إيران بين حرب الخارج وقمع الداخل: الشعب يدفع الثمن والنظام يحافظ على بقائه
منذ أربعة عقود، يقوم النظام الإيراني على عقيدة سياسية واضحة لا لبس فيها: “حفظ النظام أوجب الواجبات”. وفي ظل هذه العقيدة، تصبح معاناة الشعب تفصيلاً هامشياً يمكن التضحية به متى ما تطلبت مصلحة السلطة ذلك. فالحرب يمكن تحويلها إلى “نعمة”، والأزمات يمكن استثمارها، وحتى الفقر الجماعي يمكن تبريره، طالما أن النتيجة النهائية هي بقاء نظام الولي الفقيه واستمرار قبضته على المجتمع.
هذه الحقيقة لم تعد مجرد تحليل سياسي أو شعار تردده المعارضة، بل أصبحت تنعكس بشكل يومي في السياسات التي تطحن حياة الإيرانيين. ويأتي الإغلاق الشامل للإنترنت خلال الأشهر الأخيرة بوصفه أحد أكثر الأمثلة وضوحاً وقسوة على هذه المعادلة؛ إذ لم يكن القرار مجرد إجراء أمني مؤقت مرتبط بالحرب، بل كان خطوة سياسية واقتصادية دفعت ملايين الإيرانيين دفعة واحدة نحو حافة الانهيار المعيشي.
في إيران اليوم، لم يعد الإنترنت وسيلة ترف أو مساحة تواصل اجتماعي فحسب، بل تحول إلى شريان اقتصادي تعتمد عليه ملايين الأسر للبقاء. ومع ذلك، اختار النظام قطع هذا الشريان بلا تردد. ملايين العاملين في التجارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية، والإعلانات، والإعلام، والتعليم عن بعد، وجدوا أنفسهم فجأة خارج دورة العمل والدخل. وفي لحظة واحدة، تحولت حياة شريحة واسعة من المجتمع إلى حالة من الشلل الاقتصادي الكامل.
وما يزيد من خطورة الصورة أن الاعتراف بحجم الكارثة لم يعد يقتصر على الخبراء المستقلين أو الأصوات المعارضة، بل تسرب حتى إلى وسائل الإعلام التابعة للنظام نفسه. فصحيفة “جهان صنعت” الحكومية أقرت بأن ما بين 10 إلى 15 مليون إيراني يعتمدون على المنصات الرقمية لتأمين دخلهم، وأن المبيعات في بعض القطاعات انهارت بنسبة تصل إلى 70 بالمائة، فيما أصبحت آلاف الشركات مهددة بالإغلاق خلال أسابيع قليلة. هذه ليست مجرد أرقام جامدة، بل تعبير مباشر عن أسر تُسحب تدريجياً نحو الفقر والعجز واليأس.
إن أخطر ما في هذه السياسات ليس فقط آثارها الاقتصادية، بل طبيعتها المقصودة. فالنظام يدرك تماماً أن قطع الإنترنت في مجتمع يعاني أصلاً من التضخم والبطالة والعقوبات سيؤدي إلى كارثة اجتماعية، ومع ذلك مضى فيه دون تردد. والسبب بسيط: في حسابات السلطة، تبقى السيطرة الأمنية ومنع التنظيم الشعبي وتقييد تدفق المعلومات أهم بكثير من معيشة المواطنين.
وفي الوقت الذي تتسع فيه موجات التسريح والإفلاس، تواصل حكومة مسعود بزشكيان تقديم وعود غامضة بالتعويض والدعم، رغم أن الجميع، بما في ذلك الإعلام الحكومي، يعلم أن الدولة الغارقة في العجز المالي والتضخم والديون غير قادرة على الوفاء بهذه الالتزامات. إنها السياسة ذاتها التي كررها النظام لعقود: صناعة الأزمة أولاً، ثم إدارة الغضب عبر الوعود المؤقتة والشعارات الفارغة.
لقد تحولت الحرب بالنسبة للنظام إلى أداة داخلية لإعادة ضبط المجتمع تحت الضغط. فكلما اشتدت الأزمات الخارجية، ازدادت القيود في الداخل، واتسعت مساحة القمع الاقتصادي والاجتماعي. وهكذا يصبح المواطن الإيراني محاصراً بين تضخم يلتهم دخله، وإنترنت مقطوع يمنعه من العمل، وسلطة ترى في أي مساحة حرة تهديداً لبقائها.
لكن ما يبدو أكثر وضوحاً اليوم هو أن هذه المعادلة تقترب من حدودها القصوى. فمجتمع يعيش تحت هذا الكم الهائل من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن إخضاعه إلى ما لا نهاية. وبينما يواصل النظام استخدام الأزمات والحروب كوسيلة لإطالة عمره السياسي، تتراكم في المقابل عوامل انفجار اجتماعي واسع قد يتحول في أي لحظة إلى مواجهة مفتوحة بين شعب يبحث عن الكرامة والعيش والحرية، وسلطة لم تعد ترى في المجتمع سوى وقود لبقائها.






