نقاط التفتيش والخوف والإذلال.. آلة القمع المتوسعة لـ النظام الإيراني بعد الحرب
بعد مرور شهرين على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، والتي بلغت ذروتها بنفوق الولي الفقیة علي خامنئي، يكشف اعتماد السلطة الحاكمة على الترهيب والضغط النفسي عن حقيقة دامغة: إنها لا تتصرف من منطلق القوة، بل بدافع الخوف العميق والمتزايد من مجتمعها. لقد بدأت هذه الحرب بعد وقت قصير من حملة القمع الدموية في يناير 2026، في وقت كان فيه الغضب الشعبي في إيران قد وصل بالفعل إلى نقطة الغليان. وفي الأسابيع التي تلت ذلك، تحركت الأجهزة الأمنية بشراسة لمنع عودة الاحتجاجات الوطنية، معتمدة على استراتيجية متعددة الطبقات.
فقد نشرت السلطات أفراداً مزودين بما يُسمى بـ شرائح الاتصال البيضاء للعمل عبر منصات التواصل الاجتماعي كجزء من حرب ناعمة منسقة، وفي الوقت نفسه، نظمت تجمعات ليلية موالية للنظام وأقامت نقاط تفتيش واسعة النطاق في جميع أنحاء المراكز الحضرية.
تخدم هذه التدابير أغراضاً مختلفة ولكنها متكاملة؛ فبينما صُممت التكتيكات الأولى – الميليشيات الرقمية والتجمعات المنظمة – لاصطناع الشرعية وعكس صورة وهمية للدعم الشعبي، تبرز نقاط التفتيش كأدوات للإكراه المباشر، معتمدة على الترهيب والإذلال والمراقبة التدخلية السافرة. فعندما يُمنح مراهق في السابعة عشرة من عمره سلاحاً وصلاحية لإجبار مواطن في الستين من عمره على الخضوع لتفتيش هاتفه وسيارته، فإن الهدف يتجاوز مجرد الردع أو قمع المعارضة قبل ظهورها؛ إن الهدف الحقيقي هو الإذلال الممنهج.
ويدرك النظام الإيراني تماماً مدى عمق الاستياء الشعبي الذي يواجهه، ويرد على ذلك بمحاولة قلب هذه الديناميكية من خلال إهانة المواطنين وتحطيم كرامتهم. وقد أصبح التأثير التراكمي لهذه السياسات واضحاً بشكل متزايد، حيث أدت المسيرات الليلية – التي تشارك فيها غالباً ميليشيات مدعومة من الخارج – مقترنة بنقاط التفتيش عند كل تقاطع رئيسي تقريباً، إلى إرهاق نفسي شديد للمجتمع، وتآكل التسامح الاجتماعي، وتزايد المخاوف من أن التعرض المطول لهذه الظروف قد يؤدي إلى زعزعة الأمن العام بشكل أعمق.
في ظل هذا الرعب اليومي، باتت العائلات تنصح أبناءها وبناتها بشكل روتيني بتجنب أي شكل من أشكال المواجهة مع قوات نقاط التفتيش، خاصة مع تواتر التقارير عن اعتقالات تعسفية تُنفذ بذرائع واهية وتُصحب غالباً بعنف مفرط. وقد أفاد مستخدمون على منصة إكس بوقوع حوادث أطلقت فيها قوات هذه النقاط النار على مدنيين وسيارات، وهي روايات تتطابق مع تصريحات سابقة لقائد شرطة طهران، أحمد رضا رادان، الذي أكد صراحة في مقابلة أن قوات الأمن مخولة بإطلاق النار.
ومؤخراً، ظهرت تقارير عن إطلاق نار في نقطة تفتيش بمدينة ملارد، زُعم أن عدة مصابين نُقلوا على إثرها إلى المستشفيات القريبة، ورغم مسارعة وكالات الأنباء المحلية إلى نفي الحادثة نقلاً عن مسؤولين في إنفاذ القانون، إلا أن هذا النفي السريع يعكس نمطاً رسمياً مألوفاً لطمس الحقائق دون أي تحقيق شفاف.
ورغم هذا النفي الرسمي المتكرر، تشير روايات المواطنين إلى نمط عملياتي ثابت؛ إذ تستهدف قوات نقاط التفتيش بشكل متكرر الشباب والأشخاص ذوي البنية الجسدية القوية والمهندمين. يتعرض هؤلاء المواطنون لمعاملة مهينة، وتفتيش دقيق لهواتفهم، وعنف فوري رداً على أي شكل من أشكال الاحتجاج. هذا النمط ليس جديداً، فخلال حملة القمع في يناير، ركزت قوات الأمن التابعة لـ النظام الكهنوتي بشكل مشابه على الشباب والرياضيين، الذين شكلوا نسبة كبيرة من الشهداء. إن هذه الاستمرارية تكشف الكثير؛ فالنظام لا يتصرف برد فعل عشوائي، بل يتبع عقيدة ترهيب مدروسة تستهدف الفئات الديموغرافية التي يعتبرها مؤثرة اجتماعياً ومهددة رمزياً لبقائه. ومما لا شك فيه أن هذا الإذلال والإساءة المستمرين لا يمكن تحملهما إلى الأبد، فالصبر الشعبي له حدود، والمسار الحالي يشير إلى أن هذه الحدود تُختبر بكثافة غير مسبوقة.
يُصر مسؤولو النظام على أن هذه الإجراءات ضرورية للحفاظ على الأمن، لكنها في الممارسة العملية تكشف عن شيء أكثر جوهرية: نظام محاصر بخوف هيكلي يواجه مجتمعاً بات الآن أكثر تقلباً وقابلية للانفجار مما كان عليه حتى في يناير.
ولا يتجلى هذا الخوف الهيكلي العميق في إقامة نقاط التفتيش وممارسات الإذلال اليومية فحسب، بل يظهر بوجهه الأكثر دموية ووحشية في موجة الإعدامات المنفلتة التي أطلقها النظام الإيراني للسيطرة على المجتمع وترهيبه. فعندما ترتعد فرائص سلطة ما إلى هذا الحد من غضب شعبها ويقظته، فإنها لا تنصب أعواد المشانق لتطبيق القانون، بل تستخدمها كأداة استراتيجية وممنهجة لحقن الرعب في أوردة المجتمع، أملاً في شل ديناميكية أمة محتجة. وفي الواقع، فإن هذا التسارع الجنوني في إعدام الشباب والمعارضين لا يمثل بأي حال من الأحوال استعراضاً للقوة، بل هو صرخة يأس وتخبط أخير لنظام محاصر لم يجد، في قمة عزلته وذعره، سوى نسج حبال المشانق لحماية بقائه المترنح في مواجهة عاصفة التغيير القادمة.
ولم تؤد الظروف الاقتصادية إلا إلى تكثيف هذا الاحتقان؛ فالتضخم المنفلت، والنقص الحاد في الأدوية والخدمات الصحية، وتزايد البطالة، وانهيار الشركات، والانقطاع المستمر للإنترنت، دفعت المجتمع نحو حافة الإرهاق النفسي التام. وتحت هذا الضغط الهائل، فإن احتمال حدوث رد فعل واسع النطاق ليس مجرد تكهن، بل هو حتمية هيكلية كامنة. ويبدو أن تصرفات النظام تشير إلى أنه يفهم هذا الواقع جيداً، وكما لاحظ أحد المستخدمين على منصة إكس بوضوح صارخ: إن النظام الإيراني يخشى شعبه الغاضب والمحتج أكثر بكثير مما يخشى قنابل وصواريخ الولايات المتحدة وإسرائيل. وتلخص هذه الملاحظة حقيقة حاسمة؛ وهي أن التهديد الأكبر لبقاء هذا النظام قد لا يأتي من حرب خارجية، بل من المجتمع الذي أمضى عقوداً في محاولة قهره والسيطرة عليه.
- أليخو فيدال كوادراس: لا يجوز لأوروبا أن تظل صامتة مع تسارع وتيرة آلة الإعدام الإيرانية

- اقتصاد النظام الإيراني يغرق في أزمة خانقة وسط الحرب والحصار

- الحقيقة تحت الحصار.. حرب ورقابة وانهيار الصحافة في ظل النظام الإيراني

- كارلو تشيتشيولي: الإعدامات الجماعية تفضح افتقار النظام الإيراني لأي غطاء شرعي أو إجماع وطني

- نقاط التفتيش والخوف والإذلال.. آلة القمع المتوسعة لـ النظام الإيراني بعد الحرب

- قناة TF1 الفرنسية: تصاعد الإعدامات في إيران يفضح رعب نظام الملالي من انتفاضة شعبية جديدة


