قطع الإنترنت يكبد إيران 5.2 مليار دولار.. والتضخم الهيكلي يعمق الانهيار المعيشي
كشفت صحيفة دنياي اقتصاد الحكومية الإيرانية في تقرير لها مطلع مايو عن أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة الاقتصادية الناتجة عن استمرار قطع شبكة الإنترنت في إيران. فخلال ستة وستين يوماً فقط، بلغت الخسائر الإجمالية التي تكبدها الاقتصاد الإيراني نحو خمسة مليارات ومائتي مليون دولار. هذا الرقم الضخم، الذي يعادل مئات الآلاف من المليارات بالعملة المحلية، يثبت بوضوح أن قطع الإنترنت لم يعد مجرد إجراء أمني أو فني، بل تحول إلى أحد أكثر التحديات تكلفة واستنزافاً لقطاع الاقتصاد الرقمي في البلاد.
وتتزامن هذه الخسائر الفادحة مع انهيار اقتصادي أوسع، تجلى في وصول معدلات التضخم خلال عام 2026 إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ المعاصر لإيران، حيث سجل التضخم السنوی نسبة 73% في شهر أبريل. هذا الرقم المفزع يمثل مؤشراً خطيراً على أزمة عميقة تضرب هيكل نظام ولاية الفقيه، في مشهد يعيد للأذهان فترات الانهيار الاقتصادي تحت وطأة الضغوط الخارجية وسوء الإدارة الداخلية.
ولا يعتبر التضخم في إيران ظاهرة عابرة أو أزمة مرتبطة بحكومة معينة، بل هو أزمة هيكلية متجذرة ومستنسخة عبر عقود داخل البنية الاقتصادية للنظام. وترتكز هذه الأزمة على ثلاثة أعمدة رئيسية تتمثل في الاعتماد المزمن للموازنة على العائدات النفطية، والعجز المالي الدائم، والنظام المصرفي المنهار وغير الفعال. وفي ظل هذا الهيكل الهش، فإن أي صدمة خارجية تؤدي فوراً إلى انفلات السيولة النقدية وارتفاع جنوني في الأسعار.
وما الحروب الأخيرة والتوترات السياسية إلا عوامل محفزة سرعت من وتيرة الانهيار، حيث كان التضخم مستقراً بالفعل فوق حاجز 30% لسنوات، ليدخل اليوم مرحلة جديدة وأكثر خطورة. وتكمن الخطورة الحقيقية في استدامة هذا التضخم المرتفع لأكثر من سبع سنوات متتالية، مما يثبت العجز المطلق لهيكل صنع القرار في طهران عن احتواء الأزمة، ولجوئه إلى التلاعب بالإحصائيات الرسمية لإخفاء واقع الانهيار.
وتنعكس التداعيات الكارثية لهذا التضخم بشكل مباشر ويومي على موائد الإيرانيين التي تتقلص باستمرار. فقد أدى الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية إلى مضاعفة الضغوط على الطبقات الفقيرة، مما عمق من فجوة عدم المساواة وأدى إلى التلاشي التدريجي للطبقة الوسطى. ورغم الزيادات التي طرأت على الأجور بنسبة 60%، إلا أنها عجزت تماماً عن مجاراة الارتفاع البالغ 73% في تكاليف سلة السلع والخدمات الأساسية، مما يعني انخفاضاً حقيقياً وملموساً في مستوى المعيشة. ويمتد هذا الانهيار ليشمل قطاع الرعاية الصحية، حيث تفرض أسعار الأدوية والخدمات الطبية ضغوطاً لا تُحتمل على العائلات، بالتزامن مع استعداد قطاع الإسكان لانفجار تضخمي جديد نتيجة الارتفاع الجنوني في تكاليف البناء.
وفي خضم هذا التدهور السريع، يبرز الدور المحوري للنظام السياسي في مفاقمة الأزمة. فنظام ولاية الفقيه يمنح الأولوية المطلقة لأهدافه السياسية والعسكرية على حساب الاحتياجات الاقتصادية الأساسية للمجتمع. ويؤكد الخبير الاقتصادي آرمين بهاري، استناداً إلى تقارير اقتصادية متعددة، أن التضخم في إيران تحول إلى أزمة سياسية واجتماعية طاحنة دمرت الثقة العامة. إن استمرار هذه الأزمات المتناسلة يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المشكلة لا تكمن في أدوات السياسة النقدية، بل في صلب هيكل النظام نفسه، وهو هيكل غير قادر على إيجاد الحلول، كونه المصدر الأساسي لإنتاج وتفريخ هذه الأزمات.
- البلطجة السياسية خلف واجهة أنصار الشاه.. كيف يقوض الترهيب الممنهج بديل النظام الإيراني المزعوم

- الانهيار الاقتصادي في إيران.. دمار الحرب، حجب الإنترنت، وسوق عمل يحتضر في ظل النظام الإيراني

- لم يعد بإمكان العالم تجاهل المقاومة الداخلية في إيران

- طفولة مسلحة.. كيف يحول النظام الإيراني الأطفال إلى أدوات للحرب

- إيران بين حرب الخارج وقمع الداخل: الشعب يدفع الثمن والنظام يحافظ على بقائه

- يوركشاير بايلينز: هل تنحاز أوروبا لجلادي طهران أم لإرادة الشعب الإيراني؟


