لماذا تخشى طهران وحدات المقاومة أكثر من الحرب؟
في خضم الضجيج المتصاعد حول الحروب الإقليمية والتوترات الخارجية، يبدو أن السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه ليس ما الذي تخشاه طهران خارج حدودها، بل ما الذي يرعبها في الداخل. فبينما ترفع السلطة خطاب المواجهة مع الخارج، تكشف ممارساتها اليومية أن خوفها الأكبر يتجه نحو المجتمع الإيراني نفسه، وبشكل خاص نحو وحدات المقاومة التي باتت تمثل تحديا مباشرا لأسس حكمها.
ليست هذه مجرد قراءة سياسية، بل حقيقة تؤكدها سلوكيات النظام. فالتواجد الأمني المكثف في الشوارع، خاصة خلال الليل، والتصريحات المتكررة لمسؤوليه حول «الخلايا المنظمة»، كلها تعكس حالة قلق عميقة من تحركات داخلية لا يمكن السيطرة عليها بسهولة. إن السلطة، حين تبرر انتشارها الأمني بالخوف من تحركات شعبية منظمة، فإنها تعترف ضمنيا بأن الخطر الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل من الداخل.
لقد حاول النظام، عبر موجات متتالية من الإعدامات والقمع، كسر هذه المعادلة. لكن ما حدث كان العكس تماما. فبدلا من إخماد جذوة الرفض، تحولت هذه السياسات إلى دليل إضافي على عمق الأزمة. الإعدامات لم تعد مجرد وسيلة للردع، بل أصبحت تعبيرا عن خوف من المستقبل، من جيل لم يعد يقبل بمنطق الخضوع.
في هذا السياق، تبرز وحدات المقاومة كظاهرة تتجاوز بعدها التنظيمي. إنها نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإخفاقات السياسية: وعود إصلاح لم تتحقق، مسارات تفاوض لم تؤد إلى تغيير، واحتجاجات سلمية جرى احتواؤها بالقوة. كل ذلك أدى إلى إعادة تعريف أدوات المواجهة داخل المجتمع، بحيث لم يعد الرهان على التغيير التدريجي كافيا.
وما يميز هذه الوحدات ليس فقط قدرتها على التحرك في بيئة شديدة القمع، بل رمزيتها أيضا. فهي تعكس تحولا في وعي المجتمع، من الانتظار إلى الفعل، ومن الاحتجاج إلى المبادرة. ولهذا، فإن تأثيرها يتجاوز العمليات الميدانية، ليصل إلى كسر حاجز الخوف الذي طالما اعتمد عليه النظام.
في المقابل، يحاول النظام توظيف أجواء الحرب الخارجية لتبرير سياساته الداخلية القمعية، ولإعادة إنتاج خطاب يوحد المجتمع حول تهديد خارجي. لكن هذا الخطاب يفقد فعاليته حين يكون الخطر الداخلي أكثر حضورا وتأثيرا. فالمجتمع الذي يعيش أزمات يومية، ويشهد قمعا مستمرا، لم يعد يتفاعل مع هذه السرديات كما في السابق.
وهنا تكمن المفارقة: كلما ارتفع صوت الحرب في الخارج، ازداد قلق السلطة في الداخل. فالحرب قد تُستخدم كأداة دعائية، لكنها لا تعالج جذور الأزمة. أما وحدات المقاومة، فهي تمثل تعبيرا مباشرا عن تلك الجذور، وعن أزمة شرعية لا يمكن تجاوزها بالخطاب أو بالقوة وحدها.
في النهاية، لا يُقاس خوف الأنظمة بما تعلنه، بل بما تحاول إخفاءه. وطهران، بكل وضوح، تخشى وحدات المقاومة أكثر مما تخشى الحرب. لأن الحرب قد تُدار، أما مجتمع يتحرك من الداخل، فذلك هو التحدي الذي لا يمكن احتواؤه بسهولة.






