الزراعة في إيران تحت الحصار.. عقوبات، أزمة مياه، وسوء إدارة كارثي من قبل النظام الإيراني
لم تعد الزراعة في إيران مجرد قطاع اقتصادي تقليدي، بل تحولت إلى جبهة مواجهة حقيقية. وفي حين يتركز الاهتمام العالمي غالباً على النفط والجغرافيا السياسية، يدور صراع أكثر إلحاحاً عبر المزارع في جميع أنحاء البلاد، حيث يتعرض الأمن الغذائي للملايين لضغوط صامتة ولكنها مدمرة. لقد أدت العقوبات إلى تضييق الخناق على الوصول إلى المدخلات والتكنولوجيا، لكن الضغط الأعمق ينبع من الداخل؛ إذ تؤدي السياسات المائية الفاشلة وسوء الإدارة الهيكلية في ظل النظام الإيراني إلى تضخيم الصدمات الخارجية، مما يترك نظاماً يبدو مكتفياً ذاتياً على الورق، ولكنه يزداد هشاشة في الواقع.
وهم الاكتفاء الذاتي مقابل حقائق الميدان
يواصل المسؤولون الحكوميون، مثل وزير الزراعة غلام رضا نوري قزلجه، الترويج لسردية واثقة تشير إلى ارتفاع الإنتاج وتوسيع مشتريات الدولة من القمح بأسعار مضمونة. وفي السنوات الجيدة، بلغ إنتاج القمح 13 إلى 14 مليون طن، وهو ما يُستشهد به غالباً كدليل على الاقتراب من الاكتفاء الذاتي. لكن البيانات الدولية تروي قصة أكثر تعقيداً؛ حيث تُقدر منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إجمالي إنتاج الحبوب في إيران لعام 2025 بنحو 20 مليون طن، أي أقل بنسبة 10٪ من متوسط الخمس سنوات. وانخفض إنتاج القمح وحده إلى 12.5 مليون طن (بانخفاض 12٪)، بينما تراجع الأرز بنسبة 7٪ والحبوب الأخرى بنسبة تقارب 29٪.
هذا التناقض ليس إحصائياً فحسب، بل هو ملموس على أرض الواقع. فقد حذر عطاء الله هاشمي، رئيس مؤسسة مزارعي القمح الوطنية، من أن تأخر المدفوعات الحكومية للمحاصيل المسلمة يقوض حوافز المزارعين، وعندما ينتظر المزارعون أشهراً لتلقي مستحقاتهم، تتغير قرارات الإنتاج، وتتآكل معها مصداقية ادعاءات الاكتفاء الذاتي.
العقوبات: ضغط غير مباشر ولكنه حاسم
من الناحية الفنية، تُستثنى الزراعة من العقوبات المباشرة، لكن الواقع أقل تسامحاً بكثير. فقد جعلت القيود المالية، وحواجز التأمين، وتعقيدات الشحن من استيراد المدخلات الأساسية – كالأسمدة والبذور والآلات – أمراً أكثر تكلفة وأقل موثوقية. وتسلط تحليلات المجلس الأطلسي والمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (IFPRI) الضوء على كيفية تعطيل التوترات الإقليمية لسلاسل التوريد. ولا يزال الاعتماد على الواردات كبيراً، حيث تستورد إيران حوالي ثلث احتياجاتها من القمح، و90٪ من الذرة، ونصف احتياجاتها من الشعير. وما يبدو كقيد خارجي يتحول بسرعة إلى محرك للتضخم المحلي، لترتفع تكاليف الأعلاف وتنعكس مباشرة على أسعار اللحوم والدواجن.
الأزمة البيئية: عندما يأتي التهديد من الداخل
إذا كانت العقوبات تمثل الضغط المرئي، فإن التدهور البيئي هو خط الصدع الأعمق. لقد أدت سنوات من البناء العشوائي للسدود، وتحويل مسار الأنهار، والاستخراج غير المنضبط للمياه الجوفية تحت حكم النظام الكهنوتي إلى زعزعة التوازن البيئي في إيران. وقد أدى جفاف أنهار مثل زاينده رود في أصفهان إلى إشعال احتجاجات متكررة للمزارعين، في حين أدى الاستخدام المفرط للمياه الجوفية إلى ظاهرة أكثر خطورة: هبوط الأرض.
في جميع أنحاء السهول الزراعية الوسطى والشرقية، تغوص الأرض حرفياً، مما يؤدي إلى تدمير البنية التحتية، وتخريب أنظمة الري التقليدية، والتدهور الدائم للأراضي الصالحة للزراعة. وتُعد معدلات هبوط الأرض في بعض المناطق من بين أعلى المعدلات المسجلة عالمياً. إن تقلص بحيرة أورمية وتدهور الأراضي الرطبة يقدمان دليلاً إضافياً على نظام تم دفعه إلى ما هو أبعد من حدوده، في أزمة تحولت من قضية بيئية إلى أزمة اجتماعية وسياسية بامتياز.
من المزرعة إلى المائدة: سلسلة اقتصادية محطمة
أصبح الضغط في قطاع الزراعة مرئياً بالكامل في الاستهلاك العائلي. فوفقاً لبيانات منظمة (FAOSTAT)، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بالتجزئة في إيران بنحو 42٪ في أواخر عام 2025. وكانت مصادر البروتين هي الأكثر تضرراً؛ حيث شهدت اللحوم ومنتجات الألبان وزيوت الطهي زيادات حادة. ورغم أن الحكومة تنفق عشرات المليارات من الدولارات سنوياً على أسعار الصرف المدعومة للسلع الأساسية، إلا أن الفجوة بين الأسعار الرسمية وأسعار السوق قد أججت الفساد وأضعفت التأثير المرجو.
النتيجة هي حلقة تضيق باستمرار: انخفاض ربحية المنتجين، وتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، وانخفاض متزايد في استهلاك البروتين بين الأسر ذات الدخل المتوسط والمنخفض.
جراحة معقدة تحت الحصار
يقف قطاع الزراعة في إيران عند مفترق طرق حاسم. فالنظام الذي يُصوَّر غالباً على أنه قصة نجاح في الصمود، هو في الواقع يتأرجح بين القدرات المحدودة والقيود الخانقة. إن الاكتفاء الذاتي من القمح، رغم تحققه في سنوات معينة، يأتي مصحوباً بمقايضات كارثية: إجهاد بيئي، وهجرة ريفية، واستياء متزايد.
لم تعد المشكلة العميقة تتعلق بالإنتاج وحده، بل بالحوكمة: كيف تُدار المياه، وكيف تُبنى سلاسل التوريد، وما مدى الشفافية في تنفيذ السياسات. إن ما يتكشف تحت السطح ليس اضطراباً مؤقتاً، بل هو اختبار هيكلي شامل. تخضع الزراعة الإيرانية لنوع صعب من الجراحة – جراحة تُجرى تحت الحصار – وما إذا كانت ستستقر أم ستضعف أكثر، فلن يعتمد ذلك على الصدمات الخارجية فحسب، بل سيعتمد في المقام الأول على القرارات الكارثية والسياسات الداخلية.
- الزراعة في إيران تحت الحصار.. عقوبات، أزمة مياه، وسوء إدارة كارثي من قبل النظام الإيراني

- اقتصاد النظام الإيراني يغرق في أزمة خانقة وسط الحرب والحصار

- انزلاق الاقتصاد الإيراني نحو اقتصاد البقاء في ظل الركود التضخمي والانهيار الهيكلي

- حرب وعقوبات وانهيار: اقتصاد النظام الإيراني على حافة الهاوية

- رسالة السيدة مريم رجوي بمناسبة يوم العمال العالمي

- فضيحة مدوية تضرب النظام الإيراني.. عائلة خرازي تدير منصة رقمية لتمويل حرس النظام الإيراني


