرباء إلى صرخة الحرية: تحول الشعارات والمفاهيم
هذا التحول في المعنى يعبر عن تجاوز الشعب لمستوى المطالب الاقتصادية إلى خطاب الحقوق والكرامة. فانقطاع الكهرباء هنا ليس مشكلة فنية، بل هو رمز للانهيار الوظيفي لنظام بنى شرعيته على مدى أربعة عقود على شعارات “الاقتدار” و”الاكتفاء الذاتي”. في ظل وجود 80% من المجتمع تحت خط الفقر وفقًا للإحصاءات المنشورة، بينما تُنفق المليارات على سوريا والوكلاء في المنطقة، فإن هذا الاحتجاج موجه بوضوح ضد السياسات الإقليمية والأولويات الأيديولوجية للنظام؛ أولويات خصصت الموارد الوطنية للحروب بالوكالة وحصرت حياة الناس في “الضروريات”.
ارتباط الاحتجاجات بالمقاومة المنظمة
ما يجعل هذه الاحتجاجات أكثر أهمية هو ارتباطها بالمقاومة المنظمة. فقد وجهت السيدة مريم رجوي تحية لأهالي شيراز وصرحت:
أدعو الشباب وأهالي المدن الأخرى في محافظة فارس وفي عموم إيران أن ينهضوا للاحتجاج والانتفاضة أسوةً بأبناء شيراز وكازرون.
إنّ حلّ مشكلات إيران رهنٌ بالحرية وقيام إيران حرّة. وطالما أن نظام ولاية الفقيه قائم، فلن تُحلّ أزمة الكهرباء ولا الماء ولا الخبز، ولن تنتهي البطالة ولا الغلاء..
هذا الموقف يضع الاحتجاجات على مستوى استراتيجي: النضال من أجل الحرية كشرط ضروري لحل أزمات المعيشة. وهكذا، تُقدَّم أزمة الخدمات ليس فقط كدليل على عدم الكفاءة الاقتصادية، بل كنتيجة لنظام قمعي ينفق الموارد الوطنية على أولوياته العسكرية والأمنية للحفاظ على بقائه.
وفي السياق نفسه، خاطب مسعود رجوي الشباب وخلايا الانتفاضة قائلاً:
إلى الشباب الأبطال في عموم الوطن: تحرّکوا لمساعدة شيراز وكازرون. حان وقت النهوض والانتفاض. على الثوار ووحدات المقاومة أن يكونوا يقظين، فالنظام منذ 19 أغسطس أعلن حالة الاستنفار القصوی لقواته تحسبًا للانتفاضة، وستدوم هذه الحالة أسبوعاً واحداً على الأقل. وتمّ إلغاء جميع إجازات قوات الحرس والجيش وقوات الأمن.
تحمل هذه الرسالة وجهين مهمين: أولًا، الدعوة إلى التضامن الوطني في مواجهة القمع الموضعي، وثانيًا، التأكيد على هشاشة السلطة الحاكمة على الرغم من استعراضها للقوة القمعية. وهذا ما تؤكده البيانات الأمنية التي وردت في الرسالة، حيث أشارت إلى حالة التأهب لـ 42 ألفًا من قوات الحرس والباسيج في طهران، وهو مستوى يعكس خوف النظام من امتداد الاحتجاجات إلى انتفاضة عارمة.
نظام مرعوب في موقف دفاعي
تشير البيانات المسربة إلى أن حرس النظام الإيراني بدأ منذ 18 أغسطس في إجراء مناورات على مستوى طهران، ونقل قوات إضافية من المحافظات. إن إجراءات مثل إلغاء الإجازات، ونصب نقاط التفتيش، وحتى بناء الملاجئ والأنفاق لقادة الحرس، ترسم صورة لنظام مرعوب في حالة دفاع وتأهب لمواجهة انتفاضة. هذا الرد الاستباقي يؤكد تحليل المقاومة بأن “النظام الآن نمر من ورق”.
لماذا تتحول احتجاجات الخدمات إلى قضايا سياسية؟
عندما يقوم نظام ما بإنفاق موارده المحدودة على أهداف حربية ويفشل في تلبية الاحتياجات الأساسية، تتحول كل أزمة خدمية إلى أزمة شرعية. يمكن تفسير هذه العلاقة على مستويين:
- المستوى الرمزي: الكهرباء والماء، هما أكثر من مجرد خدمات فنية، إنهما رمزان لوجود “الدولة”؛ وانقطاعهما يعادل انهيار الحد الأدنى من وظائف الدولة.
- المستوى النفسي الجماعي: في ظروف اليأس، يحمل كل فعل احتجاجي صغير شحنة متفجرة ويمكن أن يؤدي إلى انفجار اجتماعي وانتفاضة.
في هذا السياق، فإن شعار “الماء، الكهرباء، الحياة، حقنا الطبيعي” يتجاوز كونه مطلبًا فنيًا ليصبح بيانًا سياسيًا ضد أولويات النظام. وارتباط هذا الشعار بشعار “الحرية، الحرية، الحرية” يظهر أن الشعب يرى جذور الأزمة في بنية السلطة نفسها، وليس في مجرد أخطاء إدارية.
من الكهرباء إلى الإطاحة بالنظام
يجب اعتبار احتجاجات شيراز وكازرون نقطة تحول في الربط بين أزمة الخدمات والانتفاضة السياسية. أظهرت هذه الأحداث أن نظام ولاية الفقيه يفتقر إلى أي إجابة حتى في مواجهة المطالب الأولية. إنها ترسم صورة واضحة للمستقبل؛ مستقبل يمكن أن تكون فيه أزمة الخدمات العامة شرارة الانتفاضة الشاملة في مدن إيران التي ضاقت بها السبل. بعبارة أخرى، هذه هي البداية، وليست النهاية.
- ذعر النظام الإيراني من انتفاضات جديدة: استخبارات الحرس تهدد المتظاهرين بـ ضربة أقوى من 8 يناير
- المقاعد الفارغة: من إعدامات الطفولة إلى مجزرة يناير
- اعترافات رسمية: استمرار اعتقال الأطفال وذعر حكومي من تحول الجامعات إلى برميل بارود
- اليوم الرابع للانتفاضة الطلابية في إيران: حرق لصور خامنئي و خميني، واشتباكات مع قوات القمع
- الجامعات الإيرانية: القلعة الصامدة في وجه دكتاتوريات الماضي والحاضر
- حراك طلابي واسع لليوم الثاني على التوالي في جامعات مختلفة في إيران بشعارات «لا لنظام الشاه، ولا لنظام الولاية؛ بل الديمقراطية والمساواة»







