موجات الاحتجاج المتلاحقة توحد الشارع ضد النظام الإيراني
لم يعد المشهد الإيراني مجرد احتجاجات متفرقة، بل بات ساحة تتلاقى فيها صرخات الغضب من كل حدب وصوب، لتلتقي عند مفترق طرق المطالب المشتركة، وتتحول إلى هتاف موحد ضد جور واستغلال نظام الملالي الحاكم. هذه الأحداث المتنامية، والتي يزداد زخمها يوماً بعد يوم، تُعلن بوضوح عن فشل ذريع لسياسة النظام القمعية في حظر النقابات المهنية المستقلة. فالآن، يشعر كل خباز، وكل عامل، وكل سائق شاحنة، بأنه يمثل قطاعه بأكمله في هذه الموجة العارمة من الصراخ والمطالبة بالعدالة.
“واصلوا حتى يُحل الأمر!”: صوت الشارع يوحد الكادحين
لقد سعى نظام الملالي جاهداً لمنع تشكيل الاتحادات والنقابات العمالية، بهدف إبقاء شرائح المجتمع الكادحة بلا سند أو متحدث باسمها أو ممثل لها، وإبقائهم تحت رحمة العمل اليومي والعقود المؤقتة. لكن ما يحدث اليوم هو أن أفراد الكادحين أنفسهم قد انتفضوا في مواجهة مباشرة مع النظام، وبدأوا في تجميع صفوفهم المهنية والاجتماعية للانتقال من “الأنا” الفردية المعزولة إلى “نحن” المتحدون ضد ديكتاتورية الملالي. وتتردد أصداء هذا التحول في هتافات المحتجين من مختلف أنحاء إيران:
- من مدينة أهر، يقول أحد المضربين: “نحن أضربنا حتى يتم إصلاح عملنا.”
- ومن يزدانشهر ونجف آباد، يتردد النداء بين سائقي الشاحنات (في 24 و25 مايو/أيار): “أبناء يزدانشهر في إضراب. يا أهل نجف آباد! لا تقوموا بالتحميل حتى يتضح الأمر.” ويضيف سائق من يزد: “تحية للجميع. شكراً لإرادة السائقين، هذا هو الاتحاد. كل هذه الشاحنات تقف صفاً واحداً.”
- وفي بروجرد، يقول سائق يشارك في إضراب 24 مايو/أيار: “انظروا إلى إضراب سائقي الشاحنات في بروجرد. لطفاً، احترموا بعضكم البعض. هؤلاء جميعاً صامدون حتى يتم إصلاح الأمور.” ويؤكد آخر في 25 مايو/أيار: “أنا أقف هنا من أجل هذا الاحتجاج، تضامناً مع جميع سائقي إيران، لن أتحرك. إذا تحركت، أكون قد أهنت نفسي. كل ما يقوله هؤلاء المساكين هو كلام حق وعدل.”
- وعلى طريق طهران-كرج السريع، بالقرب من برند، يهتف سائق بحرارة: “تحية للزملاء الأعزاء. حقاً، أنتم أبطال. أصحاب الشاحنات هنا جميعاً في إضراب. هذا الوقت من اليوم يكون هذا المكان مليئاً بالشاحنات الثقيلة. واصلوا على هذا المنوال حتى يُحل الأمر. أُقبل أياديكم فرداً فرداً. واصلوا.”
- أما سائق شاحنة من زابل فيصرخ بغضب: “كل شيء أصبح باهظ الثمن؛ قطع الغيار، الوقود. لا أحد يستجيب، وكأننا غير موجودين أصلاً.”
مطالب مشتركة تعكس أزمة شاملة
لقد تكاثرت هذه الأصوات وتلاقت الموجات الاحتجاجية لتشمل إضراب سائقي الشاحنات في أكثر من 130 مدينة عبر 30 محافظة، والذي استمر رغم ضغوط الترهيب والترغيب التي مارسها النظام، وذلك لتحقيق مطالبهم الدنيا: تعديل أجور الشحن، تأمين حصص كافية من الوقود، توفير قطع الغيار، ضمان الأمن الوظيفي، والتمتع بالتأمين والخدمات الصحية.
إن متوسط هذه المطالب يمثل القاسم المشترك لمطالب جميع الفئات المهنية والاجتماعية في إيران؛ مثل تعديل تكاليف المعيشة، تأمين الاحتياجات الحيوية، ضمان الأمن الوظيفي، وتوفير التأمين والخدمات الصحية. هذا الوضع يكشف أن نظام الملالي قد سلب كل هذه الحقوق وأنفقها على الحفاظ على بقائه وتمويل أجهزته القمعية والاستغلالية لضمان استمرار هيمنته. وهذا يعني أن معركة الحق في الحياة قد تحولت إلى قضية سياسية بحتة في مواجهة نظام الملالي.
امتصاص دماء الكادحين عبر شركات حرس النظام الفاسدة
يكمن أحد الجوانب السياسية الهامة في حتمية هذه المعركة في أن النظام، من جهة، حظر النقابات المهنية، ومن جهة أخرى، جعل الشركات التابعة لحرس النظام الإيراني هي الجهة التي يجب أن تتعامل معها القطاعات المهنية. وبالتالي، فإن الجزء الأكبر من عمل ودخل هذه القطاعات يتم امتصاصه ونهبه من قبل هذه الشركات الاحتكارية. وتنعكس آثار هذا الوضع في تصدير الأزمات بشكل متواصل إلى حياة ومعيشة أبناء هذه القطاعات. فعلى سبيل المثال، يُضحى دائماً بالأمن الوظيفي لسائقي الشاحنات وبسلامتهم الجسدية وسلامة أدوات عملهم ودخلهم على الطرق غير القياسية، وذلك لصالح استغلال الشركات التابعة للنظام، دون أن يكون هناك أي مسؤول أو محاسب.
وقد لخص سائق شاحنة من مدينة فسا هذا الواقع المرير في تجمع للمضربين يوم 24 مايو/أيار بقوله: “عندما يأخذون مني عمولة، يجب أن تكون هناك خدمات مقابلة. نسب العمولات هي لعبة سماسرة. يجب تأمين سلامتي النفسية، يجب تأمين سلامة الطرق. طرق إيران، والله، يخجل المرء منها؛ شاحنة بوزن خمسين طناً تسقط، يتحطم هيكلها. أقود لمسافة ألفي كيلومتر فوق الحفر، تنهار فقرات ظهري وحالتي النفسية. حمولة الناس كلها تتناثر. لا أحد يأتي ليتفقد. لا توجد أذن صاغية. من سأجيب؟ من سيأتي ليجيبني؟”
النظام في مواجهة موجات الغضب العارم
يجد نظام الملالي نفسه محاصراً بأخطر الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخلياً، ومتغيرات دولية ضاغطة. السموم التي حقنها النظام في حياة الشعب الإيراني، وإن كانت قد ألهبت حياة جزء كبير من الناس وجعلتها حرجة، إلا أن آثارها، خاصة منذ أواخر عام 2024 وبداية 2025، بدأت ترتد بسرعة على النظام نفسه. وتحاول مراكز التفكير في النظام، كعادتها، استخدام خدعة “تسلل مناهضي الثورة” كذريعة لقمع موجة الاحتجاجات. لكن الحقيقة الكبرى هي خواء النظام من أي رصيد اجتماعي ووقوع الانشقاقات المتتالية في جسده وهيكله. كل هذا هو نتاج ارتداد آثار الجريمة والنهب على مراكز صنع القرار في النظام.
وبالتالي، فإن معركة مصيرية بين غالبية المجتمع ونظام الملالي تجري فصولها بشكل مادي وملموس في الشوارع على أيدي الفئات المهنية المختلفة، وهي معركة ذات جوهر سياسي تهدف إلى الحسم النهائي مع ديكتاتورية ولاية الفقيه. إن دعم سائر الفئات والقطاعات لاحتجاج وإضراب سائقي الشاحنات والخبازين هو واجب ومسؤولية إنسانية ووطنية في هذه الظروف الاستثنائية، ويجب أن يتم في سياق التغيير الكبير من الديكتاتورية إلى جمهورية ديمقراطية.
- ذعر النظام الإيراني من انتفاضات جديدة: استخبارات الحرس تهدد المتظاهرين بـ ضربة أقوى من 8 يناير
- المقاعد الفارغة: من إعدامات الطفولة إلى مجزرة يناير
- اعترافات رسمية: استمرار اعتقال الأطفال وذعر حكومي من تحول الجامعات إلى برميل بارود
- اليوم الرابع للانتفاضة الطلابية في إيران: حرق لصور خامنئي و خميني، واشتباكات مع قوات القمع
- الجامعات الإيرانية: القلعة الصامدة في وجه دكتاتوريات الماضي والحاضر
- حراك طلابي واسع لليوم الثاني على التوالي في جامعات مختلفة في إيران بشعارات «لا لنظام الشاه، ولا لنظام الولاية؛ بل الديمقراطية والمساواة»







