الحرب الحقيقية لنظام الملالي
في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بمتابعة تطورات الحرب في إيران، والحديث المتصاعد حول مضيق هرمز وتداعياته الإقليمية والدولية، تتكشف في الداخل الإيراني حقيقة أخرى أكثر قسوة وخطورة: آلة القمع لا تتوقف، بل تتسارع.
خلال الأيام الأخيرة، شهدت إيران تصعيدا غير مسبوق في وتيرة إعدام السجناء السياسيين والشبان المشاركين في انتفاضة يناير 2026. هذه الإعدامات لم تعد أحداثا متفرقة، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة تُنفذ بشكل شبه يومي، في محاولة واضحة لإعادة فرض السيطرة على مجتمع يغلي تحت السطح.
ما يجري ليس مجرد قائمة أسماء ضحايا، بل هو مؤشر دقيق على حالة الذعر التي يعيشها النظام. فالإعدامات اليوم ليست ردا على أفعال آنية، بل إجراء وقائي يستهدف المستقبل؛ محاولة لإجهاض أي احتمال لانفجار اجتماعي جديد، ومنع امتداد جذور الانتفاضة بين جيل الشباب.
في هذا السياق، تأتي عمليات إعدام مثل عامر رامش وعرفان كياني لتجسد هذه السياسة بوضوح. فالتهم المعلنة، مهما كان توصيفها، لا تخفي حقيقة أن الهدف هو الردع الجماعي وبث الرعب، لا تحقيق العدالة.
ولم يعد هذا الواقع خافيا حتى على المراقبين الدوليين. فقد أشارت وسائل إعلام غربية، من بينها صحيفة فرانكفورتر روندشاو، إلى أن النظام الإيراني يوظف أجواء الحرب لتبرير موجة الإعدامات، بل ويمضي إلى ما يمكن وصفه بـ”الإعدامات الوقائية”، بهدف تحييد أي تهديد محتمل في مرحلة ما بعد الحرب.
لكن المفارقة أن هذه السياسة، بدلا من أن تعكس قوة، تكشف عن عمق الأزمة. نظام يلجأ إلى المشانق بهذا الشكل المكثف إنما يعلن، بشكل غير مباشر، فقدانه للثقة بقدرته على السيطرة عبر الوسائل السياسية أو الاجتماعية.
إن الحرب التي يخوضها النظام ليست في جوهرها مع الخارج، بل مع الداخل؛ مع مجتمع لم يعد يقبل بالواقع القائم، ومع جيل شاب أثبت، مرارا، استعداده لتحدي السلطة مهما كانت الكلفة.
ومن هنا، فإن الإعدامات الجارية اليوم تحمل رسالة مزدوجة: محاولة لترهيب الحاضر، وخوف عميق من المستقبل. غير أن التجارب التاريخية تؤكد أن القمع، مهما بلغ، لا يستطيع إيقاف حركة التغيير.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الأوضح: يمكن للنظام أن يقتل الأفراد، لكنه لا يستطيع أن يعدم المستقبل.






