الرئيسيةأخبار إيرانتقسيط الفقر في إيران.. عائلاتٌ تشتري غذاءها بالديْن وسط تضخم للسلع يتجاوز...

تقسيط الفقر في إيران.. عائلاتٌ تشتري غذاءها بالديْن وسط تضخم للسلع يتجاوز 120%

0Shares

تقسيط الفقر في إيران.. عائلاتٌ تشتري غذاءها بالديْن وسط تضخم للسلع يتجاوز 120%

تتجلى الأبعاد المأساوية لانهيار القدرة الشرائية في إيران في تحول أبسط متطلبات الحياة اليومية، كالانتقال إلى مكان العمل، إلى عبء مالي يكسر ظهور ملايين الكادحين. فمع القفزات الجنونية في أجور سيارات الأجرة عبر التطبيقات الذكية (مثل سناب وتابسي)، بالتزامن مع أزمة شح الوقود والتشويش الممنهج على أنظمة الملاحة (GPS)، باتت الأسر الإيرانية تدفع ضريبة باهظة لسياسات التجويع التي تفرضها سلطة الولي الفقيه. وفي حين يلجأ المواطنون إلى الاستدانة وشراء الغذاء بالتقسيط هرباً من شبح الجوع وسط تضخم تجاوز 84%، تعمد المنظومة الحاكمة إلى فرض تعتيم أمني على إحصاءات الفقر، متجاهلة انزلاق أكثر من 60 مليون إيراني إلى قاع العوز وتفشي سوء التغذية بين مئات الآلاف من الأطفال.

اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية في إيران: غضب متصاعد ضد الغلاء وتدهور المعيشة

تتواصل الوقفات والاحتجاجات الشعبية لمختلف الشرائح الاجتماعية، من المتقاعدين والعمال والكوادر الطبية، في طهران وعدة مدن إيرانية، تنديداً بتدني الأجور وتفشي الفقر والانهيار الاقتصادي المتسارع. ويعكس هذا الحراك المتصاعد اتساع فجوة الرفض الشعبي ضد سياسات نظام الولي الفقيه ونهبه المنظم لمقدرات الشعب لتمويل أجهزته القمعية ومغامراته الخارجية.

رحلةُ العمل اليومية.. استنزافٌ مالي في ظل شلل التطبيقات ونقص الوقود

لم تعد تكلفة الذهاب إلى العمل مجرد نفقات روتينية، بل تحولت إلى أزمة استنزاف تبتلع أجور العمال والموظفين. وتشير التقارير الواردة من طهران ومدن أخرى إلى ارتفاع حاد في أجور تطبيقات النقل الذكي سناب وتابسي خلال أوقات الذروة؛ حيث قفزت تكلفة الرحلة التي كانت تبلغ نحو 300 ألف تومان قبل أسابيع قليلة لتتجاوز عتبة الـ 700 ألف تومان. وقد بررت الشركات المشغلة في 27 أغسطس هذه الزيادات بنقص أعداد السائقين النشطين، ومشاكل التشويش على أنظمة (GPS)، والاختناقات أمام محطات الوقود.

وأمام عجز شبكات النقل العام كالمترو والحافلات عن تغطية كافة الأحياء، وجد العمال أنفسهم محاصرين بتكاليف نقل تتراوح بين 500 و600 ألف تومان للرحلة اليومية ذهاباً وإياباً، وهو ما يعني اقتطاع جزء كبير من الراتب الشهري لمجرد الوصول إلى مكان العمل. وتلخص شكوى أحد السائقين المشهد بمرارة قائلاً: محطات الوقود مزدحمة، ونظام الـ GPS لا يعمل، ولا يمكننا العمل بشكل صحيح. ومع ارتفاع الأجور انخفض عدد الركاب بطبيعة الحال، لنبقى في النهاية بلا مال وبلا بنزين.

التضخم الجامح وظاهرة تقسيط الفقر

تأتي أزمة النقل لتصب الزيت على نار انهيار اقتصادي أوسع نطاقاً؛ إذ كشف تقرير للبنك المركزي في 27 أغسطس أن التضخم الشهري سجل 84.4% في شهر مرداد، بينما قارب التضخم السنوي 65%، محققاً قفزة كارثية في مؤشر أسعار السلع تجاوزت 120%. ويتزامن هذا الغلاء مع انهيار قيمة العملة الوطنية، حيث تخطى الدولار الأمريكي حاجز الـ 205 آلاف تومان في السوق الحرة، مما ينذر بموجات غلاء إضافية.

وقد دفع هذا التدهور الأسر الإيرانية لابتداع آليات قاسية للبقاء، وصفتها صحيفة اعتماد بـ تقسيط الفقر؛ حيث امتد الشراء بالتقسيط من السلع المعمرة ليطال محلات البقالة والمواد الغذائية اليومية. وعادت ظاهرة دفتر الديون التقليدي لشراء اللحوم والفواكه إلى الواجهة، مؤكدة أن شراء الطعام بالديْن لم يعد تدبيراً مؤقتاً، بل بات الوسيلة الوحيدة للوصول إلى نهاية الشهر.

الجوع يضرب الطفولة وشلل شبكة الرعاية الصحية

امتدت تداعيات الاختناق المالي لتضرب الفئات الأكثر هشاشة؛ حيث أقرت وزارة الرفاه بوجود نحو 262 ألف طفل يعانون من سوء التغذية، في حين يؤكد الأطباء في المناطق المحرومة عجز العائلات عن توفير أبسط المكونات الغذائية الموصى بها لأطفالهم. ولم يسلم القطاع الصحي من هذه التبعات، إذ يشهد قفزات حادة في أسعار الأدوية، وتراكماً لديون شركات التأمين لصالح الصيدليات، مما أجبر عائلات كثيرة على تأجيل زيارات الأطباء وأطباء الأسنان، والتخلي عن شراء المكملات الغذائية.

بين مقصلة الفقر وشبكات الاستغلال: المرأة الإيرانية في دوامة الصراع من أجل البقاء

تعيش النساء ومعيلات الأسر في إيران واقعاً مأساوياً تحت وطأة الفقر المدقع والبطالة، مما يدفعهن إلى مواجهة ظروف عمل قاسية وغير آمنة وشبكات استغلال واسعة في ظل انعدام الحماية الاجتماعية. وتجسد هذه الأزمة الكارثية النتائج المباشرة للسياسات التمييزية والإفقار الممنهج الذي يفرضه نظام الولي الفقيه على المجتمع الإيراني، محوّلاً حياة الملايين إلى صراع يومي من أجل البقاء.

تعتيمٌ أمني يخفي إفلاس الفاشية المتسترة بعباءة الدين

تتجنب حكومة النظام الكشف عن الحجم الحقيقي لهذه الكارثة؛ إذ صرحت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، في 26 أغسطس، بأن حظر نشر بعض إحصاءات الفقر يعود إلى اعتبارات أمنية، مشيرة إلى أن الإفراج عن هذه الأرقام يتطلب ترخيصاً من المجلس الأعلى للأمن القومي.

غير أن حجب الأرقام لا يغير من حقيقة وجود 60 مليون إيراني يقبعون تحت خط الفقر، في وقت تجاوزت فيه تكاليف سلة المعيشة الأساسية الحد الأدنى للأجور بأشواط. وأمام هذه الوقائع، لا يمكن اعتبار ارتفاع أجور التاكسي مجرد خلل فني أو نقص مؤقت في الوقود، بل هو طبقة جديدة من الأزمة البنيوية الخانقة.

إن استنزاف الغذاء والدواء والوقود والمواصلات للنسبة الأكبر من دخل الأسر الإيرانية يقدم دليلاً قاطعاً على تحول اقتصاد البلاد إلى ماكينة نهب منظمة تخدم مصالح أجهزة حرس النظام الإيراني على حساب الشعب. فعندما يصبح مجرد كسب لقمة العيش والانتقال إلى العمل أمراً تعجز عنه ميزانية المواطن، فهذا يؤكد أن بنية سلطة الولي الفقيه لا تولّد سوى الفقر والحرمان، وأن الشارع المنتفض، الذي بات يشتري خبزه بالديْن، يقترب بخطى متسارعة من لحظة الانفجار الكبير لاستعادة حقه في الحياة الكريمة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة