الرئيسيةمقالاتحديث اليومنظام الملالي في مأزقه التاريخي

نظام الملالي في مأزقه التاريخي

0Shares

نظام الملالي في مأزقه التاريخي

يدخل نظام الملالي اليوم واحدة من أخطر مراحله منذ تأسيسه قبل أكثر من أربعة عقود. فالأزمة التي يواجهها لم تعد مجرد أزمة اقتصادية أو سياسية عابرة، بل تحولت إلى مأزق تاريخي شامل: نظام عاجز عن العودة إلى ما قبل الانتفاضات الشعبية، وفي الوقت نفسه غير قادر على التقدم نحو أي أفق جديد يضمن استقراره وبقاءه.

هذا هو جوهر المعادلة التي عبّرت عنها السيدة مريم رجوي حين أكدت أن نظام الملالي “وقع في فخ وضع لا يمكنه فيه العودة إلى ما قبل الانتفاضة ومجازر شهر يناير، ولا يمتلك طريقاً للمضي قدماً”. فالنظام الذي اعتمد لعقود على القمع والخوف والتوسع الإقليمي، يواجه اليوم مجتمعاً مختلفاً، أكثر غضباً وأقل خوفاً، بينما تتآكل في المقابل أدوات السيطرة التقليدية التي حافظت على بقائه سنوات طويلة.

ولهذا السبب تحديداً، صعّد النظام حربه ضد الشعب الإيراني. فالاعتقالات الواسعة، والقطع الطويل للإنترنت، والتفتيشات الأمنية في الشوارع، والتوسع في الإعدامات السياسية، ليست مؤشرات قوة، بل تعبير واضح عن خوف السلطة من مجتمع يغلي تحت سطح القمع. لقد حاول النظام تحويل أجواء الحرب والأزمات الإقليمية إلى فرصة لإعادة فرض السيطرة الداخلية، فحوّل السجون إلى ساحات تصفية دموية، واستخدم “استراتيجية حبل المشنقة” كوسيلة لترهيب المجتمع ومنع انفجار الغضب الشعبي.

لكن التجارب التاريخية تؤكد أن الأنظمة التي تصل إلى مرحلة الاعتماد المفرط على الإعدام والقمع العاري تكون غالباً قد دخلت مرحلة التآكل الداخلي العميق. فحين يصبح البقاء مرهوناً بالخوف وحده، فإن أي شرارة سياسية أو اجتماعية قد تتحول إلى لحظة انفجار واسعة يصعب احتواؤها.

وفي خضم هذا المشهد، تطرح المقاومة الإيرانية نفسها بوصفها مشروعاً سياسياً بديلاً، لا يكتفي برفض النظام، بل يقدم تصوراً واضحاً لمستقبل إيران. ومن هنا جاءت دعوة رجوي إلى تضامن جميع القوى المؤمنة بإسقاط النظام وإقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن الدولة، باعتبار أن معركة الإيرانيين اليوم ليست مجرد صراع على السلطة، بل صراع على طبيعة الدولة ومستقبل المجتمع.

إن أهمية هذا الطرح تكمن أيضاً في رفضه الواضح لكل من الاستبداد المغطی بالدین واستبداد الشاه معاً. فالمقاومة الإيرانية تؤكد أن مستقبل إيران لا يمكن أن يكون عودة إلى الماضي، سواء تحت عباءة ولاية الفقيه أو تحت رموز ديكتاتورية الشاه. ولهذا جاءت كلمات رجوي حاسمة: “إيران لن تبقى تحت حكم النظام الكهنوتي، ولن تعود إلى حكم ديكتاتورية الشاه”. إنها محاولة لرسم طريق ثالث عنوانه الحرية والجمهورية الديمقراطية.

وفي المقابل، توجه المقاومة انتقاداً مزدوجاً للقوى التي ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إطالة عمر النظام؛ سواء عبر سياسات الاسترضاء الدولية التي راهنت طويلاً على إمكانية “ترويض” النظام، أو عبر بعض القوى التي حاولت استثمار جرائم السلطة لبناء مشاريع سلطوية بديلة تعيد إنتاج الاستبداد بصيغ مختلفة.

إن الرسالة الأساسية التي يحملها خطاب المقاومة الإيرانية اليوم هي أن التغيير الحقيقي لن يأتي من الخارج، ولا من الانهيار التلقائي للنظام، بل من الشعب الإيراني نفسه، عبر الانتفاضة المنظمة والمقاومة المستمرة. فالتاريخ، كما تؤكد التجربة الإيرانية، لا يتغير بالانتظار، بل بالفعل الشعبي القادر على كسر بنية القمع وفرض معادلة جديدة.

وفي هذا السياق، تكتسب دعوة رجوي المجتمع الدولي للاعتراف بحق الشعب الإيراني في مقاومة النظام أهمية خاصة. فالقضية لم تعد مجرد شأن داخلي، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالأمن والاستقرار الإقليميين، في ظل دور النظام في إشعال الصراعات وتصدير الأزمات. ولهذا فإن دعم حرية الإنترنت، وطرد شبكات النظام الخارجية، وملاحقة قادته قضائياً بتهم الجرائم ضد الإنسانية، لم تعد مطالب سياسية فقط، بل خطوات ضرورية لحماية حقوق الشعب الإيراني ووقف دورة العنف التي يغذيها النظام.

وفي النهاية، فإن ما يميز المشروع الذي تطرحه المقاومة الإيرانية هو أنه لا يرفع فقط شعار إسقاط النظام، بل يقدم تصوراً متكاملاً لإيران المستقبل: دولة تقوم على صندوق الاقتراع، والتعددية السياسية، والمشاركة المتساوية للمرأة، والحكم الذاتي للمكونات الوطنية، وفصل الدين عن الدولة.

إنها معركة بين مشروعين متناقضين: مشروع يقوم على القمع والحروب والإعدامات، ومشروع يسعى إلى بناء دولة الحرية والمواطنة. وفي ظل التصدعات المتزايدة داخل النظام، واتساع الهوة بين السلطة والمجتمع، يبدو أن إيران تقف بالفعل أمام لحظة تاريخية قد تحدد شكل مستقبلها لعقود قادمة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة