تداعيات ما بعد الحرب: صراعات النظام الإيراني الداخلية إلى أين؟
لا يوجد تعبير يصف التناقض الصارخ بين دعاية نظام الملالي والواقع المرير الذي تعيشه أركانه أفضل من المثل العربي القائل: “أسمع جعجعة ولا أرى طحناً”. فبينما تمتلك السلطة أجهزة دعاية ضخمة، لا يجد الشعب ما يسد رمقه.
القضية الأساسية هي أن تداعيات ما بعد الحرب الأخيرة قد أمسكت بخناق النظام، والحبل يضيق حول عنقه يومًا بعد يوم. تتحدث وسائل الإعلام الحكومية بالإجماع عن “الوحدة والانسجام الوطني” كأبرز نتائج الحرب، وتحذر من مغبة فقدان هذا “الانسجام”، لكن صفحاتها الداخلية تضج بصراعات جديدة جعلت الجميع يتحسرون على ما كانت عليه الأوضاع قبل الحرب.
إن استعراض مواقف زمر السلطة هذه الأيام يكشف بوضوح أن تداعيات ما بعد الحرب ستترك آثارًا عميقة على النظام. فقد أصبح جليًا أن الهوة بين المجتمع والسلطة قد اتسعت أكثر مما كانت عليه قبل الحرب، وفي الوقت نفسه، لا تدخر زمر السلطة والثروة يومًا واحدًا في محاولة إقصاء بعضها البعض.
ومن الجدير بالذكر أن أي حرب خارجية لا يمكنها أن تداوي الجراح القديمة بين الشعب والنظام. قد تفرض الحرب ستارًا من الصمت على المطالب الشعبية، لكنها لا تستطيع أبدًا أن توفق بين تطلعات الشعب للحرية والرفاهية والمواطنة، وبين واقع الديكتاتورية والنهب وانتهاك حقوق الإنسان. هذه هي المشكلة الجوهرية التي يواجهها النظام، قبل الحرب وبعدها. ورغم محاولة الإعلام الحكومي طمس هذه الحقيقة بضجيج الحرب، إلا أن تصاعد الصراعات الداخلية والجرح الغائر بين الشعب والسلطة يضغطان على النظام أكثر من أي وقت مضى.
لهذا السبب، تتركز مهمة الإعلام الحكومي حاليًا على الترويج لـ”فرصة الوحدة” المزعومة، لكن الواقع، كما يقول المثل، على النقيض تمامًا.
استجواب أم انقلاب؟
في مقال نشره موقع “خبر أونلاين” بتاريخ 18 يوليو 2025 تحت عنوان “استجواب أم انقلاب؛ أي تهديد للمتشددين ضد بزشكيان سينجح؟”، جاء فيه: “كان أول إجراء اتخذه التيار المتشدد بعد الحرب هو الحديث عن استجواب مسعود بزشكيان. ويقول أحد نواب البرلمان إنه يجب الآن أن يحدث انقلاب ضد الانقلاب”.
قد يبدو هذا في البداية مجرد ادعاء أو رغبة، لكن سرعان ما يتضح أن للأمر جذورًا وخلفية منظمة، مما يشير إلى وجود تنسيق خلف الكواليس.
ويضيف المصدر:”لم يمض وقت طويل على وقف إطلاق النار بين طهران وإسرائيل حتى بدأ مستخدمون من التيار المتشدد في الفضاء السيبراني باستخدام وسم #عدم_الكفاءة_السياسية ضد رئيس الحكومة الرابعة عشرة. واستمرت هذه التحركات إلى درجة أن معارضي بزشكيان في مدينة يزد وقعوا الأسبوع الماضي على عريضة تطالب باستجوابه”.
وبالتوازي مع هذه التعبئة الميدانية والرقمية، يتكشف وجود خطط داخل البرلمان، حيث تم تقديم أحد النواب كواجهة لبرنامج سياسي، في انتظار موافقة خامنئي.
يقول أبو الفضل ظهره وند، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، والذي كان من أنصار سعيد جليلي في الانتخابات: “بزشكيان يقوم بتقويض النظام من الداخل وينفذ انقلابًا. لقد توصلت إلى نتيجة مفادها أن هدف هذه الحكومة هو إغلاق ملف الجمهورية الإسلامية والثورة. الآن، يجب أن يحدث انقلاب ضد الانقلاب. هذا الأمر لم يعد من اختصاص البرلمان؛ إنه على مستوى القيادة فقط”.
ويتضح أن هذه الخطة لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت موجودة بشكل منظم حتى قبل الحرب، لكن تداعيات ما بعد الحرب فاقمتها. وكشف حشمت الله فلاحت بيشه، الرئيس الأسبق للجنة الأمن القومي، عن “إرسال رسائل نصية من قبل المتطرفين للدعوة إلى استجواب مسعود بزشكيان حتى قبل بدء الحرب. وفي ذكرى الانتخابات الرئاسية، تم تداول رسائل تدعو إلى ضرورة تنحيته”.
جوهر النظام لا يتغير
هل خامنئي غير مطلع على هذه المخططات الانقلابية التي يمتد أحد أطرافها إلى برلمانه؟ إن ما تكشفه هذه الاعترافات الإعلامية يثبت للمرة الألف أن طبيعة النظام القمعية متجذرة فيه، وأن أي تطور خارجي – حتى لو كان حربًا – لا يمكن أن يغير هذا الجوهر الخبيث.
إنها لسذاجة مطبقة أن يتصور أحد أن نظامًا قائمًا على إشعال الحروب وتصدير الأزمات قد يتخلى عن شموليته وهيمنته المطلقة. ومن السذاجة بمكانٍ التفكير بأن نظامًا يعتمد في دستوره على مبدأ ولاية الفقيه، الذي يكفل لقمّته صفاتٍ فرعونية في التشبث بالسلطة، قد يقبل بأي تغيير أو يرضخ لمطالب الشعب.
صحيح أن الصراعات الداخلية في أي هيكل شمولي قد تكون مجرد محاولة لضمان بقائه، ولكن من وجهة نظر الشعب الذي عانى من هذا الهيكل، فإن هذه الصراعات لا تزيدهم إلا يقينًا وإصرارًا على ضرورة رفض هذا النظام برمته.
- تقرير للبرلمان الألماني: مخابرات النظام الإيراني تصعد من تجسسها وترهيبها ضد المعارضة
- الأرجنتين تدرج قوات الحرس التابعة للنظام الإيراني في قائمة المنظمات الإرهابية
- راديو فرانس إنفو: إحباط هجوم إرهابي في باريس يسلط الضوء على مؤامرات النظام الإيراني
- وزارة العدل الأمريكية تصادر أربعة مواقع تابعة لمخابرات النظام الإيراني لشنها هجمات سيبرانية
- خطة النظام الإيراني لمهاجمة مجمّع مجاهدي خلق في ألبانيا
- الاتحاد الأوروبي وإدراج حرس النظام الإيراني على قائمة الإرهاب + رسالة السيدة مريم رجوي







