الرئيسيةمقالاتحديث اليومالمفاوضات مع أمريكا… الصراع الذي فجّر النواة الصلبة للنظام الإيراني

المفاوضات مع أمريكا… الصراع الذي فجّر النواة الصلبة للنظام الإيراني

0Shares

المفاوضات مع أمريكا… الصراع الذي فجّر النواة الصلبة للنظام الإيراني

لم تعد المفاوضات مع الولايات المتحدة مجرد ملف دبلوماسي أو قضية تتعلق بالسياسة الخارجية للنظام الإيراني، بل تحولت إلى مرآة تعكس عمق الأزمة البنيوية التي تضرب قلب السلطة. فالقضية اليوم لا تتعلق فقط بشكل العلاقة مع واشنطن، بل بمستقبل النظام نفسه، وبالصراع المحتدم داخل النواة الصلبة التي حكمت إيران طوال العقود الماضية تحت شعارات “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”.

على مدى سبعة وأربعين عاماً، استخدم النظام هذه الشعارات لبناء شرعيته الأيديولوجية وتعبئة أتباعه وتبرير سياساته الداخلية والخارجية. غير أن لحظة الحقيقة جاءت عندما وجد نفسه مضطراً للجلوس – بشكل مباشر أو غير مباشر – إلى طاولة التفاوض مع “الشيطان الأكبر” الذي بنى جزءاً كبيراً من هويته السياسية على معاداته. وهنا تحديداً بدأت التناقضات تنفجر من الداخل.

اللافت أن الانقسام الحالي لم يعد بين ما يسمى بالإصلاحيين والمحافظين، وهي الثنائية التي استهلكها النظام طويلاً لإدارة أزماته، بل أصبح الصراع يدور داخل التيار الأصولي نفسه، وداخل الدائرة الأقرب إلى مركز السلطة. وهذا التحول يكشف أن الأزمة تجاوزت الخلافات التكتيكية المعتادة، لتصبح صراعاً على الاتجاه الاستراتيجي للنظام في مرحلة شديدة الحساسية.

التصريحات المتناقضة الصادرة خلال الأسابيع الأخيرة تعكس بوضوح هذا التصدع. فبينما يدافع إيجه‌ئي عن المفاوضات ويصف معارضيها بأنهم “جنود للعدو”، يهاجم جناح جبهة “بايداري” أي انفتاح على واشنطن باعتباره تنازلاً خطيراً قد يقود إلى “استسلام جديد”. وفي الوقت نفسه، يتبادل رجال النظام الاتهامات حول المسؤولية عن تقديم التنازلات، بينما تتصاعد الحرب الإعلامية والسياسية بين معسكر قاليباف وجناح جليلي، في مشهد يكشف فقدان الانسجام داخل المؤسسة الحاكمة.

إن أخطر ما في هذه الانقسامات أنها تأتي في لحظة فقد فيها النظام العنصر الذي كان يشكل مركز توازنه لعقود طويلة. فعلي خامنئي، رغم كل أدوات القمع التي امتلكها، كان يمثل محور السلطة الذي تُضبط حوله التوازنات الداخلية. أما اليوم، فإن مجتبى خامنئي، الذي يُطرح بوصفه الوريث المحتمل، يواجه واقعاً أكثر هشاشة وتعقيداً، في ظل غياب شخصية تمتلك الوزن السياسي والتنظيمي الذي كان يمثله رفسنجاني في المراحل السابقة.

لقد استطاع خميني، في السنوات الأخيرة من حياته، أن يحسم ملفات مصيرية أنقذت النظام مؤقتاً من الانفجار الداخلي؛ أنهى الحرب مع العراق بقبول وقف إطلاق النار، وأقصى منتظري لمنع انقسام قمة السلطة، ولجأ إلى مجزرة 1988 في محاولة للقضاء على المعارضة المنظمة داخل السجون. أما النظام اليوم، فإنه يدخل مرحلة ما بعد خامنئي بينما كل أزماته الكبرى ما تزال مفتوحة: العلاقة مع الولايات المتحدة، الملف النووي، أذرعه الإقليمية، الانهيار الاقتصادي، والأهم من ذلك كله، أزمة الخلافة نفسها.

وهذا ما يجعل المفاوضات الحالية أخطر من مجرد نقاش سياسي عابر. فهي بالنسبة إلى أجزاء واسعة من التيار الأصولي تمثل “كأس السم” الجديدة؛ أي لحظة الاعتراف بأن المشروع الذي قام عليه النظام طوال عقود وصل إلى طريق مسدود. ولهذا تبدو كل خطوة تفاوضية وكأنها تهدد التوازن الداخلي للنظام أكثر مما تهدد علاقته بالخارج.

وفي موازاة هذا الصراع، هناك متغير أكثر أهمية لا يمكن تجاهله: المجتمع الإيراني نفسه لم يعد كما كان قبل سنوات. فانتفاضات الشارع، والانهيار الاقتصادي، واتساع الهوة بين السلطة والمجتمع، كلها عوامل أضعفت قدرة النظام على إعادة إنتاج الاستقرار القديم. والأهم أن فكرة التغيير لم تعد مجرد شعار سياسي، بل تحولت إلى قوة حاضرة داخل المجتمع الإيراني.

من هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان النظام يستطيع التفاوض مع أمريكا، بل ما إذا كان يستطيع النجاة من التداعيات الداخلية لهذا التفاوض. فالنظام الذي بنى شرعيته على العداء المطلق لواشنطن يجد نفسه اليوم ممزقاً بين الحاجة إلى التفاهم مع الخارج، والخوف من أن يؤدي هذا التفاهم إلى تفجير تناقضاته الداخلية وتسريع عملية التآكل من الداخل.

ولهذا تبدو إيران اليوم أمام مرحلة مختلفة تماماً: نظام يفقد مركز توازنه التاريخي، وانقسام يتوسع داخل نواته الصلبة، ومجتمع يعيش على وقع الأزمات والاحتجاجات، بينما تقترب لحظة الحسم بشأن الاتجاه الذي ستسلكه البلاد في السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة