تآكلُ ورقة الابتزاز البحري يضع نظامَ طهران أمام مأزق الاختناق المالي وتخبط مراكز القرار
تحول مضيق هرمز من ساحة للمناورات والابتزاز الخارجي إلى خط صدع وانقسام استراتيجي عميق داخل أروقة الحكم في طهران؛ حيث تفجرت الخلافات بين أجنحة السلطة حول توقيت وآلية مقايضة ورقة التهديد البحري بانتزاع تنازلات وتخفيف العقوبات الاقتصادية الأمريكية. فبينما تضغط حكومة مسعود بزشكيان ورموز في المعسكر المحافظ نحو اتفاق مرحلي يتيح إعادة فتح الملاحة بشكل تدريجي خشية تآكل قيمة هذه الورقة مع استئناف تدفقات النفط الدولية، يصر الجناح المتشدد الممثل في صحيفة «كيهان» على أن أي تفاوض تحت وطأة الحصار يمثل تدميراً لمنظومة الردع واستسلاماً مجانياً، في حين تحاول أجهزة حرس النظام الإيراني عبر صحيفة «جوان» المناورة تحت لافتة التفاوض من موقع قوة؛ مما يعكس حالة التخبط والذعر التي تعيشها سلطة الولي الفقيه أمام استمرار تجفيف عوائدها النفطية وعجزها عن كسر طوق العزلة.
صراع الأجنحة وفراغ السلطة: تصدع ركيزة الولي الفقيه يشل هرم الحكم في طهران
يكشف احتدام الصراع الداخلي بين أجنحة الحكم في طهران عن أزمة بنيوية عميقة تتجاوز التباين في وجهات النظر السياسية لتصل إلى صراع وجودي حول إدارة السلطة في ظل فراغ قيادي غير مسبوق، وسط تآكل هيبة الولي الفقيه وتصاعد الضغوط الاقتصادية. ومع عجز مسؤولي النظام عن تبرير سياسات التجويع وارتفاع التضخم أمام الشارع المشتعل، تخرج الخلافات الحادة إلى العلن لتكشف حالة الشلل التام التي تصيب أعلى هيئات التنسيق الأمني والسياسي.
تآكل ورقة الابتزاز ومخاوف نفاد الوقت لدى الجناح الحكومي
يتبنى الفريق الحكومي وقطاع من المحافظين، بمن فيهم وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، توجهاً براغماتياً يرى في السيطرة على حركة الملاحة بمضيق هرمز ورقة مساومة مؤقتة يجب تحويلها سريعاً إلى مكاسب ملموسة لرفع العقوبات، والعودة إلى التفاهمات الدبلوماسية كتفاهم إسلام آباد.
ويستند هذا الجناح إلى تحذيرات خبراء وأكاديميين، من بينهم ساسان كريمي، أستاذ جامعة طهران، الذي نبه إلى أن قيمة ورقة هرمز ليست دائمة، محذراً من أن «أي تأخير في ترجمة هذه الورقة التفاوضية إلى مصالح اقتصادية سيحولها إلى عبء عكسي على النظام». وفي ظل المعطيات التي أوردتها صحيفة «توسعه إيراني» حول بدء استئناف تدفقات النفط لبعض الدول عبر الممر المائي دون أن يقابله أي انفراج في عوائد طهران، بات هذا التيار يرى أن الإبقاء على الإغلاق يعزل النظام ويحرمه من بيع نفطه، مما يجعل الفتح التدريجي والمشروط للمضيق خياراً اضطرارياً لحماية ما تبقى من الشريان المالي للبلاد.
«كيهان» تهاجم دعاة الدبلوماسية وتطالب بتصعيد التهديد
في المقابل، يرفض الجناح المتشدد الذي تعبر عنه صحيفة «كيهان» هذا المنطق جملة وتفصيلاً، معتبراً أن الحزم العقابية الجديدة والوساطات الدبلوماسية وجهان لعملة واحدة في استراتيجية الضغط الأمريكية؛ حيث ترى الصحيفة أن اللجوء إلى التهدئة في هذه اللحظة سيبدد المكتسبات التي دُفع ثمنها في الحرب ويدفع واشنطن للمطالبة بمزيد من التنازلات.
وشنت «كيهان» هجوماً لاذعاً على تيار التفاوض قائلة: «إن أكثر الإجراءات السياسية تدميراً هي خفض الجاهزية أمام تهديدات العدو والحديث عن الدبلوماسية والتفاوض معه»، مشددة على أن الرد الوحيد يجب أن يكون عبر تصعيد ملموس وميداني يرفع كلفة الحصار على الخصوم، مما يعكس هوة الخلاف العقائدي والسياسي بين من يرى في هرمز وسيلة لإنقاذ الاقتصاد ومن يعتبره سلاحاً لمواصلة نهج المواجهة الانتحارية.
مناورات حرس النظام ومحاولة الاستثمار في الردع المزعوم
تطرح صحيفة «جوان»، التابعة لـ حرس النظام الإيراني، مقاربة ثالثة تحاول المزاوجة بين الخطاب العسكري واستثمار نتائجه سياسياً؛ إذ تروج لفكرة أن واشنطن عجزت عن فرض خياراتها عسكرياً وباتت تصطدم بواقع الردع الإيراني. غير أن هذا التوصيف لا يقود في حسابات الحرس إلى القطيعة التامة، بل يُستخدم كغطاء لخوض مفاوضات مشروطة تحت لافتة القوة.
ويتقاطع هذا الطرح مع الموقف الذي أعلنه محسن رضائي، القائم على فرض خطوات عملية مسبقة على الولايات المتحدة قبل اتخاذ أي قرار بشأن إعادة فتح المضيق؛ مما يبرز رغبة قيادات الحرس في مقايضة التهديدات العسكرية بضمانات أمنية ومالية تحمي شبكات تهريب النفط والمؤسسات الاقتصادية التابعة لها.
صراع النفوذ وتصدع الأجهزة: من يصنع القرارات ومن ينفذها داخل نظام الولي الفقيه؟
عقب التطورات العسكرية الأخيرة ومقتل علي خامنئي، يواجه نظام الولي الفقيه مرحلة إعادة تشكيل جذرية لهرم السلطة وآليات صنع القرار الأمني، بعدما كشفت تداعيات المرحلة السابقة عن ثغرات عميقة في منظومة الحماية والتنسيق الاستخباري. وفي خضم الخلافات المحتدمة داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، يسعى الولي الفقيه الجديد، مجتبى خامنئي، إلى إرساء منظومة أمنية جديدة لإحكام قبضته عبر إعادة توزيع الأدوار بين دائرة صنع القرار وآليات التنسيق والأجهزة القمعية.
معضلة الولي الفقيه بين الاختناق المالي وشبح الانفجار الداخلي
يكشف هذا الصراع المحتدم أن جوهر الخلاف في طهران لم يعد يدور حول مبدأ مقاومة الضغوط، بل حول سبل تفادي الانهيار الاقتصادي الوشيك؛ فاستمرار تجميد صادرات النفط وتراجع الاحتياطيات النقدية يضعان سلطة الولي الفقيه أمام حقيقة ساطعة مفادها أن التلويح بإغلاق الممرات المائية لم يفلح في فك الحصار المالي. إن العجز عن بلورة قرار موحد بين التراجع الدبلوماسي والمغامرة العسكرية يعكس شللاً بنيوياً في مراكز القرار، في وقت يقف فيه الشارع الإيراني المسحوق بالغلاء والفقر متربصاً بأي هزة جديدة لإشعال انتفاضة شعبية تقتلع منظومة الفاشية المتسترة بعباءة الدين من جذورها.
يفضح الصراع المحتدم حول ورقة مضيق هرمز عجز نظام الولي الفقيه عن إدارة تداعيات عزلته الدولية وأزماته المالية الخانقة؛ إذ تبرهن الخلافات بين حكومة بزشكيان وأبواق «كيهان» ومافيات حرس النظام على أن سياسات الابتزاز البحري وصلت إلى طريق مسدود ولم تعد قادرة على تعويض خسائر الحصار أو منع تآكل العملة الوطنية. إن تخبط أجنحة الحكم بين وهم الردع واستجداء تخفيف العقوبات يؤكد أن المنظومة الاستبدادية باتت محاصرة داخلياً وخارجياً، وأن أي مغامرة أو تراجع لن ينقذا الفاشية المتسترة بعباءة الدين من مصيرها المحتوم أمام إرادة الشعب الإيراني المصمم على التغيير الجذري واستعادة سيادة وطنه.
- تآكلُ ورقة الابتزاز البحري يضع نظامَ طهران أمام مأزق الاختناق المالي وتخبط مراكز القرار

- من انقلاب 1953 إلى تحالف جورج تاون: البدائلُ المصطنعة تنهار أمام غياب الجذور الشعبية

- أزمةُ الكهرباء في إيران تتحول إلى نزيف اقتصادي يعطل الصناعة ويحرق ممتلكات المواطنين

- أزمة الوقود في إيران: بزشكيان يقر بـ«ظروف الحرب» وتوجه لمضاعفة الأسعار وسط مخاوف الانفجار

- 60 عملية جريئة ضد قواعد قوات الحرس والباسيج ومراكز قمع أخرى في طهران و30 مدينة أخرى

- خصخصةُ التعليم وتكريسُ الطبقية في إيران يحرمان 94% من أبناء الكادحين من مقاعد الجامعات الحكومية


