فضيحة الـ ۶ مليارات دولار: مرآة الفساد الهيكلي وحصاد الفقر في شوارع إيران
لا يُمثّل الفساد في النظم الشمولية والاستبدادية مجرد عَرَض طارئ، أو خلل إداري، أو انحراف وظيفي في أروقة البيروقراطية، بل هو المنطق الجوهري والعمود الفقري لإعادة إنتاج السلطة وتثبيت أركانها. ففي ظل بنى الحكم المغلقة، لا تتأسس آليات تراكم الثروة على الإنتاج والابتكار وقواعد السوق التنافسية، بل تقوم على الزبائنية السياسية، والاستيلاء الممنهج على الموارد العامة، وإعادة توزيع الريع المالي على شبكات النفوذ والولاء المرتبطة بالنواة الصلبة للسلطة. وحين تتركّز كافة الموارد الاستراتيجية، والثروات الوطنية، ومفاصل التشريع والقضاء والأجهزة العسكرية والأمنية حصراً حول سلطة الولي الفقيه والمؤسسات التابعة له، يغدو الفساد بمثابة الإسمنت الذي يربط بين مصالح النخبة الحاكمة ويضمن ديمومة آلة القمع.
من هذا المنظور، لا تُعد الفضائح والأزمات الاقتصادية المتلاحقة حوادث معزولة أو مجرد أخطاء فردية، بل هي شواهد يومية وأعراض حية لماكينة استنزاف كبرى تُحمّل المجتمع وفئاته الكادحة كلفة بقائها وامتيازات كارتيلاتها، عبر إشعال التضخم، وتعميق الفقر الصحي، وتفشي البطالة وتدمير البنى التحتية.
تكريمُ محافظ البنك المركزي بعد سحق العملة الوطنية.. استهتارٌ رسمي بجوع 60% من الإيرانيين
احتفى الرئيس مسعود بزشكيان بمحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي، ومنحه درع «الجهاز النموذجي» ووسام «عضد الفتح» تقديراً لما سُمي بـ«حسن إدارة الأزمة الاقتصادية خلال الحرب»، في مشهد يمثل بحسب مراقبين صفعة لمشاعر ملايين المحرومين، إذ لا تكافئ المنظومة الحاكمة مسؤوليها على خدمة المجتمع، بل تمنح الأوسمة لمن أجادوا تدمير العملة الوطنية وتحويل ريع الدولة لتمويل آلة القمع والحروب الخارجية.
شواهد يومية على النهب الممنهج: تجليات الأزمة الهيكلية
ولفهم كيفية تحول هذا المنطق الهيكلي إلى واقع معيش، تكفي قراءة ثلاثة نماذج حديثة تُظهر بوضوح آليات تجريد المجتمع واستنزاف ثرواته:
كشف تخصيص نحو ۶ مليارات دولار من النقد الأجنبي لشركة «مديران خودرو» خلال الفترة بين عامي ۲۰۲۱ و۲۰۲۶ لاستيراد وتجميع سيارات صينية من طراز «شيري»، عن أولويات النظام في تبديد العملة الصعبة لا سيما في حقبة حكومة رئيسي. هذا المبلغ الضخم—الذي يعادل أكثر من ثلث القيمة السوقية الإجمالية لشركة «شيري» الصينية—أُنفق على استيراد وتجميع ۴۳۰ ألف سيارة استهلاكية فحسب؛ في حين كان بمقدور هذه الكتلة المالية إعادة إعمار مجمع «فولاذ مباركة» بالكامل أربع مرات، أو تغطية فاتورة استيراد البنزين للبلاد لعامين كاملين، أو تشييد ستة مصانع سيارات عملاقة بحجم مجمع «إيران خودرو». إن هذا التخصيص الريعي يفضح طبيعة التجارة الخارجية في ظل الاستبداد، حيث تتحول الثروة القومية إلى أرباح طائلة تُضخ في جيوب حيتان المال والشبكات التابعة لأجهزة الحكم.
إلغاء الدعم عن الدواء والمتاجرة بصحة المواطنين
في الوقت الذي تُهدر فيه المليارات على استيراد سلع كمالية لصالح النخب، تعمد السلطة تحت ذريعة «شح الموارد» إلى إلغاء السعر التفضيلي للعملة المخصصة لقطاع الدواء والصحة. وقد أدى هذا الإجراء إلى قفزة جنونية في أسعار المواد الأولية لصناعة الدواء بأكثر من خمسة أضعاف، والتهاب أسعار ما لا يقل عن ۴۰۰ قلم دوائي أساسي وواسع الاستهلاك. هذا التناقض الصارخ يعري جوهر الاقتصاد السياسي الحاكم: تعويض نزيف العملة الصعبة وامتيازات المافيات عبر سياسات التقشف القسري، ورفع تكلفة العلاج، وترك الفئات الهشة فريسة للمرض والعوز الصحي.
شلل الإنتاج وضرب معيشة الطبقة العاملة
يأتي التراجع الحاد في القدرة الإنتاجية الوطنية وموجات تسريح العمال المستمرة كنتيجة حتمية لتبديد الموارد وحرمان القطاعات الإنتاجية من الاستثمار. وتُعد محافظة كرمانشاه نموذجاً عيانياً لسياسات التهميش والإفقار، حيث تصدرت قوائم البطالة في البلاد بمعدل رسمي بلغ ۱۱.۹٪، وسط تضارب الأرقام الحكومية الذي يعكس عجز النظام عن إخفاء عمق الانهيار. وبسبب شح السيولة والتقلبات النقدية والمنافسة غير المتكافئة مع الاستيراد الريعي، تجد المؤسسات الإنتاجية المستقلة نفسها مرغمة على التصفية، ليدفع العمال الثمن المباشر فقراً وتشريداً وفقداناً للأمان الوظيفي.
انسداد أفق الإصلاح في ظل بنية الاستبداد
وفقاً لقوانين الاقتصاد السياسي المؤسسي، يتسم الفساد في النظم الاستبدادية بطبيعة بنيوية تجعل من أي حديث عن «الإصلاح من الداخل» ضرباً من الوهم، وذلك للاعتبارات التالية:
- هيمنة المؤسسات الاستخراجية: تسيطر مؤسسات الحرس والهيئات الخاضعة لإشراف النواة الصلبة للسلطة على كافة مفاصل إنتاج وتوزيع الثروة (النفط، والبتروكيماويات، والمناجم، ومنافذ الجمارك والعملة الصعبة)، مما يقوض أي فرصة للتوزيع العادل للموارد.
- غياب الفصل بين السلطات وسيادة الحصانة: لا تمثل الأجهزة القضائية والرقابية سلطة مستقلة، بل هي أذرع وظيفية داخل النظام؛ ومن ثم فإن إثارة ملفات الفساد لا تعدو كونها تصفية حسابات دورية بين أجنحة السلطة المتصارعة على اقتسام الغنائم.
- خنق المجتمع المدني وتكميم الإعلام: يفرض النظام رقابة صارمة، ويقمع الصحافة الاستقصائية والنقابات العمالية المستقلة، لقطع الطريق أمام أي رقابة شعبية ومواصلة النهب دون حسيب أو رقيب.
تقريرٌ رسمي يفضح سقوط 63 مليون إيراني تحت خط الفقر وعجز الأجور عن تغطية نفقات 8 أيام
كشفت صحيفة «ابتكار» الحكومية عن قفز التكلفة الشهرية لسلة المعيشة الأساسية للأسرة إلى 90 مليون تومان، ما أدى إلى انزلاق أكثر من 63 مليون مواطن (نحو 70% من السكان) تحت خط الفقر، في ظل انهيار القدرة الشرائية للطبقة العاملة بحيث لم تعد الأجور تكفي لتغطية أكثر من ثمانية أيام في الشهر، وسط تسخير موارد البلاد لتمويل مافيات حرس النظام وأجهزة القمع والمغامرات الخارجية على حساب لقمة عيش الكادحين.
حتمية المواجهة والانتقال الديمقراطي
إن الفساد الممنهج والتضخم وتفاقم الفقر ليست أخطاء عابرة، بل هي الإفراز الطبيعي والثمن الحتمي لبقاء هذه الديكتاتورية. وقد أثبتت التجارب التاريخية للشعوب أن منظومة حكم فاسدة واستبدادية لن تتخلى طوعاً عن مصالحها، ولن تتراجع عبر النصائح الفنية أو أوهام الترقيع الإصلاحي؛ إذ إن الشفافية والمساءلة تعنيان حكماً تفكيك القواعد المادية والسياسية التي يرتكز عليها بقاء النظام.
وعليه، فإن كسر حلقة الإفقار المستدامة ووقف استباحة المقدرات الوطنية واستعادة حقوق العمال والمواطنين، لا يمر عبر سراب الإصلاح، بل يتطلب تنظيماً جماهيرياً، وتضامناً اجتماعياً، ومواجهة شاملة لإسقاط هذا النظام وإقامة دولة ديمقراطية مدنية تحكمها سيادة القانون والمساءلة. إن تفكيك هذه البنية الاستبدادية برمتها هو السبيل الحصري لتحرير ثروات البلاد من قبضة العصابات الحاكمة ووضعها في خدمة التنمية والعدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان.
- فضيحة الـ ۶ مليارات دولار: مرآة الفساد الهيكلي وحصاد الفقر في شوارع إيران

- أزمةُ الكهرباء في إيران تتحول إلى نزيف اقتصادي يعطل الصناعة ويحرق ممتلكات المواطنين

- تقريرٌ رسمي يفضح سقوط 63 مليون إيراني تحت خط الفقر وعجز الأجور عن تغطية نفقات 8 أيام

- تكريمُ محافظ البنك المركزي بعد سحق العملة الوطنية.. استهتارٌ رسمي بجوع 60% من الإيرانيين

- خصخصةُ التعليم وتكريسُ الطبقية في إيران يحرمان 94% من أبناء الكادحين من مقاعد الجامعات الحكومية

- مركز الإحصاء الإيراني: قفزة بنسبة 127.5% في أسعار الأغذية والتضخم الشهري يواصل الارتفاع


