صيف 1988 الدامي: ظل المجزرة يخيم على إيران اليوم
في صيف عام 1988، شهدت السجون في جميع أنحاء إيران واحدة من أفظع الجرائم في التاريخ الحديث، حيث أصدر خميني فتوى سرية أمر فيها بالإعدام الجماعي لآلاف السجناء السياسيين. كان العديد من هؤلاء السجناء قد اعتقلوا وحوكموا قبل سنوات، وبعضهم كان قد أنهى مدة عقوبته أو على وشك الإفراج عنه. هدفت هذه الإعدامات، التي نُفذت خارج نطاق القضاء في جميع أنحاء البلاد، إلى القضاء التام على المعارضين السياسيين و”تطهير” السجون من كل صوت معارض. كانت غالبية الضحايا من أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. واليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، عادت نذر تلك المجزرة لتظهر من جديد، حيث تتزايد المخاوف من أن النظام يستعد لتكرار جريمته، مدفوعاً بخوفه من انتفاضة شعبية عارمة.
تشريح مجزرة 1988: فتوى الموت ولجان الجلادين
لتنفيذ المرسوم، تم تشكيل ما يسمى بـ “لجان الموت” في طهران وعشرات المدن الأخرى. تألفت هذه اللجان من قضاة شرعيين ومدعين عامين وعملاء أمن، وأدارت جلسات صورية لم تستغرق سوى دقائق، دون وجود محامين أو أي إجراءات قانونية، حيث طُرح على السجناء سؤال واحد حاسم: “هل ما زلت ملتزماً بمواقفك؟”. كانت الإجابة بـ “نعم” أو حتى الصمت تعني حكماً فورياً بالإعدام. ووفقاً بالأدلة الموثقة، تم إعدام ما لا يقل عن 30 ألف سجين سياسي أو إخفاؤهم قسراً في جميع أنحاء البلاد بين أغسطس وسبتمبر 1988. دُفنت جثث الضحايا سراً في مقابر جماعية، لا يزال العديد منها مجهول الموقع حتى اليوم، وحُرمت العائلات من حقهن في الحداد أو معرفة مصير أحبائهن.
الإدانة القانونية والتستر على الجريمة
وصف البروفيسور جاويد رحمان، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران، هذه الأحداث بأنها قضية واضحة لجرائم ضد الإنسانية بل وإبادة جماعية. وفي تقريره النهائي، أحال قضية مجزرة عام 1988 إلى الأمم المتحدة كجزء من إبادة جماعية ضد أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق، مؤكداً وجود “أدلة جوهرية” على أن عمليات القتل الجماعي والتعذيب نُفذت بنية الإبادة. وفي موازاة ذلك، كشف تقرير لمنظمة العفو الدولية عام 2018، استناداً إلى صور الأقمار الصناعية وشهادات ناجين، أن سلطات النظام تعمل عمداً على تدمير هذه المقابر الجماعية من خلال التجريف والبناء فوقها أو تحويلها إلى مكبات للنفايات، بهدف محو آثار هذه الجريمة الشنيعة ومواصلة جريمة الإخفاء القسري.
عودة شبح المجزرة: تحذيرات من مذبحة جديدة
اليوم، يعيد التاريخ نفسه بأنماط مخيفة. فالنظام الإيراني، الذي يخشى من اندلاع انتفاضة شعبية جديدة، يستعد تدريجياً لمجزرة أخرى ضد السجناء السياسيين. العلامات التي سبقت صيف 1988 الدامي عادت للظهور: تشديد الإجراءات الأمنية في السجون، وتصنيف السجناء السياسيين ونقلهم إلى أماكن مجهولة، وقمع دعوات العدالة. وفي هذا السياق، نشرت وكالة أنباء فارس، التابعة لحرس النظام الإيراني، مقالاً غير مسبوق بعنوان “لماذا يجب أن نكرر تجربة إعدامات 1988؟!”، مما فُسر على أنه دعوة صريحة لتنفيذ نفس السياسة ضد المعارضين اليوم.
تزامنت هذه الدعاية مع تسارع وتيرة الإعدامات السرية، مثل إعدام السجينين السياسيين مهدي حسني وبهروز إحساني في يوليو 2025. كما تكثفت عمليات النقل القسري، حيث تم نقل السجين المخضرم سعيد ماسوري إلى الحبس الانفرادي في سجن قزل حصار، ونُقل خمسة سجناء سياسيين آخرين محكوم عليهم بالإعدام (وحيد بني عامريان، بويا قبادي، شاهرخ دانشوركار، محمد تقوي، وبابك علي بور) بالضرب إلى نفس السجن سيئ السمعة.
إدانات دولية وتحذيرات عاجلة
أثارت هذه التطورات قلقاً بالغاً لدى منظمات حقوق الإنسان العالمية. وفي مؤتمر “إيران حرة” بروما في 31 يوليو 2025، حذر البروفيسور جاويد رحمان قائلاً: “لقد فشل العالم في عام 1988؛ يجب ألا يفشل اليوم مرة أخرى. إن زيادة الإعدامات والتعذيب والاعتقالات التعسفية كلها علامات على احتمال وقوع مذبحة أخرى”. وفي 8 أغسطس 2025، أصدرت منظمة العفو الدولية بياناً عاجلاً حذرت فيه من أن نقل السجناء الخمسة قد يكون تمهيداً لإعدامهم الوشيك، ودعت إلى تحرك عالمي عاجل لإنقاذ حياتهم.
خاتمة ودعوة للتحرك الدولي
إن الأدلة المتاحة، إلى جانب التهديدات الصريحة من وسائل الإعلام الحكومية، تشكل ناقوس خطر جدي. ففي عام 1988، سمح صمت وتقاعس المجتمع الدولي للنظام بإبادة الآلاف في غضون أسابيع. واليوم، يتكشف نفس النمط. إن الوقت للتحرك هو الآن. يجب على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وجميع الحكومات الملتزمة بالقانون الدولي إنشاء آلية تحقيق دولية مستقلة، وممارسة ضغط دبلوماسي وفرض عقوبات محددة على المسؤولين عن هذه الجرائم، واستخدام جميع الوسائل المتاحة لمنع إعدام السجناء السياسيين فوراً. فكل يوم من التأخير قد يكلف حياة المئات، إن لم يكن الآلاف، من السجناء السياسيين.
- مؤتمر في باريس بحضور السيدة مريم رجوي.. إعدامات الولي الفقيه لن توقف حتمية التغيير
- دومينيك أتياس تستنكر إعدامات نظام الولي الفقيه وتطالب بتدخل دولي ملموس
- حراك أوروبي بوجه المشانق الإيرانية: صرخة دولية ضد الإعدامات السياسية
- أزمة إيران الوجودية: هل هي طبول الحرب أم حبال المشانق؟
- اللجنة الألمانية للتضامن مع إيران الحرة: إدانة شديدة لإعدام السجناء السياسيين ومطالبة بتحرك أممي وأوروبي عاجل
- الأسبوع الـ115 لحملة “ثلاثاء لا للإعدام”: إضراب واسع للسجناء السياسيين في 56 سجناً بإيران







