الرئيسيةأخبار إيرانأبعاد أزمة الدواء في إيران

أبعاد أزمة الدواء في إيران

0Shares

أبعاد أزمة الدواء في إيران

نشرت شبكة الباحثين الإيرانيين الأحرار تقريرًا تحقيقيًا بقلم الدكتور حسين جهان سوز، عالم الكيمياء الحيوية والمدير التنفيذي الرائد في هذا المجال في الولايات المتحدة لأكثر من ثلاثة عقود. يكشف التقرير أن أزمة الدواء الخانقة في إيران ليست نتيجة للعقوبات الدولية، كما يدعي النظام، بل هي أزمة مصطنعة ومُدارة من قبل شبكة فساد قوية تُعرف بـ “مافيا الأدوية”، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بنخب النظام وحرس النظام الإيراني. ويوضح التحقيق كيف يتم نهب الإمدادات الطبية بشكل ممنهج، وتحويلها إلى السوق السوداء لتحقيق أرباح طائلة على حساب معاناة المرضى.

مصممة للاستغلال – مافيا الأدوية وأزمة الدواء في إيران

 نظام ينهار

كانت إيران يومًا ما تُعرف بصناعتها الدوائية القوية وكوادرها الطبية عالية التدريب. أما اليوم، فهي تواجه أزمة صحية ذات أبعاد هائلة. من الأنسولين وأدوية العلاج الكيميائي إلى المضادات الحيوية الأساسية، تختفي الأدوية المنقذة للحياة من أرفف الصيدليات.

هذه ليست مجرد أزمة إمدادات، بل هي أزمة فساد. خلف هذا النقص، تقف شبكة قوية من المستفيدين. هؤلاء الفاعلون – الذين يشار إليهم عادة بـ “مافيا الأدوية” – يعملون مع الإفلات التام من العقاب. ويرتبط الكثير منهم ارتباطًا وثيقًا بنخب النظام وحرس النظام الإيراني.

كثيرًا ما يشير المسؤولون إلى العقوبات الأمريكية كسبب جذري للمشكلة، لكن هذه الرواية لا تصمد أمام الحقائق. فالإعفاءات التجارية الإنسانية للأدوية موجودة ولا تزال سارية. المشكلة الحقيقية تكمن فيما يحدث بعد دخول الأدوية إلى البلاد؛ حيث تختفي الإمدادات غالبًا من سلسلة التوزيع العامة لتعاود الظهور في الأسواق السوداء، وتباع بأسعار باهظة. القضية ليست ضغطًا خارجيًا، بل هي نهب داخلي.

 أزمة مصطنعة: من الندرة إلى المضاربة

تنتج إيران أكثر من 95% من أدويتها الأساسية محليًا، حيث تقوم أكثر من 140 شركة مرخصة بتصنيع أو تجميع الأدوية للسوق المحلية. البنية التحتية للإمداد موجودة، ومع ذلك، فإن الأدوية الأساسية مفقودة من الصيدليات في جميع أنحاء البلاد.

ولا يرجع هذا إلى نقص الإنتاج أو الواردات، بل هو نتيجة سوء إدارة متعمد. فشحنات الأدوية غالبًا ما تتجاوز الصيدليات، وبدلاً من ذلك، يتم تحويلها إلى مستودعات خاصة أو منصات بيع عبر الإنترنت، حيث يتم رفع الأسعار بشكل كبير. ويدفع المرضى اليائسون ما بين خمسة إلى عشرة أضعاف السعر المنظم.

ويطلق الصيادلة وخبراء الصحة على هذه الممارسة اسم “الندرة المصطنعة”، وهي لم تعد خللاً عرضيًا، بل أصبحت نموذج عمل. وقد حذر تقرير صادر عن “دويتشه فيله” الفارسية عام 2024 من أن احتياطيات الأدوية الاستراتيجية في إيران قد انخفضت إلى مستويات حرجة، بينما يواصل تجار السوق السوداء، وكثير منهم مرتبطون بجهات داخل النظام، بيع الأدوية الحيوية بأسعار باهظة.

وتؤثر الأزمة أيضًا على الإنتاج. فوفقًا لمقال نشرته صحيفة “شرق”، أبلغت سبع شركات أدوية كبرى عن خسائر مالية في النصف الأول من عام 2024، وقد خفض بعضها الإنتاج أو أوقف خطوط إنتاج معينة. السبب ليس العقوبات، بل هو نظام التسعير والدفع المعطل.

شركات الأدوية عالقة بين التسعير الحكومي الثابت والتضخم الجامح. وفي الوقت نفسه، يدين نظام التأمين الصحي الوطني بمليارات التومانات للمستشفيات والصيدليات، مما يعيق التدفقات المالية ويعطل سلاسل التوريد.

السوق السوداء في المعاطف البيضاء: صعود الصيدليات المارقة

يوجد الآن نظام صحي ثانٍ في إيران، يعمل خارج القانون عبر الإنترنت، في قنوات تلغرام خاصة، ومواقع غير مرخصة، وشبكات توصيل سرية. هنا، يمكن للمرضى شراء الأدوية غير المتوفرة في الصيدليات، لكنهم يدفعون أكثر بكثير ويتحملون مخاطر جسيمة.

وتُدار العديد من هذه المنصات من قبل جهات مرتبطة بالنظام، وبعضها مرتبط بشركات تحمل تراخيص استيراد رسمية. والبعض الآخر يعمل من خلال شركات وهمية أو صيدليات عبر الإنترنت دون أي رقابة. قد تكون الأدوية المباعة أصلية، ولكن لا يوجد ضمان. وتتزايد التقارير عن الأدوية منتهية الصلاحية أو المزيفة أو الملوثة، وكذلك حالات الدخول إلى المستشفيات المرتبطة بأدوية السوق السوداء.

وغالبًا ما لا يكون لدى المرضى خيار آخر. فالطوابير الطويلة، والأرفف الفارغة، والوصفات الطبية المقننة تدفعهم نحو القنوات غير القانونية. في بعض الحالات، يضطر مرضى السرطان أو عائلات الأطفال المصابين بأمراض نادرة إلى الاعتماد على هذه المصادر، فيدفعون خمسة، وأحيانًا عشرة أضعاف السعر العادي، ويخاطرون بحياتهم مع كل عملية شراء.

وقد حذرت نقابة الصيادلة الإيرانيين من هذه السوق السوداء الجديدة، ووصفتها في رسالة عامة عام 2024 بأنها “بازار أدوية افتراضي” يقوض الصحة العامة والأخلاق المهنية. ومع ذلك، لم يتم اتخاذ أي إجراء يذكر.

 ظل حرس النظام الإيراني في سلسلة توريد الأدوية

يُعرف حرس النظام الإيراني بدوره في الشؤون العسكرية والأمنية، لكنه أيضًا أحد أقوى القوى الاقتصادية في إيران. على مدى العقدين الماضيين، وسع الحرس نفوذه ليشمل الصناعات الرئيسية، بما في ذلك البناء والطاقة والاتصالات، وكذلك الأدوية.

ومن خلال شبكة من الشركات التابعة، سيطر حرس النظام الإيراني على جزء كبير من نظام استيراد وتوزيع الأدوية في إيران. تعمل هذه الشركات تحت ستار سياسات “الاقتصاد المقاوم”، وتدعي دعم الاكتفاء الذاتي الوطني، لكنها في الممارسة العملية تستغل الثغرات، وتتجاوز اللوائح، وتهيمن على الأسواق الرئيسية.

وتحصل الشركات المرتبطة بالحرس على تراخيص استيراد حصرية، وتواجه القليل من التدقيق أو لا تواجهه على الإطلاق من مسؤولي الجمارك. يقوم البعض بإعادة تصدير الأدوية إلى البلدان المجاورة لتحقيق الربح، بينما يؤخر البعض الآخر التوزيع لتضخيم الأسعار، مما يترك المستشفيات والصيدليات فارغة، بينما تزدهر الأسواق السوداء.

كما استثمرت الشركات القابضة المرتبطة بالحرس في منصات عبر الإنترنت تبيع الأدوية خارج الشبكة الرسمية. إنهم يروجون لأنفسهم على أنهم سريعون ومريحون، لكنهم في الواقع جزء أساسي من البنية التحتية لمافيا الأدوية.

 المرضى يدفعون الثمن

إن تكلفة أزمة الدواء في إيران ليست مجردة، بل هي شخصية ومؤلمة ومميتة. فملايين الإيرانيين – وخاصة الفقراء والمرضى – غير قادرين الآن على الحصول على الأدوية التي يحتاجونها.

الأدوية الأساسية مثل الأنسولين ومميعات الدم وعلاجات السرطان إما غير متوفرة أو لا يمكن تحمل تكلفتها. دورة كاملة من العلاج الكيميائي، التي كانت مغطاة بالإعانات، تكلف الآن ملايين التومانات. وتقع العديد من العائلات في الديون، بينما يتخلى البعض عن العلاج تمامًا.

ويعاني المرضى المصابون بأمراض مزمنة أكثر من غيرهم. فتأخير الوصول إلى الدواء يعني ضررًا حقيقيًا. كما أن المرضى اليائسين الذين يلجؤون إلى الأسواق السرية يواجهون خطرًا آخر، وهو الأدوية المزيفة أو منتهية الصلاحية.

ويفضل النظام الأغنياء؛ حيث يتلقى النخب المتنفذون والمسؤولون الحكوميون العلاج في المستشفيات العسكرية أو الخاصة التي لديها وصول موثوق إلى الأدوية المستوردة. لكن المواطنين العاديين يجب أن يبحثوا من صيدلية إلى أخرى، أو يشتروا من المهربين بأسعار السوق السوداء.

خطة عمل لاستعادة الصحة العامة

إن حل أزمة الدواء في إيران يتطلب أكثر من استيراد المزيد من الأدوية. فالبلاد بحاجة إلى إصلاح هيكلي. يجب تحرير النظام الصحي من الفساد والاحتكار والتدخل السياسي. وفيما يلي خمس خطوات عاجلة يجب اتخاذها:

  1. رقابة مستقلة: إنشاء هيئات بقيادة مدنية للإشراف على واردات الأدوية وتسعيرها وتوزيعها، مع صلاحيات تحقيق كاملة.
  2. تنظيم المبيعات عبر الإنترنت: يجب ترخيص جميع المنصات التي تبيع الأدوية عبر الإنترنت وتتبع مصدر الأدوية وتخزينها.
  3. تطبيق تدابير مكافحة الفساد: يجب التحقيق مع الشركات والمسؤولين الذين يستفيدون من نقص الأدوية ومحاكمتهم، بمن فيهم المرتبطون بـحرس النظام الإيراني.
  4. حماية المبلغين عن المخالفات والمهنيين: يجب أن يكون للصيادلة والأطباء صوت في سياسة الدواء، والسماح لهم بالإبلاغ عن الانتهاكات دون خوف.
  5. إعادة الاستثمار في الصحة العامة: يجب إعادة توجيه الميزانيات من الشركات التابعة للجيش إلى المستشفيات والصيدليات ومنتجي الأدوية المحليين.

 نظام مصمم للفشل

أزمة الدواء في إيران ليست كارثة طبيعية، بل هي فشل سياسي وأخلاقي. لقد تخلى نظام مصمم لإثراء قلة عن الكثيرين. المرضى يعانون، والبعض يموت، وأولئك الموجودون في السلطة لا يفعلون شيئًا لوقف ذلك.

لم تكن هذه الأزمة ناجمة عن العقوبات وحدها، بل خلقها الفساد، ومافيا الأدوية، وعسكرة اقتصاد الصحة. إنها تزدهر على التعتيم والخوف والصمت.

تمتلك إيران المعرفة لإنتاج الدواء، ولديها المصانع والصيادلة والقنوات التجارية، لكنها تفتقر إلى النزاهة والمساءلة والإرادة السياسية لتفكيك الشبكات التي تستفيد من المعاناة الإنسانية.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة