الرئيسية بلوق الصفحة 16

بين الحرب والاسترضاء.. الشعب والمقاومة المنظمة مفتاح الحل في إيران

بين الحرب والاسترضاء.. الشعب والمقاومة المنظمة مفتاح الحل في إيران

إن المقاومة الإيرانية، شأنها شأن الشعب الإيراني، تطالب بجمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية خالية من أسلحة الدمار الشامل، مبنية على السلام والتعايش والتعاون الدولي والإقليمي، وتناضل من أجل إحقاق حقوق شعبها. وبعبارة أخرى، فهي تعمل قبل كل شيء على نقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين، ألا وهم الشعب الإيراني. إن شعار المقاومة والحكومة المؤقتة هو “السلام والحرية”. وفي إيران، لا أحد يريد الحرب سوى بقايا نظامي الملالي والشاه. وتفخر المقاومة الإيرانية بأنها كانت “حاملة لواء السلام” طوال تاريخ هذا النظام. ولهذا السبب، لا ترى المقاومة الإيرانية حل المسألة الإيرانية في استرضاء الديكتاتورية، ولا حتى في الحرب الخارجية ضدها، بل هناك حل ثالث للمسألة الإيرانية يتمثل في “تغيير النظام الإيراني على يد الشعب ومقاومته المنظمة”.

بين مطرقة اقتصادية وسندان انتفاضة: انسداد آفاق استمرار أمام سلطة الولي الفقيه

مع دخول المواجهة بين طهران والقوى الدولية شهرها الخامس، يتضح جلياً أن الصراع قد انتقل من مربع الضربات العسكرية المتبادلة إلى معركة كسر إرادة اقتصادية وسياسية؛ حيث يسعى نظام الولي الفقيه إلى تحويل حالة التوتر الخارجي وتهديد الملاحة إلى أداة لابتزاز العالم وضمان بقائه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع داخلية مريرة؛ إذ يبدو أن الحصار الاقتصادي المطبق وشلل الصادرات النفطية يشكلان تهديداً وجودياً لبنية النظام يفوق بمراحل أثر القصف الجوي، خصوصاً في ظل احتدام الأزمات المعيشية وتصاعد نشاطات الانتفاضة الشعبية في مختلف المدن الإيرانية.

النظام الإيراني على مفترق طرق استراتيجي بين الحرب والسلام

لا مكان للنظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بين الشعب وفي البلاد. إن استمرار الحرب الخارجية أو الرضوخ للسلام، وإن كانا يحملان في جوهرهما تسريع وتيرة إسقاط هذا النظام، إلا أنهما لا يمثلان “الحل”. وبمعنى آخر، فرغم أن نهاية الديكتاتورية في إيران حتمية، إلا أن سياسة الاسترضاء والحرب الخارجية لا تؤديان إلى إسقاط الديكتاتورية، فالديكتاتورية تحتاج من أجل بقائها إلى الاسترضاء أو الحرب الخارجية!

إن المجتمع الإيراني يعيش حالة انفجارية، فهو أشبه ببرميل بارود انفجاره أمر لا مفر منه، وفي أي لحظة قد تندلع شرارة تؤدي إلى انتفاضة وثورة. وترتعد فرائص الديكتاتورية الحاكمة من هذا الانفجار. إن علاج الآلام يكمن في أيدي الشعب ومقاومته. لم ينتفض الشعب الإيراني ليخضع مرة أخرى لدكتاتورية جديدة. وتحاول الأوساط الرجعية والاستعمارية عبثاً، من خلال إنفاق مبالغ طائلة واستخدام آلات دعائية ضخمة، فرض “بديل مزيف” ومصطنع وملكي (تحت مسمى نجل الشاه) على المجتمع الإيراني. وقد حاولت هذه الجهة وما زالت تحاول حرف مسار انتفاضة الشعب الإيراني. ولكن، ونظراً لأن هذا المشروع يفتقر إلى جذور شعبية وتنظيم متماسك، ولم يدفع أي ثمن سياسي على أرض الواقع، فقد انحدر سريعاً في تراجع مهين.

لا يمكن إيقاف تدخلات النظام الإيراني في المنطقة ومساعيه لصنع قنبلة ذرية باللين ودبلوماسية الاستجداء. إن إيران تتجه نحو الديمقراطية والحرية، والقوى التي تسعى لفرض الديكتاتورية على الشعب الإيراني سيتم محوها من المشهد!

إن القوى التي انبثقت من رحم الديكتاتورية وتحاول من خلال الكذب والتناقض والغموض سرقة إنجازات الشعب، تقف في الجانب الخاسر من المشهد. ومن أجل إسقاط الديكتاتورية، يجب أولاً معرفة الديكتاتورية ورفضها والنضال ضدها. إن الأفراد والتيارات التي لم تتصارع مع الديكتاتورية ولم تدفع ثمناً، لا تستطيع ولا تريد إسقاط الديكتاتورية في إيران. إن إيران والشعب الإيراني يعرفون أبناءهم وتياراتهم الأصيلة ولن يخضعوا للابتزاز والفرض والتهديد والخداع، بل إنهم يطالبون بجمهورية ديمقراطية.

لماذا اختار خميني الحرب؟

أراد خميني استبدال “العدو الرئيسي” للشعب الإيراني، المتمثل في حكومة ولاية الفقيه، بحرب خارجية لكي يقيد ويكمم كل الألسنة والأقلام ووسائل الإعلام ويجبرها على الاستسلام! يقول جواد منصوري، أحد أوائل قادة الحرس الثوري، في تلفزيون آستان قدس (برنامج “كرا”) في أكتوبر ۲۰۱۷: “لو لم تحدث الحرب، لاعتقدت أن الثورة الإسلامية كانت ستنتهي. الحرب هي التي نظمت الثورة الإسلامية، ومنحتها القوة والخبرة والروح المعنوية والمكانة. وبفضل الحرب تمكنا من قمع أعداء الثورة في الداخل”.

إيران: 30 عملية لوحدات المقاومة تستهدف مراكز القمع ورموز النظام

في تصعيد ميداني واسع يعكس اتساع رقعة العمليات الثورية وجاهزية الشارع لمواجهة آلة الاستبداد، نفذت وحدات المقاومة والشبان الثوار 30 عملية نارية وهجوماً نوعياً استهدفت مراكز القمع والأجهزة الأمنية والمؤسسات الناهبة لأموال الشعب، إلى جانب إحراق وتدمير رموز السلطة الحاكمة عبر المدن الإيرانية. وشملت هذه العمليات المتزامنة مدناً ومناطق حيوية، من بينها: طهران، أصفهان، شيراز، كرمانشاه، مشهد، أليغودرز، سبزوار، إيرانشهر، شهريار، زاهدان، بيرجند، سميرم، أزنا، خرم آباد، ونيك شهر؛ حيث وجه الثوار ضربات دقيقة للبنية القمعية التي يستند إليها نظام الولي الفقيه في بسط هيمنته ومصادرة حقوق المواطنين.

النظام الإيراني أصبح ضعيفاً!

إن الأطراف التي تعتقد أن النظام الإيراني قد أصبح أضعف فأضعف خلال مسار الحرب الخارجية لن يمنحوا هذا النظام فرصة للبقاء أبدًا. بل سيرتقون بحربهم ضد الديكتاتورية الحاكمة من خلال دعم الشعب والمقاومة الإيرانية، ولن يمنحوا هذا النظام فرصة لالتقاط أنفاسه مجدداً. وفي هذا المسار، ستتخلص المنطقة والعالم من ظاهرة تُدعى “النظام المثير للحروب الحاكم في إيران”. وسيكون هذا تحولاً جذرياً في تفكير الأطراف وعملها. فما دام هذا النظام في السلطة، لن تشهد هذه المنطقة من العالم الاستقرار والأمن أبدًا.

إن بقاء واستمرار هذا النظام الديكتاتوري في إيران يمثل اعترافاً بهذه الظاهرة المشؤومة. وإن المعرفة الشاملة لهذه الظاهرة تعد ضرورة للتحرك نحو المستقبل والتعايش السلمي في المجتمع البشري. لقد أثبتت تجربة حقبة الاسترضاء مع هذه الديكتاتورية والحرب الخارجية مع هذا النظام، أنه لابد من استئصال هذه “الغدة السرطانية” من خلال الاستعانة بالطبيب الجراح (أي الشعب والمقاومة الإيرانية). وبدون إشراك الشعب والمقاومة الإيرانية، فلن يتم إنقاذ جسد المجتمع البشري فحسب، بل ستنمو هذه الظاهرة بأشكال مختلفة وستطال دولاً أخرى أكثر فأكثر. لذلك، يجب التحرك قبل فوات الأوان. فالشعب والمقاومة القادران على إسقاط هذا النظام موجودان ومتاحان!

الجدير بالذكر أنه في يوم ۳ أغسطس ۲۰۲۶، قرأ تلفزيون النظام الإيراني ملخصاً لبيان هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة، والذي كان جوهره ومضمونه الأساسي هو إثارة الحروب ومواصلتها. ويوضح هذا البيان المأزق الذي يعيشه النظام في فتح طريق نحو المستقبل من خلال قرع “طبول الحرب” وتنفيذ المزيد من الإعدامات.

إيران.. راتب العامل لا يكفي سوى 9 أيام وتضخم الغذاء يتجاوز 128 في المئة

إيران.. راتب العامل لا يكفي سوى 9 أيام و تضخم الغذاء يتجاوز 128 في المئة

كشفت وكالة «إيلنا» الحكومية، استنادا إلى بيانات مركز الإحصاء الإيراني، عن تفاقم غير مسبوق في الضغوط المعيشية على العمال، معلنة أن تكلفة سلة معيشة الأسرة العمالية وصلت إلى نحو 90 مليون تومان، في حين لا يكفي أجر العامل سوى لتغطية نفقات نحو 9 أيام من الشهر.

ونقلت الوكالة عن مركز الإحصاء الإيراني أن معدل التضخم على أساس سنوي للمواد الغذائية بلغ 128.1 في المئة، مشيرة إلى أن تكلفة سلة محددة من المواد الغذائية في يوليو ارتفعت إلى 2.8 ضعف مستواها في الفترة نفسها من العام الماضي.

وبحسب التقرير، ارتفعت أسعار ما لا يقل عن ثمانية أصناف غذائية بأكثر من 100 في المئة خلال عام واحد، فيما بلغ معدل التضخم السنوي 66 في المئة، ووصل معدل التضخم على أساس سنوي في أول أشهر الصيف إلى 87.9 في المئة.

أين ذهبت 228 مليار دولار؟ بيانات البنك المركزي تكشف خروج 60% من فوائض إيران

كشفت صحيفة «دنياي اقتصاد» الحكومية، استنادا إلى بيانات البنك المركزي الإيراني، عن أرقام ضخمة تتعلق بمصير عائدات إيران الخارجية خلال نحو ثلاثة عقود، مشيرة إلى أن 228 مليار دولار خرجت من البلاد أو لم تعد إلى دورة الاقتصاد الإيراني خلال الفترة من عام 1997 حتى عام 2025. وبحسب التقرير، بلغت عائدات الصادرات الإيرانية خلال هذه الفترة نحو 2.34 تريليون دولار، مقابل واردات بلغت قيمتها نحو 1.98 تريليون دولار، وبذلك كانت الإيرادات المتأتية من الصادرات أعلى بكثير من نفقات الاستيراد، فيما بلغ فائض الحساب الجاري، وفقا لأرقام البنك المركزي، نحو 379.5 مليار دولار. لكن اللافت هو مصير هذا الفائض الضخم.

ونقلت «إيلنا» عن الناشط العمالي فرامرز توفيقي قوله إن تكلفة الحد الأدنى من السلة الغذائية لأسرة مكونة من ثلاثة أفراد بلغت نحو 90 مليون تومان.

وأوضح توفيقي أن سلة المعيشة كانت تقدر في مارس 2026 بنحو 42 مليونا و900 ألف تومان، لكنها ارتفعت خلال أربعة أشهر بنسبة 211.14 في المئة، وفقا للأرقام الواردة في التقرير.

وأشار إلى أن أجر العامل البالغ نحو 25 مليون تومان شهريا لا يغطي سوى 27.58 في المئة من الحد الأدنى لنفقات المعيشة، وهو ما يعني أن راتب شهر كامل لا يكفي العامل وأسرته إلا لنحو 8.27 أيام.

وتكشف هذه الأرقام عن اتساع الفجوة بصورة حادة بين الأجور وتكاليف المعيشة، في وقت تتعرض فيه الأسر العمالية وأصحاب الدخل المحدود لضغوط متزايدة جراء الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الغذائية والسلع والخدمات الأساسية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تستند إلى إحصاءات رسمية صادرة عن مؤسسات النظام الإيراني، في حين يرى منتقدو هذه الإحصاءات أنها لا تعكس سوى جانب من الواقع المعيشي، وأن مستويات الفقر والضغوط الاقتصادية الفعلية قد تكون أعلى مما تظهره البيانات الرسمية.

أزمة الدواء تتفاقم في إيران.. ثلثا الأدوية ارتفعت أسعارها ونقص يهدد المرضى

أزمة الدواء تتفاقم في إيران.. ثلثا الأدوية ارتفعت أسعارها ونقص يهدد المرضى

في مؤشر جديد على تفاقم أزمة القطاع الصحي في إيران، أقر مهدي بيرصالحي، رئيس منظمة الغذاء والدواء التابعة للنظام الإيراني، في 16 أغسطس، بأن أسعار ثلثي الأدوية ارتفعت منذ بداية العام على مرحلتين.

وقال بيرصالحي، خلال مؤتمر صحفي، إن ارتفاع أسعار المواد الأولية وتكاليف النقل كان من أسباب زيادة أسعار الأدوية، مشيرا إلى أن تكلفة نقل بعض الأدوية المستوردة قفزت من 3 آلاف دولار إلى 30 ألف دولار.

انهيارُ منظومة الضمان واتساعُ القروض الطبية: الرعايةُ الصحيةُ تتحولُ إلى رفاهيةٍ غائبة

كشفت التطورات الاقتصادية الأخيرة عن بروز ظاهرة خطيرة تعكس عمق التردي المعيشي في إيران؛ حيث تحولت الرعاية الصحية إلى نظام الدفع بالتقسيط تحت شعارات تجارية مثل «تعالج اليوم وادفع غداً». ورغم محاولات أجهزة نظام الولي الفقيه ترويج هذه الظاهرة بوصفها ابتكاراً مالياً، إلا أنها تشكل دليلاً ساطعاً على انهيار القدرة الشرائية لملايين العوائل وعجزها عن تغطية تكاليف العلاج والدواء الأساسية.

وأوضح أن أسعار مجموعات من الأدوية رُفعت في 5 أبريل ومنتصف يونيو، وأن عمليات تعديل الأسعار ستستمر بذريعة منع المصانع من تكبد الخسائر. وأضاف أن ارتفاع أسعار المنتجات البتروكيماوية والمستلزمات الطبية أدى بدوره إلى زيادة أسعار الأقراص الدوائية والمحاليل الوريدية والقساطر الوريدية «الأنجيوكت».

وتأتي هذه الزيادات في وقت يعاني فيه المرضى المصابون بأمراض خاصة ومزمنة من نقص في بعض الأدوية الحيوية. وأقر بيرصالحي بوجود نقص في أدوية مرضى الثلاسيميا وعامل التخثر 13، موضحا أن بعض الأدوية لا يمكن الحصول عليها إلا من أوروبا، وأن العقوبات والحرب في منطقة الخليج عرقلتا عمليات الاستيراد.

وكشف المسؤول الحكومي أيضا عن فجوة كبيرة في توفير العملة الأجنبية المخصصة لقطاع الدواء. وقال إنه من أصل 5 مليارات دولار كانت مخصصة في العام الماضي، تم توفير أقل من 4.5 مليارات دولار، فيما خُصص للعام الحالي 4.5 مليارات دولار، لم يُدفع منها حتى الآن سوى 1.3 مليار دولار.

هجرة الأساتذة الجامعيين في إيران: أزمة تهدد مستقبل التعليم العالي والقطاع الصحي

تواجه الجامعات الإيرانية، وخصوصًا الكليات الطبية، موجة متزايدة من هجرة الأساتذة الجامعيين، ما يشكّل تهديدًا جديًا على مستقبل التعليم العالي والرعاية الصحية في البلاد. هذا النزيف الأكاديمي لم يعد أمرًا عرضيًا، بل أصبح ظاهرة مقلقة تُهدد بنية النخبة العلمية والمهنية في إيران. وفي مقابلة له بتاريخ 23 مارس 2025، حذّر محمد جليلي، رئيس مركز توظيف الأساتذة في وزارة الصحة والتعليم الطبي، من أنّ هذه الظاهرة تمتد إلى كبرى الجامعات في البلاد، موضحاً أن العديد من الأساتذة إمّا يتركون المهنة نهائيًا أو يهاجرون للعمل في الخارج، وهو ما يمثل خسارة كبيرة للاستثمار الوطني في الكفاءات العلمية.

وفي جانب آخر من الأزمة، انتقد بيرصالحي حالة الفوضى في سوق بيع الأدوية عبر الإنترنت، قائلا إن المنصات العاملة في هذا المجال لا تخضع لإشراف منظمة الغذاء والدواء، وإن حالات بيع الأدوية بأسعار مرتفعة وتداول الأدوية المزيفة آخذة في الازدياد. لكنه لم يتطرق إلى كيفية وصول بعض الأدوية المخصصة للقنوات الرسمية إلى السوق الحرة أو إلى مسؤولية المؤسسات الحكومية عن الرقابة عليها.

وتتفاقم أزمة ارتفاع أسعار الأدوية في ظل شكاوى المواطنين من عدم تغطية شركات التأمين للنفقات الفعلية للعلاج، ما يضطر العديد من المرضى إلى شراء أدويتهم من السوق الحرة بأسعار مضاعفة.

وهكذا يجتمع ارتفاع الأسعار ونقص الأدوية وضعف التغطية التأمينية واضطراب سوق التوزيع ليشكل أزمة صحية ومعيشية متفاقمة، قد تعرض حياة آلاف المرضى، ولا سيما المصابين بأمراض مزمنة وخاصة، لمخاطر جدية.

مأزق الحرب وسُمّ التفاوض: النظام الإيراني يواجه انسداداً شاملاً وخطر انفجار شعبي

مأزق الحرب وسُمّ التفاوض: النظام الإيراني يواجه انسداداً شاملاً وخطر انفجار شعبي

يعيش النظام الإيراني في الوقت الراهن حالة من التخبط الإستراتيجي والانسداد السياسي غير المسبوق، حيث تتنازعه خيارات أحلاها مرّ بين الاستمرار في قرع طبول الحرب وتصدير الأزمات، أو الرضوخ لمسار التفاوض وتجرع كأس التهدئة. وتكشف المعطيات الميدانية والتحليلات السياسية عن تناقض جوهري يعصف بأروقة الحكم؛ فبينما تدفع الضغوط المالية الخانقة والانهيار الاقتصادي الجهاز التنفيذي نحو البحث عن اتفاقات لوقف إطلاق النار وتخفيف وطأة العزلة، تشن المنابر الدينية والأجنحة المتشددة هجوماً ضارياً ضد أي نزوع نحو التهدئة، معتبرة أن إنهاء حالة الطوارئ والحرب يفتح الباب واسعاً أمام تفكك القبضة الأمنية واندلاع انتفاضة شعبية عارمة تطيح بالحكم.

بين مطرقة اقتصادية وسندان انتفاضة: انسداد آفاق استمرار أمام سلطة الولي الفقيه

مع دخول المواجهة بين طهران والقوى الدولية شهرها الخامس، يتضح جلياً أن الصراع قد انتقل من مربع الضربات العسكرية المتبادلة إلى معركة كسر إرادة اقتصادية وسياسية؛ حيث يسعى نظام الولي الفقيه إلى تحويل حالة التوتر الخارجي وتهديد الملاحة إلى أداة لابتزاز العالم وضمان بقائه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع داخلية مريرة؛ إذ يبدو أن الحصار الاقتصادي المطبق وشلل الصادرات النفطية يشكلان تهديداً وجودياً لبنية النظام يفوق بمراحل أثر القصف الجوي، خصوصاً في ظل احتدام الأزمات المعيشية وتصاعد نشاطات الانتفاضة الشعبية في مختلف المدن الإيرانية.

الانهيار المالي والتراجع الاضطراري نحو التهدئة

تؤكد الوقائع الاقتصادية أن التوجه نحو التهدئة لا ينبع من قناعة سياسية بالسلام، بل تفرضه حالة الإفلاس والشلل التام في الموارد المالية؛ إذ تسبب انقطاع العائدات النفطية والارتفاع الجنوني في تكاليف الاستيراد ودمار البنية الصناعية في عجز السلطات الإيرانية عن تسيير عجلة الاقتصاد أو دفع التزاماتها الأساسية. وقد أدى هذا التدهور إلى فقدان القدرة على مواصلة تمويل العمليات العسكرية المنهكة، مما اضطر المؤسسات التنفيذية إلى الإقرار باستحالة الاستمرار في الحرب، ومحاولة البحث عن مخارج تفاوضية لتفادي الانهيار المالي الشامل الذي بات يهدد بقاء المنظومة برمتها.

توظيف أجواء الحرب وتصاعد الصراع داخل أروقة الحكم

في المقابل، تجد الفاشية الحاكمة في استمرار التوتر الخارجي وأجواء الحرب أداة لا غنى عنها لبسط السيطرة الأمنية وتبرير القمع الداخلي وملاحقة المعارضين. ولهذا السبب، تصاعدت حدة الصراع بين أجنحة السلطة، حيث يهاجم خطباء الجمعة وممثلو التيار المتشدد أي دعوة للصلح، واصفين التراجع عن المواجهة بأنه تفريط بالأمن القومي واستسلام للضغوط الخارجية. ويعكس هذا الانقسام الحاد عجز نظام الولي الفقيه عن صياغة إستراتيجية موحدة؛ فالأجهزة الأمنية تخشى من أن يؤدي زوال مناخ الحرب إلى كسر حاجز الخوف لدى المواطنين وانفجار الغضب الشعبي المحتقن في الشوارع.

الحصار البحري والعزلة الإقليمية والدولية

يتزامن هذا المأزق الداخلي مع تشديد الخناق الخارجي وتصاعد الضغوط الدولية؛ حيث يفرض الحصار البحري المفروض على الموانئ الجنوبية شللاً شبه كامل على حركة الاستيراد، مما يضع البلاد أمام خطر نفاد السلع الغذائية الأساسية كالحبوب خلال فترة وجيزة. وتترافق هذه الأزمة مع إدانات دولية متتالية في مجلس الأمن لأنشطة طهران المزعزعة للاستقرار وشبكاتها الإقليمية، فضلاً عن العزلة الاستثمارية المطبقة التي جعلت حتى الشركاء الدوليين يحجمون عن ضخ الاستثمارات داخل إيران مقارنة بدول المنطقة، مما يعمق حالة الاختناق الاقتصادي.

تصاعد رقعة الاحتجاجات في عدة مدن إيرانية وسط أزمات معيشية وصحية خانقة ــ من نقص الدواء إلى البطالة ونهب الودائع.. غضب شعبي متنامٍ في طهران والمحافظات

بتاريخ 15 أغسطس 2026، شهدت مدن ومحافظات إيرانية مختلفة موجة جديدة من التجمعات والوقفات الاحتجاجية المتزامنة، في مشهد يعكس حالة الغليان الاجتماعي والاحتقان الشعبي المتصاعد. وشملت هذه التحركات الميدانية خمس مدن رئيسية هي: طهران، وأصفهان، وسيرجان، وشوشتر، وميناء ماهشهر. وتنوّعت الشرائح المحتجة لتضم عائلات المرضى، والمتقاعدين، والشباب الباحثين عن عمل، والمتضررين من مشاريع السكن، وعمال البلديات؛ ما يؤكد أن الأزمة لم تعد فئوية، بل باتت تشمل مختلف مفاصل المجتمع الإيراني المهيأ لمزيد من الاحتجاجات الواسعة.

هلع من الانفجار الداخلي وتراجع تجارب رفع الأسعار

تتجلى هشاشة الوضع الداخلي في الذعر البالغ الذي تبديه السلطات الإيرانية أمام أدنى تحرك في الشارع؛ وهو ما ظهر بوضوح في التراجع الفوري والسريع عن خطط رفع أسعار المحروقات خلال ساعات قليلة من اختبارها في بعض المدن، خشية تكرار سيناريوهات الانتفاضات الشعبية السابقة. وتؤكد هذه الإجراءات المترددة، بالتوازي مع تحذيرات لجان الطاقة في برلمان النظام، أن المجتمع الإيراني وصل إلى نقطة الغليان ولم يعد قادراً على تحمل المزيد من الأعباء المعيشية.

تُظهر الظروف أن النظام الإيراني عالق في فخ مميت ثنائي الأبعاد؛ فالمضي في خيار الحرب يعني تدمير ما تبقى من الاقتصاد والبنية التحتية، بينما التراجع وقبول التهدئة يفجر الصراعات الداخلية ويعجل بسقوط الهيبة الأمنية. وفي كلا المسارين، تقع الكلفة الباهظة على عاتق الشعب الإيراني، مما يجعل الانتفاضة الشعبية الشاملة أمراً حتمياً. إن العامل الحاسم في صياغة مستقبل البلاد لا يتوقف على المفاوضات الدبلوماسية الورقية ولا على المناورات العسكرية المأزومة، بل يرتكز أساساً على الفاعل الميداني المتمثل في الحراك الجماهيري والشبكات المنظمة لوحدات المقاومة التي تعمل على توجيه الغضب الشعبي وكسر آلة القمع، وصولاً إلى إسقاط الفاشية الحاكمة وإقامة دولة ديمقراطية تلبي تطلعات الشعب الإيراني.

شلل المنظومة الصحية في إيران: عجز بمئة ألف ممرض وانهيار الخدمات الطبية

شلل المنظومة الصحية في إيران: عجز بمئة ألف ممرض وانهيار الخدمات الطبية

تكشف الأرقام والاعترافات الرسمية الصادرة في طهران عن أزمة وجودية تعصف بالقطاع الصحي والمنظومة العلاجية في إيران؛ حيث تجاوز العجز في الكوادر التمريضية حاجز مئة ألف ممرض، مما يهدد بانهيار الخدمات الطبية الأساسية وتعريض حياة ملايين المرضى للخطر المباشر. وفي ظل التجاهل الحكومي لطلبات التوظيف والتباطؤ البيروقراطي المتعمد، بالتوازي مع استنزاف الموارد الوطنية لصالح الترسانة العسكرية وأجهزة حرس النظام الإيراني، يعاني القطاع الطبي من نزيف حاد في كوادره بسبب تدني الأجور، وتصاعد التضخم الشهري، وتفاقم الضغوط المعيشية، مما يدفع الآلاف من المتخصصين نحو الاستقالة أو الهجرة القسرية بحثاً عن الكرامة والعيش الآمن.

هجرة الأساتذة الجامعيين في إيران: أزمة تهدد مستقبل التعليم العالي والقطاع الصحي

تواجه الجامعات الإيرانية، وخصوصًا الكليات الطبية، موجة متزايدة من هجرة الأساتذة الجامعيين، ما يشكّل تهديدًا جديًا على مستقبل التعليم العالي والرعاية الصحية في البلاد. هذا النزيف الأكاديمي لم يعد أمرًا عرضيًا، بل أصبح ظاهرة مقلقة تُهدد بنية النخبة العلمية والمهنية في إيران. وفي مقابلة له بتاريخ 23 مارس 2025، حذّر محمد جليلي، رئيس مركز توظيف الأساتذة في وزارة الصحة والتعليم الطبي، من أنّ هذه الظاهرة تمتد إلى كبرى الجامعات في البلاد، موضحاً أن العديد من الأساتذة إمّا يتركون المهنة نهائيًا أو يهاجرون للعمل في الخارج، وهو ما يمثل خسارة كبيرة للاستثمار الوطني في الكفاءات العلمية.

أماطت الاعترافات الصادرة عن مسؤولي الشؤون التمريضية في وزارة الصحة اللثام عن واقع مأساوي يضرب المستشفيات والمراكز العلاجية في عموم البلاد؛ إذ أقرت الدوائر الرسمية بوجود نقص حاد يتجاوز مئة ألف ممرض وممرضة، في حين لا تزال طلبات توظيف ستين ألف كادر صحي معلقة ومجمدة في دهاليز المنظمة الإدارية وشؤون التوظيف دون أي استجابة فعلية. وتكشف المعطيات أن عمليات التوظيف المحدودة التي تجري بين الحين والآخر لا تكاد تسد الفراغ الناتج عن التقاعد ومغادرة الخدمة، مما يحرم المنظومة الصحية من تحقيق أي نمو مستدام، ويجعل من افتتاح مستشفيات جديدة أو زيادة عدد الأسرة مجرد استعراض دعائي خاوٍ من الكوادر الطبية المؤهلة لتشغيلها.

وتنعكس هذه الأزمة البنيوية بصورة مباشرة على معايير السلامة والرعاية العامة؛ حيث تشير البيانات إلى أن النسبة الفعلية للممرضين لا تتعدى تسعة أعشار الممرض لكل سرير مستشفى، وهي نسبة تقل كثيراً عن المعيار المعتمد والمحدد بنحو ممرضين تقريباً لكل سرير. هذا النقص الحاد يلقي بأعباء مضاعفة على الكوادر المتبقية في المستشفيات، مرغماً إياهم على العمل في نوبات إضافية إجبارية ولساعات طويلة وشاقة، مما يؤدي إلى تفشي ظاهرة الاحتراق الوظيفي، وتراجع جودة الخدمات العلاجية، ووقوع أخطاء طبية ناجمة عن الإجهاد البدني والنفسي الشديد الذي يعاني منه الطاقم الطبي في غرف العمليات وأقسام الطوارئ.

ولا تنفصل هذه المأساة الصحية عن الواقع الاقتصادي المتردي الذي فرضته سياسات نظام الولي الفقيه؛ فالرواتب الهزيلة التي تبتلعها موجات التضخم الشهري، وتأخر صرف المستحقات المالية وعلاوات المهنة، والعقود المؤقتة غير المستقرة، حولت مهنة التمريض إلى بيئة طاردة للكفاءات. وتؤكد الإحصاءات خروج آلاف الممرضين والممرضات من سوق العمل سنوياً عبر الاستقالات الفردية أو التقاعد المبكر أو الهجرة إلى الخارج هرباً من القمع والتهميش الاقتصادي، ليتحول النزوح الطبي إلى جرح غائر يستنزف الرأسمال البشري للبلاد لحساب بقاء أجهزة الهيمنة والتسلط.

انهيارُ منظومة الضمان واتساعُ القروض الطبية: الرعايةُ الصحيةُ تتحولُ إلى رفاهيةٍ غائبة

كشفت التطورات الاقتصادية الأخيرة عن بروز ظاهرة خطيرة تعكس عمق التردي المعيشي في إيران؛ حيث تحولت الرعاية الصحية إلى نظام الدفع بالتقسيط تحت شعارات تجارية مثل «تعالج اليوم وادفع غداً». ورغم محاولات أجهزة نظام الولي الفقيه ترويج هذه الظاهرة بوصفها ابتكاراً مالياً، إلا أنها تشكل دليلاً ساطعاً على انهيار القدرة الشرائية لملايين العوائل وعجزها عن تغطية تكاليف العلاج والدواء الأساسية.

تكمن المفارقة الصارخة في أن هذا التدمير الممنهج للبنية الصحية يرافقه نهب واسع لمقدرات الدولة من قبل مؤسسات الولي الفقيه وكارتلات حرس النظام الإيراني؛ حيث تُضخ مليارات الدولارات لدعم المغامرات الخارجية وتطوير المشاريع العسكرية وأجهزة الترهيب الداخلي، في حين تُحرم المستشفيات العامة من الميزانيات التشغيلية اللازمة لتأمين الأدوية وتوظيف الكوادر الطبية وحماية صحة المواطنين. إن استمرار هذا النهج التدميري يضع المنظومة الحاكمة في مواجهة مباشرة مع الكوادر الطبية والشارع الإيراني، الذي يدرك يقيناً أن استعادة منظومة صحية وإنسانية لائقة يمر حتماً عبر إنهاء سلطة النهب والاستبداد.

يجسد الانهيار المتسارع للقطاع الصحي وعجز مئة ألف ممرض في إيران الوجه الأكثر قسوة لإفلاس نظام الولي الفقيه وفشله البنيوي؛ إذ إن تبديد الثروات الوطنية على أجهزة القمع وحرس النظام، مقابل تجويع الكوادر الطبية وتدمير المستشفيات، يحول الحق في العلاج إلى مأساة يومية للمواطنين. إن تصاعد غضب الممرضين والكوادر الصحية يثبت أن الأزمة تجاوزت حدود المطالب المهنية، لتنضم إلى سيل الاحتجاجات الشعبية العارمة المطالبة بإنهاء منظومة الفساد والاستبداد واستعادة الحقوق والكرامة الإنسانية.

 كيف تحولت بنوك في إيران إلى بؤر لتمويل شبكات حرس النظام؟

 كيف تحولت بنوك في إيران إلى بؤر لتمويل شبكات حرس النظام؟

كشفت اعترافات غير مسبوقة صادرة عن أعلى هيئة رقابية وتفتيشية في طهران عن وصول النظام المصرفي الإيراني إلى مرحلة الشلل الهيكلي والانهيار الصامت؛ حيث أدى تفشي الفساد المؤسسي، وتراكم الديون الهالكة، ونهب أكثر من خمسة عشر مليار دولار من مخصصات النقد الأجنبي، إلى تآكل رؤوس أموال البنوك وعجزها عن تلبية التزاماتها الأساسية. وفي ظل هيمنة مؤسسات الولي الفقيه وكارتلات حرس النظام الإيراني على التدفقات المالية وتوجيه القروض نحو المضاربات غير الإنتاجية، يجد ملايين المواطنين والشباب أنفسهم محرومين من أدنى التسهيلات المعيشية، بينما يغذي هذا العجز المصرفي معدلات التضخم الشهري المتصاعد ويدفع الاقتصاد الوطني نحو حافة الإفلاس التام.

90 مليون تومان مقابل 17.. الفجوة بين خط الفقر وأجور العمال في إيران تتسع

كشفت تقارير إعلامية واعترافات صريحة من خبراء اقتصاديين داخل إيران عن تفاقم غير مسبوق في الفجوة المعيشية، إذ قفز خط الفقر لأسرة مكونة من أربعة أفراد في طهران إلى نحو 90 مليون تومان شهرياً، بينما لا يتجاوز الحد الأدنى لأجور العمال 17 مليون تومان فقط. ويُعزى هذا الاتساع المرعب إلى سنوات من التضخم المزمن، وانهيار القيمة الشرائية للعملة الوطنية، وسوء الإدارة الاقتصادية للسلطات، ما جعل أي زيادة اسمية في الأجور مجرد إجراء شكلي يفقد قيمته فوراً أمام موجات الغلاء المتواصلة.

أماطت التصريحات الصادرة عن رئيس هيئة التفتيش العامة خلال اجتماعه مع مسؤولي البنك المركزي ومديري القطاع المصرفي اللثام عن أزمة مالية خانقة تعصف بالمؤسسات الائتمانية في البلاد؛ إذ اعترفت السلطات الرقابية بأن أكثر من نصف المصارف والمؤسسات الائتمانية العاملة، أي أربعة عشر بنكاً من أصل سبعة وعشرين، تفشل في تلبية الحد الأدنى لمعيار كفاية رأس المال المحدد بثمانية في المئة. ويعكس هذا العجز غياب المصدات المالية اللازمة لامتصاص الخسائر وحماية أموال المودعين عند تعثر المقترضين أو انخفاض قيمة الأصول، مما يؤكد أن القطاع المصرفي بات يعمل في منطقة الخطر الشديد وعاجزاً عن حماية الاستقرار المالي في ظل التدهور الاقتصادي الشامل.

ولا تتوقف معالم الانهيار عند تآكل رؤوس الأموال، بل تمتد إلى معضلة الديون الهالكة وغير المستردة التي تعترف الجهات الرقابية بأن أرقامها الحقيقية تفوق بكثير النسبة الرسمية المعلنة والمقدرة بنحو عشرة في المئة، لا سيما في ملف التسهيلات الممنوحة بالعملات الأجنبية. وتعود هذه الكارثة إلى غياب التقييم الائتماني الحقيقي ومنح القروض الضخمة دون ضمانات كافية لصالح شبكات النفوذ والشركات التابعة لـ حرس النظام الإيراني، مما أدى إلى تجميد موارد البنوك داخل قنوات متعثرة وتقويض السيولة النقدية، لينتج عن ذلك شلل تام في قدرة المصارف على تمويل القطاعات الإنتاجية والصناعية الحقيقية التي تعاني من الركود وارتفاع تكاليف التشغيل.

وتتفاقم الأزمة بفعل احتكار البنوك لحجم هائل من الأصول والعقارات الفائضة والراكدة التي كان يُفترض تصفيتها وضخ عوائدها في الدورة الاقتصادية منذ سنوات وفقاً للقوانين الملزمة؛ حيث واصلت تلك المؤسسات تكديس الأصول بدلاً من بيعها، ولم يتجاوز إجمالي ما تم التخلي عنه سوى مبالغ ضئيلة للغاية لا تذكر مقارنة بحجم التراكمات المالية. وقد حوّل هذا السلوك المصارف إلى كيانات للمضاربة العقارية وتجميد السيولة، مما حرم الأنشطة التنموية من التمويل اللازم، وأدى في الوقت ذاته إلى تسريب القروض الموجهة للإنتاج نحو أسواق السمسرة والمضاربات الطفيلية، وهو ما أسهم بصورة مباشرة في تضخيم الكتلة النقدية وتأجيج التضخم الشهري الذي يسحق القدرة الشرائية للمواطنين.

أما الفضيحة المالية الأكبر فتجلت في ملف مخصصات النقد الأجنبي المخصصة للاستيراد، حيث كشفت التقارير الرقابية عن ضياع وتبديد ما يزيد على خمسة عشر مليار دولار نتيجة تخلف نسبة ضئيلة من المستفيدين النافذين عن الوفاء بالتزاماتهم وإعادة عوائد السلع والعملات إلى الخزينة، وسط تقاعس وتواطؤ مريب من قبل إدارات المصارف في اتخاذ الإجراءات القانونية والملاحقات القضائية بحقهم. وتكشف هذه الأرقام الفلكية عن شبكة واسعة من الفساد المنظم واستغلال الوسطاء الماليين غير الخاضعين للرقابة لتهريب العملة الصعبة ومراكمة الثروات لصالح مؤسسات الولي الفقيه على حساب حرمان الأسواق من السلع الأساسية والمواد الأولية.

رجل أعمال إيراني: الحصار البحري يكلف الاقتصاد 18 مليار دولار سنوياً والالتفاف عليه أخطر خيار

حذّر مجيد حريري، رئيس غرفة التجارة الإيرانية الصينية، في تصريحات صحفية من التداعيات الكارثية للحصار البحري المفروض على البلاد، مؤكداً أن استمراره سيكبد النظام الإيراني كلفة تجارية إضافية تقدر بـ18 مليار دولار سنوياً. وشدد على أن التفكير في الالتفاف على هذا الحصار يمثل الخطأ الأكثر خطورة في الوقت الراهن، لما يسببه من تدمير للاقتصاد القومي وتفشٍّ واسع للفساد المالي والإداري، على غرار الإخفاقات السابقة في محاولات الالتفاف على العقوبات الدولية.

تنعكس هذه الانهيارات الهيكلية بصورة مأساوية على الحياة اليومية للمواطنين، حيث يقف أكثر من مليون ومئة ألف شاب وشابة في طوابير الانتظار الطويلة للحصول على القروض الإلزامية الخاصة بالزواج والإنجاب دون جدوى، في ظل تذرع البنوك بانعدام السيولة وتفضيلها تمويل المضاربات وحسابات المتنفذين. ويتزامن هذا الفشل المالي مع هشاشة تقنية غير مسبوقة في البنية الرقمية المصرفية التي تعرضت لاختراقات وهجمات سيبرانية متكررة أدت إلى شلل الخدمات وتوقف عمليات الشراء وسداد الأقساط؛ مما يؤكد أن المنظومة المصرفية لم تعد قادرة على أداء أبسط وظائفها، وباتت تشكل عبئاً مدمراً يسرّع من وتيرة الاحتقان والغليان الشعبي ضد سلطة الاستبداد والنهب المنظم.

تكشف أزمة المصارف المتفاقمة في طهران أن القطاع المالي بات مرآة عاكسة لإفلاس نظام الولي الفقيه وفساده الهيكلي؛ إذ إن استنزاف أموال البنوك ونهب مليارات الدولارات لصالح كارتلات حرس النظام والشبكات الطفيلية، بالتوازي مع حرمان ملايين المواطنين من أبسط حقوقهم المعيشية، يثبت أن النظام يستهلك مقدرات البلاد لتأمين بقائه السياسي. إن وصول البنوك إلى حافة الإفلاس وشلل التمويل يضعان الاقتصاد بأكمله أمام انهيار وشيك يعمق عزلة السلطة ويدفع الشارع نحو الانفجار الحتمي.

من اختبار الأسعار إلى كابوس الانفجار: كيف يهدد غلاء البنزين بإشعال انتفاضة شاملة في إيران؟

من اختبار الأسعار إلى كابوس الانفجار: كيف يهدد غلاء البنزين بإشعال انتفاضة شاملة في إيران؟

لم تكن الصدمة التي أحدثتها التسعيرة التجريبية المفاجئة للبنزين، والتي قاربت سبعة وثمانين ألف تومان في محافظة كرمان، مجرد إجراء إداري عابر أو خطأ تقني مؤقت؛ بل شكلت انعكاساً مادياً وبليغاً للانسداد التاريخي الشامل الذي يطوق نظام الولي الفقيه في طهران. وتجد السلطة الحاكمة نفسها اليوم عالقة في معادلة موت مستحيلة تجمع بين قطبين متنافرين: إشعال الحروب الإقليمية لصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية، ومواجهة الانهيار الاقتصادي الوشيك الناتج عن تكاليف تلك المغامرات؛ مما يدفع النظام إلى محاولة يائسة لانتزاع نفقات آلته القمعية من موائد المحرومين، في مغامرة غير محسوبة تضع البلاد بأسرها على شفا انفجار شعبي عارم.

أين ذهبت 228 مليار دولار؟ بيانات البنك المركزي تكشف خروج 60% من فوائض إيران

كشفت صحيفة «دنياي اقتصاد» الحكومية، استنادا إلى بيانات البنك المركزي الإيراني، عن أرقام ضخمة تتعلق بمصير عائدات إيران الخارجية خلال نحو ثلاثة عقود، مشيرة إلى أن 228 مليار دولار خرجت من البلاد أو لم تعد إلى دورة الاقتصاد الإيراني خلال الفترة من عام 1997 حتى عام 2025. وبحسب التقرير، بلغت عائدات الصادرات الإيرانية خلال هذه الفترة نحو 2.34 تريليون دولار، مقابل واردات بلغت قيمتها نحو 1.98 تريليون دولار، وبذلك كانت الإيرادات المتأتية من الصادرات أعلى بكثير من نفقات الاستيراد، فيما بلغ فائض الحساب الجاري، وفقا لأرقام البنك المركزي، نحو 379.5 مليار دولار. لكن اللافت هو مصير هذا الفائض الضخم.

تعيش منظومة الولي الفقيه حالة من التخبط الاستراتيجي غير المسبوق؛ فمن جهة، ترى السلطة في افتعال التوترات وتأجيج الحروب الخارجية ضرورة حيوية لبناء سدود أمنية تحول دون تمدد موجات الانتفاضة الشعبية المتراكمة، وتبرر تشديد القبضة البوليسية في الداخل. ومن جهة ثانية، تسببت التكاليف العسكرية الباهظة لتلك المغامرات، بالتوازي مع العقوبات والعزلة الدولية وتصاعد معدلات التضخم الشهري، في شل الاقتصاد الوطني ودفع الخزينة العامة إلى حافة الإفلاس التام. وأمام هذا العجز الهيكلي، لم يتبقَّ أمام منظومة الفساد سوى اللجوء إلى جيوب المواطنين المنهكين، في محاولة لتعويض خسائرها المالية وتمويل ترسانة حرس النظام الإيراني ومؤسسات القمع على حساب حرمان الملايين من أدنى مقومات العيش الكريم.

وتكشف مناورات جس نبض الشارع، عبر التلويح بأرقام فلكية لأسعار الوقود ثم التراجع عنها بصورة فورية، عن حجم الذعر الذي يسيطر على أروقة صنع القرار في طهران. وتلجأ الأجهزة الحكومية إلى أساليب الخداع النفسي لترويض الرأي العام؛ حيث تُطرح تسعيرات باهظة كصدمة أولية لامتصاص ردود الفعل الغاضبة، بهدف جعل الزيادات اللاحقة تبدو وكأنها خيار معقول وقابل للهضم، بينما الهدف الحقيقي يكمن في فرض زيادات قسرية تنهك الطبقات الكادحة. إلا أن هذه الحسابات الملتوية تصطدم بوعي مجتمعي متراكم؛ فالشارع الإيراني لم يعد مستعداً لتحمل فاتورة فساد مؤسسات الولي الفقيه التي تستحوذ على الموارد الوطنية وتترك المواطنين يصارعون الغلاء الفاحش وتآكل القوة الشرائية.

تدرك أوساط النظام وخبراؤه أن المساس بأسعار الوقود ليس مجرد تعديل في ميزانية الدولة، بل هو شرارة قادرة على إشعال بركان الغضب الشعبي المكبوت. وتتوالى التحذيرات من داخل أجهزة السلطة ذاتها خشية تكرار أحداث انتفاضة نوفمبر 2019، التي أثبتت أن قراراً اقتصادياً متهوراً يمكن أن يتحول في غضون ساعات إلى انتفاضة سياسية كبرى تهدد أركان الاستبداد. إن الذاكرة الجمعية للمجتمع الإيراني، المثقلة بدماء الشهداء ومعاناة المعتقلين، تجعل من أي محاولة لرفع أسعار المحروقات بمثابة إعلان مواجهة مباشرة مع جماهير لم يعد لديها ما تخسره في ظل انتشار الفقر والبطالة وانسداد الآفاق.

إن الجذور الحقيقية لما يُسمى بعجز الطاقة في إيران لا تعود إلى أنماط الاستهلاك الشعبي أو المعطيات الفنية، بل هي نتاج عقود من سوء الإدارة والنهب المنظم الذي تمارسه مافيات حرس النظام الإيراني والمؤسسات التابعة للولي الفقيه؛ حيث بُددت مئات المليارات من عائدات النفط والغاز في تمويل مشاريع التسلح والميليشيات الإقليمية بدلاً من تحديث المصافي وتطوير البنية التحتية لقطاع الطاقة. إن الإصرار على تحميل المواطنين أوزار هذا الفشل البنيوي يحول ملف البنزين من قضية معيشية إلى صاعق تفجير سياسي، يعري عجز الديكتاتورية عن البقاء دون إفقار المجتمع، ويؤكد أن كسر حلقة الفقر يبدأ بكسر شوكة الاستبداد.

أسعار البنزين في إيران.. صاعق تفجير يخيف النظام من انتفاضة جديدة

تحول ملف أسعار البنزين والوقود في إيران خلال العقد الأخير إلى صاعق تفجير سياسي مباشر يهدد استقرار نظام الولي الفقيه؛ حيث تكشف التحركات الحكومية الأخيرة ومحاولات جس نبض الشارع عبر زيادات تجريبية في الأسعار عن حالة ذعر عميقة تسود أروقة صنع القرار في طهران من اندلاع انتفاضة شعبية عارمة تماثل انتفاضة نوفمبر 2019. وفي ظل التدهور المعيشي المستمر واستنزاف موارد البلاد لصالح الترسانة العسكرية وأجهزة حرس النظام الإيراني، لم تعد أزمة الوقود مجرد خلل اقتصادي بين العرض والطلب، بل تحولت إلى تجسيد حي للصراع الجذري بين مجتمع يقف على حافة الانفجار وسلطة تعاني من إفلاس بنيوي شامل.

يقف المجتمع الإيراني اليوم كبرميل بارود مضغوط بالغضب والاحتقان، حيث تتلاقى أزمات التضخم الشهري وتدهور الرواتب مع الرغبة العارمة في التحرر واستعادة الكرامة المسلوبة. وتدرك الدوائر الأمنية أن أدوات الترهيب والقمع والإعدامات لم تعد قادرة على احتواء الرفض الشعبي؛ فمحاولة تمويل ماكينة الحرب والبطش من قوت الفقراء لن تؤدي سوى إلى تسريع وتيرة الانفجار الاجتماعي الحتمي. إن أي خطوة غير محسوبة لرفع الأسعار ستتحول إلى طوفان ثوري يجرف أوهام السلطة، ويضع حداً لعهد الهيمنة المطلقة، مؤكداً أن إرادة التغيير لدى الشعب الإيراني ووحدات مقاومته الباسلة باتت أقوى من كل محاولات التضليل والترهيب.

يجسد مأزق تسعير الوقود في إيران حقيقة الانسداد الشامل الذي يواجهه نظام الولي الفقيه؛ إذ لم يعد قادراً على تمويل آلة الحرب والقمع دون السطو على لقمة عيش المواطنين، ولا قادراً على تمرير هذا النهب دون إشعال شرارة انتفاضة شعبية كبرى تعيد أمجاد نوفمبر 2019. إن محاصرة النظام بين الإفلاس الاقتصادي والغليان الاجتماعي تثبت أن معركة البنزين لم تعد نزاعاً معيشياً، بل صراعاً وجودياً يدفع الشارع الإيراني نحو خيار الثورة الشاملة لإسقاط الاستبداد واستعادة مقدرات الوطن.

وقود لآلة القمع أم شرارة للانتفاضة؟ مأزق البنزين في إيران

وقود لآلة القمع أم شرارة للانتفاضة؟ مأزق البنزين في إيران

لم تعد قضية أسعار البنزين في إيران مجرد ملف اقتصادي يتعلق بالعجز في الموازنة أو بكيفية إدارة الدعم الحكومي. فالظهور المفاجئ لسعر 87 ألفا و200 تومان للبنزين في محافظة كرمان، سواء كان اختبارًا تجريبيًا أو إجراءً مؤقتًا أو خطأً تنفيذيًا، كشف مجددًا عن مأزق أعمق يواجه نظام ولاية الفقيه: كيف يمول آلة الحرب والقمع في وقت يرزح فيه الاقتصاد تحت أزمات خانقة، من دون أن يشعل غضب مجتمع يقف أصلًا على حافة الانفجار؟

هذه هي المعادلة التي باتت تحاصر النظام بين خيارين، كلاهما شديد الخطورة عليه: إشعال الحروب من جهة، والانهيار الاقتصادي والاجتماعي من جهة أخرى.

فالنظام الذي يعتمد على التوتر الخارجي وإثارة الأزمات الإقليمية كجزء من استراتيجية بقائه، يحتاج في الوقت نفسه إلى موارد هائلة لتمويل الحرس وأجهزة الأمن والباسيج ومشاريعه العسكرية. لكن الحروب والعزلة والاختلالات البنيوية للاقتصاد تستنزف موارده وتدفعه، في نهاية المطاف، إلى البحث عن الأموال في جيوب المواطنين الذين يعانون أصلًا من الغلاء والفقر وتراجع القدرة الشرائية.

وهنا تتحول محاولة معالجة الأزمة المالية إلى عامل جديد في تفجير الأزمة السياسية.

يدرك مسؤولو النظام جيدًا أن البنزين في إيران ليس سلعة عادية. فتجربة انتفاضة نوفمبر 2019 ما زالت حاضرة في ذاكرة السلطة، حين تحولت الزيادة المفاجئة في أسعار الوقود خلال ساعات إلى احتجاجات واسعة تجاوزت المطالب الاقتصادية ورفعت شعارات تستهدف النظام برمته.

ولهذا فإن كل حديث جديد عن تعديل أسعار البنزين يضع السلطة أمام كابوس سياسي، لا أمام مجرد عملية حسابية بين كلفة الإنتاج وسعر البيع.

وهذه المخاوف تظهر حتى في وسائل الإعلام التابعة للنظام. فقد اعترف موقع «نوبنياد» الحكومي في 15 أغسطس 2026 بخطورة التعامل مع هذا الملف، محذرًا من أن زيادة الأسعار في الظروف الراهنة يمكن أن تدخل البلاد في حالة من الاضطراب، بل وتعيد إلى الأذهان أحداث يناير 2026.

كما أن التحذيرات من التداعيات السياسية لرفع أسعار الوقود تعكس حقيقة أصبحت واضحة: الأزمة الاقتصادية في إيران لم تعد منفصلة عن الأزمة السياسية والاجتماعية.

فعندما يكون المجتمع مثقلًا بالتضخم والبطالة وتراجع قيمة العملة وارتفاع أسعار الاحتياجات الأساسية، يمكن لقرار اقتصادي واحد أن يتحول إلى الشرارة التي تجمع كل أشكال السخط المتراكم.

المفارقة الأكثر دلالة أن الضغوط المتزايدة على المواطنين في ملف الوقود لا تترافق مع تقليص مماثل للموارد المخصصة لمؤسسات النظام الأمنية والعسكرية.

فبينما يجري الحديث عن رفع الأسعار وتقليص الدعم وتحميل المستهلك المزيد من الأعباء، تبقى أجهزة مثل الحرس وقوات الشرطة ووزارة الاستخبارات والباسيج جزءًا أساسيًا من منظومة الإنفاق التي يعتبرها النظام ضرورية لبقائه.

وهنا تتضح الأولويات.

فالمشكلة ليست مجرد نقص في الموارد، بل في الطريقة التي يجري بها توزيع هذه الموارد. وعندما تكون الأولوية للآلة العسكرية والأمنية على حساب معيشة المواطنين، يصبح رفع سعر البنزين تعبيرًا عن أزمة سياسية في إدارة الدولة، وليس مجرد محاولة لمعالجة اختلال اقتصادي.

إن نظامًا ينفق موارده على الحرب والقمع ثم يطلب من المواطن تمويل العجز الناتج عن تلك السياسات يدخل بنفسه في حلقة مفرغة: كلما احتاج إلى المزيد من الموارد للحفاظ على سلطته، زاد الضغط على المجتمع؛ وكلما زاد الضغط على المجتمع، ازدادت حاجته إلى أجهزة القمع لمواجهة الغضب الناتج عنه.

بين تمويل الحرب والخوف من الانتفاضة

هذا هو جوهر المأزق الحالي.

فالنظام يحتاج إلى الأموال لاستمرار استراتيجيته العسكرية والأمنية، لكنه يعرف في الوقت نفسه أن استخراج هذه الأموال من جيوب المواطنين يمكن أن يشعل احتجاجات جديدة.

وإذا تراجع عن زيادة الأسعار، تستمر الاختلالات المالية وتتفاقم أزمة الموازنة. وإذا رفع الأسعار، فإنه يخاطر بتحويل الأزمة المعيشية إلى انفجار سياسي.

ولذلك فإن المشكلة التي تواجه النظام لا يمكن حلها بمجرد تغيير سعر لتر البنزين، لأنها مرتبطة ببنية أوسع بكثير: اقتصاد منهك، وموارد تستنزفها الأولويات العسكرية والأمنية، ومجتمع تتراكم داخله أسباب الغضب، وسلطة تحمل ذاكرة ثقيلة من الانتفاضات السابقة.

كابوس نوفمبر يعود إلى الواجهة

من هنا يمكن فهم الحساسية الاستثنائية التي تحيط بملف البنزين. فالسلطة لا تنظر إلى المضخة باعتبارها مجرد مكان لبيع الوقود، بل باعتبارها نقطة يمكن أن تبدأ منها أزمة سياسية يصعب احتواؤها.

لقد أثبتت انتفاضة نوفمبر 2019 أن المسافة بين القرار الاقتصادي والانفجار السياسي في إيران قد تكون قصيرة للغاية. واليوم أصبحت الظروف الاقتصادية والاجتماعية أكثر هشاشة، فيما تراكمت أسباب جديدة للسخط فوق الأزمات القديمة التي لم تجد طريقها إلى الحل.

ولهذا فإن الخوف الحقيقي ليس من سعر 87 ألفا و200 تومان في حد ذاته، وإنما مما كشفه ظهوره من هشاشة الوضع القائم.

فحتى تجربة محدودة للأسعار تستطيع أن تعيد إلى الواجهة سؤالًا أكبر: إلى أي مدى يستطيع المواطن الإيراني الاستمرار في دفع ثمن سياسات لا يقررها ولا يستفيد منها؟

إن أزمة الوقود تكشف بصورة مكثفة مأزق النظام بأكمله. فهو يريد الاحتفاظ باستراتيجية الحرب والقمع، ويريد في الوقت نفسه تجنب تكلفتها الاجتماعية، ويريد الحصول على المزيد من الأموال من المجتمع من دون أن يسمح لهذا المجتمع بالاحتجاج على طريقة إنفاقها.

لكن الجمع بين هذه الأهداف يصبح أكثر صعوبة كلما تفاقمت الأزمة المعيشية.

ولهذا فإن أي زيادة جديدة في أسعار البنزين لن تكون بالضرورة حلًا للاختلالات الاقتصادية؛ بل يمكن أن تتحول إلى عامل يضاعفها سياسيًا واجتماعيًا.

النظام يريد من جيوب المواطنين وقودًا لآلة بقائه، لكنه يخشى أن يتحول هذا الوقود نفسه إلى شرارة تشعل الشارع.

وهنا تكمن المفارقة القاتلة: ما يعتبره النظام وسيلة لتمويل استمرار سلطته قد يصبح، في مجتمع مثقل بالغضب والفقر والأزمات، أحد العوامل التي تسرع اندلاع موجة احتجاجية جديدة.

فالبنزين في إيران لم يعد مجرد ملف اقتصادي. إنه مرآة لمأزق نظام محاصر بين كلفة الحرب، وعجز الاقتصاد، والخوف الدائم من الانتفاضة.

احتجاجات متجددة لمتقاعدي الضمان الاجتماعي في طهران وشوش تنديداً بنهب صناديق التقاعد والغلاء

احتجاجات متجددة لمتقاعدي الضمان الاجتماعي في طهران وشوش تنديداً بنهب صناديق التقاعد والغلاء

بتاريخ 16 أغسطس 2026 ، تجددت التظاهرات والتحركات الاحتجاجية لمتقاعدي المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي في العاصمة طهران ومدينة شوش. واحتشد المتظاهرون في وقفات ومسيرات اعتراضية للتنديد بالانهيار المعيشي المتسارع، وتآكل القوة الشرائية، والنهب الممنهج لأموال ومدخرات صناديق التقاعد، مطالبين بإنصافهم ووقف سياسات التجويع والإفقار المتبعة بحق الفئات الكادحة.

في العاصمة طهران، نظم متقاعدو الضمان الاجتماعي تجمعاً احتجاجياً حاشداً أمام المقار الحكومية المعنية، معلنين غضبهم من الفجوة الهائلة بين الرواتب المتدنية ومعدلات التضخم المنفلتة. وأكد المحتجون أن معاشاتهم لم تعد تغطي الحد الأدنى من نفقات المعيشة وتكاليف السكن والعلاج. كما استنكر المشاركون سياسة السطو المنظم على أصول وممتلكات صندوق الضمان الاجتماعي من قِبل الأجهزة الحكومية والمؤسسات التابعة للنظام، الأمر الذي أغرق الصندوق في أزمة إفلاس خانقة وحرم ملايين المتقاعدين من عوائد عقود قضوها في العمل والإنتاج.

وفي مدينة شوش بمحافظة خوزستان، خرج متقاعدو الضمان الاجتماعي في مسيرة وتجمع احتجاجي حاشد في الشوارع المحيطة بمبنى الهيئة، مواصلين حراكهم الأسبوعي الميداني. وردد المتظاهرون هتافات منددة بالفساد والتمييز وغلاء الأسعار، مؤكدين أن النزول إلى الشارع بات الخيار الوحيد لانتزاع الحقوق ومواجهة التسويف. وشدد المحتجون على مطالبهم الفورية المتمثلة في تطبيق قانون معادلة الرواتب بالكامل، ورفع الأجور بما يواكب خط الفقر الحقيقي، ووقف نهب مدخرات العمال والمتقاعدين.

تثبت هذه الاحتجاجات المتواصلة أن أزمة إفلاس صناديق التقاعد وتدهور الوضع المعيشي في إيران ليسا نتاج ظروف عابرة، بل هما ثمرة مباشرة للفساد البنيوي والسياسات التدميرية التي ينتهجها نظام الولي الفقيه. فبدلاً من الحفاظ على أموال المتقاعدين وضمان استقرار الصناديق الخدمية، عمدت السلطة الحاكمة إلى غارت ونهب هذه المدخرات وتبديد ثروات الشعب الإيراني في تمويل إشعال الحروب الخارجية، ورعاية الأذرع والجماعات الإرهابية، والإنفاق الهائل على المشاريع النووية التدميرية؛ ما قاد الاقتصاد الوطني إلى حافة الانهيار ودفع بالمواطنين والمتقاعدين إلى خوض مواجهة مستمرة في الساحات دفاعاً عن كرامتهم وقوت يومهم.

إعدام سجين الانتفاضة شهرام صادقي على يد جلادي نظام الملالي في كرج

إعدام سجين الانتفاضة شهرام صادقي على يد جلادي نظام الملالي في كرج

السلطة القضائية لنظام الجلادين: “قاد شهرام صادقي سيارته بسرعة عالية نحو المأمورين، وبعد إصابة سبعة منهم واصل طريقه، ثم قام بالتعاون مع مثيري الشغب بإضرام النار في سيارته”

في فجر يوم الأحد 16 أغسطس 2026، أعدمت السلطة القضائية لنظام الجلادين، في جريمة أخرى، الشاب الثائر الشجاع شهرام صادقي شنقا.

في 30 مايو 2026حكمت محكمة الثورة الجائرة في كرج على شهرام، الذي اعتقل في 5 فبراير 2026، بالإعدام ومصادرة جميع ممتلكاته.

ادعت السلطة القضائية للنظام أن شهرام صادقي في مساء يوم 8 يناير 2026، بالقرب من تقاطع كلزار في كرج، “قاد سيارته بسرعة عالية نحو المأمورين، وبعد إصابة 7 منهم واصل طريقه، ثم قام بالتعاون مع مثيري الشغب بإضرام النار في سيارته”. ووفقا لما ذكرته السلطة القضائية لنظام الجلادين، فإنه “تم التعرف عليه واعتقاله بعد انتحاله شخصية أخرى واختبائه في مخيم لعلاج الإدمان رغم أنه لم يكن مدمنا”.

وقد وُجهت إلى شهرام تهمة مثيرة للسخرية وهي “القيام بعمليات لصالح النظام الصهيوني والولايات المتحدة والجماعات المعادية” ضد أمن النظام.

وأدانت السيدة مريم رجوي الإعدام التعسفي لشهرام صادقي، مذكرة بالإدانات العالمية للإعدامات في إيران، دعت مجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وعملية لإجبار النظام الإيراني على وقف الإعدامات اللاإنسانية.

أمانة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

16 أغسطس/ آب 2026