سرقة القرن في إيران: كيف اختطف خميني ثورة الشعب ضد الشاه؟
يمثل التاريخ المعاصر لإيران صراعاً متواصلاً بين تطلعات الشعب إلى الحرية والديمقراطية وبين أنظمة الاستبداد التي حكمت البلاد. ولم تكن ثورة عام 1979 حدثاً مفاجئاً أو معزولاً عن سياقه التاريخي، بل جاءت امتداداً لمسيرة طويلة من النضال بدأت مع الثورة الدستورية، مروراً بحركات ميرزا كوچك خان، والشيخ محمد خياباني، والعقيد محمد تقي خان بيسيان، ثم الحركة الوطنية بقيادة الدكتور محمد مصدق، وصولاً إلى نضالات القوى السياسية المعارضة ضد نظام الشاه.
غير أن إحدى أكبر المفارقات في التاريخ الإيراني الحديث تمثلت في أن روح الله خميني، الذي لم يكن جزءاً من هذا المسار النضالي من أجل الديمقراطية والحريات السياسية، استطاع في النهاية أن يعتلي سدة الحكم ويستحوذ على ثمار الثورة. ومن هنا يطرح سؤال جوهري: كيف تمكن خميني من الاستيلاء على ثورة دفعت أجيال من الإيرانيين أثمانها من دمائهم وحرياتهم؟
جذور التيار الديني المحافظ
يرى كثير من الباحثين أن التيار الديني الذي قاده خميني لم يكن امتداداً للحركات الديمقراطية والوطنية في إيران، بل كان امتداداً لتيارات دينية وقفت في مراحل مختلفة من التاريخ ضد مشاريع التحديث والدستور والحكم الشعبي. فمنذ الثورة الدستورية برزت شخصيات دينية عارضت إقامة نظام دستوري حديث، كما شهدت مرحلة الحركة الوطنية خلافات حادة بين بعض رجال الدين وبين مشروع مصدق الوطني.
ومن هذا المنظور، لم يكن خميني وحلفاؤه أصحاب مشروع ديمقراطي قائم على سيادة الشعب والتعددية السياسية، بل كانوا يحملون رؤية مختلفة للحكم تستند إلى ولاية الفقيه والسلطة الدينية المطلقة.
دور نظام الشاه في تمهيد الطريق
تكشف التجربة التاريخية أن نظام الشاه لعب دوراً أساسياً في تهيئة الظروف لصعود خميني. فقد أدى القمع الواسع للأحزاب السياسية والقوى الوطنية واليسارية والديمقراطية إلى إضعاف أو تدمير معظم البدائل السياسية المنظمة.
وفي الوقت الذي تعرضت فيه التنظيمات السياسية للملاحقة والسجن والإعدام، بقيت شبكة المساجد والمؤسسات الدينية تحتفظ بقدرتها على التواصل والتنظيم والتأثير الاجتماعي. وعندما اندلعت الثورة، كانت هذه الشبكة الأكثر جاهزية للاستفادة من الفراغ السياسي الذي خلفه انهيار النظام الملكي.
وهكذا وجد خميني أمامه بنية تنظيمية واسعة مكنته من التحرك بسرعة وفرض هيمنته على المشهد السياسي بعد سقوط الشاه.
من إسقاط نظام الشاه إلى إقامة حكم استبدادي جديد
بعد وصوله إلى السلطة، لم يؤسس خميني نظاماً ديمقراطياً يحقق شعارات الحرية التي رفعتها الجماهير خلال الثورة، بل أقام نظاماً قائماً على احتكار السلطة وإقصاء الخصوم السياسيين.
وخلال سنوات قليلة، دخل النظام الجديد في مواجهة مع معظم القوى السياسية التي شاركت في إسقاط الشاه، وتعرض آلاف المعارضين للاعتقال والإعدام. وشهدت الثمانينيات واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ إيران الحديث، بلغت ذروتها في الإعدامات الجماعية التي استهدفت السجناء السياسيين عام 1988.
ويرى منتقدو النظام أن الجمهورية الإسلامية لم تُنهِ الاستبداد الذي كان قائماً في عهد الشاه، بل أعادت إنتاجه بصيغة جديدة وبأدوات أكثر شمولاً واتساعاً.
صراع مستمر من أجل الحرية
إن الجدل حول ثورة 1979 وما تلاها لا يزال حاضراً بقوة في الحياة السياسية الإيرانية. فبالنسبة لكثير من الإيرانيين، لم تنتهِ معركة الحرية والديمقراطية بسقوط نظام الشاه، بل استمرت في مواجهة النظام الذي تأسس بعد الثورة.
ومن هذا المنطلق، يرى أنصار التغيير الديمقراطي أن مستقبل إيران لا يكمن في العودة إلى استبداد نظام الشاه ولا في استمرار الحكم الديني، بل في إقامة نظام جمهوري ديمقراطي يقوم على سيادة الشعب والتعددية السياسية واحترام حقوق الإنسان.
وبعد أكثر من أربعة عقود على الثورة، ما زال السؤال نفسه مطروحاً: كيف يمكن للإيرانيين أن يحققوا الأهداف التي خرجوا من أجلها إلى الشوارع عام 1979، والمتمثلة في الحرية والعدالة والكرامة الوطنية؟ ويبقى الجواب، بالنسبة لكثيرين، في استمرار النضال من أجل بناء دولة ديمقراطية حديثة تنهي إرث الاستبداد بجميع أشكاله.

