الرئيسيةأخبار إيرانأزمة السكن في إيران: نهبٌ منظم يبتلع سوقَ الإسكان

أزمة السكن في إيران: نهبٌ منظم يبتلع سوقَ الإسكان

2Shares

أزمة السكن في إيران: نهبٌ منظم يبتلع سوقَ الإسكان

تحول السكن في إيران تحت وطأة حكم الولي الفقيه من حق إنساني أصيل وحاجة معيشية لا غنى عنها إلى أداة للمضاربة العقارية وتكديس الأرباح الريعية لصالح مافيات السلطة وأجهزة حرس النظام الإيراني. وفي مشهد يفضح الإفلاس الهيكلي لمنظومة الحكم وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، أطلقت بلدية طهران ما يُعرف بمشروع «شراء السكن بالسنتمتر» تحت عنوان «خانه‌ريز» (أي تجزئة الملكية إلى حصص مجهرية تبلغ 0.01 متر مربع)؛ وهو ما يمثل وثيقة إدانة رسمية لتبخر القيمة الحقيقية للعملة الوطنية، وتحويلاً فجاً لوحدة قياس الفقر العام، ومحاولة لمصادرة المدخرات البسيطة للطبقات المسحوقة لتغطية العجز المالي لمؤسسات الدولة بدلاً من الوفاء بتعهدات تأمين مأوى كريم للمواطنين.

تقريرٌ رسمي يفضح سقوط 63 مليون إيراني تحت خط الفقر وعجز الأجور عن تغطية نفقات 8 أيام

كشفت صحيفة «ابتكار» الحكومية عن قفز التكلفة الشهرية لسلة المعيشة الأساسية للأسرة إلى 90 مليون تومان، ما أدى إلى انزلاق أكثر من 63 مليون مواطن (نحو 70% من السكان) تحت خط الفقر، في ظل انهيار القدرة الشرائية للطبقة العاملة بحيث لم تعد الأجور تكفي لتغطية أكثر من ثمانية أيام في الشهر، وسط تسخير موارد البلاد لتمويل مافيات حرس النظام وأجهزة القمع والمغامرات الخارجية على حساب لقمة عيش الكادحين.

ركودٌ تضخمي وانهيار القدرة الشرائية للمستأجرين

يعيش قطاع الإسكان في إيران أزمة مركبة تجمع بين الركود الحاد والقفزات التضخمية الفلكية؛ فبينما سجلت معدلات التضخم العام في تقارير البنك الدولي نحو 42.2% مع انكماش اقتصادي بلغ سالب 2.8%، قفز متوسط سعر المتر المربع في العاصمة طهران إلى مستويات قياسية تراوحت بين 110 و125 مليون تومان.

وقد أدى هذا الارتفاع الجنوني، بالتوازي مع سقوط الريال الإيراني، إلى عجز تام لدى الأسر عن شراء المساكن أو حتى تحمل كلفة الإيجارات المتصاعدة؛ حيث يستنزف الإيجار الشهري القسم الأكبر من دخل العامل والموظف، مما يحرم الأسر من القدرة على الادخار ويدفع بمئات الآلاف قسراً نحو العشوائيات وهوامش المدن في ظل غياب أي نظام مصرفي ائتماني يدعم الفئات محدودة الدخل.

خدعةُ البيع بالسنتمتر.. نهبُ المدخرات وتفريغ التزامات الدولة

في محاولة للالتفاف على العجز عن توفير مساكن ميسرة، طرحت بلدية طهران مشروع خانه‌ريز لجمع رؤوس الأموال الصغيرة بحجة إشراك المواطنين في مشاريع التطوير العقاري. وبموجب هذا المخطط، تعادل كل حصة خانه‌ريز جزءاً من مئة من المتر المربع (0.01 متر مربع)، وهو ما طُبق كأول نموذج في مشروع فجر بشارع كاشاني بطهران (المؤلف من 9 طوابق و54 وحدة سكنية)، بحد أدنى للدخول يبلغ نحو 2.19 مليون تومان وسقف شراء محدد بـ 100 حصة (متر مربع واحد) لكل رقم وطني.

وتكشف تفاصيل هذا المشروع أن شراء هذه الأجزاء المجهرية لا يمنح المشتري أي حق عيني في امتلاك شقة أو حتى غرفة، بل يقتصر على مجرد مشاركة مالية عالية المخاطر؛ مما يثبت أن بلدية النظام تروّج لـ أداة مضاربة واستنزاف للمدخرات كبديل عن سياسات تأمين السكن، في تنصل تام من مسؤولية الدولة الدستورية في توفير المأوى لمواطنيها.

كارتيلاتُ السلطة ومافيات حرس النظام: من المستفيد؟

يؤكد تقليص وحدة قياس العقار من المتر إلى السنتيمتر أن قطاع الإسكان قد جُرد بالكامل من وظيفته الاجتماعية والتنموية ليعمل كآلية احتكارية تخدم كارتيلات حرس النظام الإيراني والشركات القابضة التابعة للمؤسسات الدينية والسيادية؛ فهذه الجهات هي المستفيد الحقيقي من استمرار تضخم الأصول العقارية واحتكار الأراضي والمواد الإنشائية.

وفضلاً عن ذلك، تواجه المزاعم الرسمية حول إمكانية تسييل الاستثمار خلال 72 ساعة وتعويض الخسائر شكوكاً قانونية واقتصادية بالغة؛ إذ إن انعدام الشفافية في التسعير وغياب الرقابة المستقلة يجعلان المدخرين الصغار عرضة لخسائر فادحة عند أول تعثر في المشاريع، مما يحول السكن بالسنتمتر إلى مقامرة مالية تُرحّل مخاطر إفلاس الأجهزة الحكومية إلى كاهل الفقراء والمحرومين.

تكريمُ محافظ البنك المركزي بعد سحق العملة الوطنية.. استهتارٌ رسمي بجوع 60% من الإيرانيين

احتفى الرئيس مسعود بزشكيان بمحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي، ومنحه درع «الجهاز النموذجي» ووسام «عضد الفتح» تقديراً لما سُمي بـ«حسن إدارة الأزمة الاقتصادية خلال الحرب»، في مشهد يمثل بحسب مراقبين صفعة لمشاعر ملايين المحرومين، إذ لا تكافئ المنظومة الحاكمة مسؤوليها على خدمة المجتمع، بل تمنح الأوسمة لمن أجادوا تدمير العملة الوطنية وتحويل ريع الدولة لتمويل آلة القمع والحروب الخارجية.

انسدادُ أفق الترقيع المالي وحتمية الانفجار

تُبرهن المؤشرات الاقتصادية على أن الأدوات المالية المصطنعة لن تنجح في حل أزمة السكن المتفاقمة، بل ستخلق أسواقاً موازية للدلالين والمضاربين تنتهي بموجات تعثر وانهيار للثقة العامة. إن تسليع أجزاء المتر المربع المجهرية يعكس عجز النظام الهيكلي عن كبح التضخم وتوليد فرص عمل منتجة، ويفضح توجيه مقدرات البلاد نحو التسلح ودعم الميليشيات الخارجية وأجهزة القمع الداخلي بدلاً من تخصيصها للبنية التحتية والرفاه الاجتماعي.

تُجسد مهزلة شراء السكن بالسنتمتر ذروة الاستهتار بكرامة الشعب الإيراني الذي يقطن فوق ثاني أضخم احتياطي للغاز ورابع احتياطي للنفط في العالم؛ إذ تبرهن الوقائع على أن أزمة السكن ليست عجزاً جغرافياً أو تقنياً، بل هي ثمرة مباشرة للنهب المنظم واحتكار مافيات حرس النظام الإيراني للثروات الوطنية. إن اختزال حق الإنسان في المأوى إلى مضاربات سنتمترية يؤكد وصول الفاشية المتسترة بعباءة الدين إلى أفق مسدود، مبيناً أن استعادة الكرامة وتأمين العدالة الاجتماعية يبدآن حصراً بإسقاط سلطة الولي الفقيه وتأسيس جمهورية ديمقراطية تضع مقدرات الوطن في خدمة عيش كريم وحر لكافة أبناء الشعب.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة