موازنة النهب.. حين يتحوّل «ضبط التضخّم» إلى حرب على الفقراء
ما إن قدّم بزشكيان مشروع موازنة العام المقبل إلى برلمان النظام حتى كان واضحًا أنّ النظام الإيراني ماضٍ، بلا مواربة، في سياسة تحميل أعباء أزمته الاقتصادية للطبقات الأكثر فقرًا. فالمشهد لم يكن مفاجئًا، بل نتيجة محسومة سلفًا، بعد أن أعلن المتحدث باسم الحكومة بوقاحة صريحة أنّ «زيادة الأجور بأكثر من 20٪ تُعدّ تضخمية»، واضعًا بذلك الأساس النظري لقمع الأجور تحت ذريعة كبح التضخم.
هذه العبارة لم تكن مجرد تصريح عابر، بل كانت حكمًا مُسبقًا ضد ملايين العمّال والموظفين والمتقاعدين. واليوم، جاء مشروع الموازنة ليُجسّد هذا الحكم حرفيًا: زيادة عامة للأجور لا تتجاوز 20٪، وتحديد الحد الأدنى للرواتب بين 14 و15 مليونًا و600 ألف تومان، وهي أرقام لا تختلف كثيرًا عمّا يُطرح لأجور العمّال. قد تُسوَّق هذه الأرقام رسميًا على أنها «زيادة»، لكنها في الواقع إعلان رسمي عن تراجع فعلي في مستوى المعيشة، وكارثة اجتماعية جديدة تضاف إلى سجل النظام.
تكمن الكارثة الحقيقية في التناقض الصارخ بين الأجور والتضخم. فبحسب التقارير الرسمية نفسها ــ رغم محاولات التخفيف والتلاعب ــ بلغ التضخم العام 41٪، بينما وصل تضخم المواد الغذائية، أي أساس حياة الناس، إلى ما بين 66 و70٪. وبحساب بسيط، يتبيّن أن زيادة الأجور بنسبة 20٪ لا تغطي حتى نصف التضخم السنوي، فضلًا عن كونها أقل بأكثر من ثلاث مرات من تضخم الغذاء.
والنتيجة المباشرة لذلك هي الانهيار المتواصل في القدرة الشرائية، ودفع شرائح أوسع من المجتمع إلى ما دون خط الفقر، بل إلى ما تحته.
لم تعد فداحة الوضع قابلة للإنكار، حتى داخل المنظومة نفسها. فقد أقرّ خبراء ووسائل إعلام حكومية بوجود ضغط غير مسبوق على الطبقة العاملة. إذ يقول أحد الخبراء: «هذا العام، ومع التضخم المرتفع، تعرّضت الطبقة العاملة لضغط شديد، وشهدت أسعار العلاج والمواد الغذائية ارتفاعًا جنونيًا».
أما صحيفة همشهري الحكومية فقد كتبت بوضوح: «خط الفقر يتجاوز 55 مليون تومان، في حين أن متوسط الرواتب لا يتعدى 17 مليون تومان». وهي فجوة قاتلة لا يمكن لأي زيادة شكلية أن تردمها.
السؤال الجوهري هنا: إذا كان العامل والموظف يقدّمان العمل نفسه والساعات نفسها والإنتاج نفسه، فأين تذهب القيمة التي تُسلب من دخولهم؟ الجواب واضح ولا يحتاج إلى كثير من التحليل: إنها الضريبة الخفية للتضخم وقمع الأجور، التي تنقل الثروة من قاع المجتمع إلى قمة الهرم، إلى جيوب السلطة ومراكز النفوذ، وعلى رأسها بيت خامنئي.
ويعترف أحد الخبراء الاقتصاديين بأن الأجور «تفقد قيمتها قبل أن تصل إلى حساب العامل»، مشيرًا إلى أن أجر عام 1404 حُسب على أساس دولار بـ85 ألف تومان، بينما تجاوز الدولار اليوم 131 ألف تومان. أي إن السرقة تتم قبل أن يقبض العامل راتبه أصلًا.
الفارق المتعمّد بين الأجور والتضخم هو أداة بيد النظام يمسك بطرفيها معًا: يرفع الأجور شكليًا بيد، ويستعيد عبر التضخم المتفلت أضعاف ما أعطاه باليد الأخرى. وما دام هذا النظام قائمًا، ستتكرر هذه الدورة كل عام:
زيادة اسمية، تدهور حقيقي، وفقر أعمق.
حتى وكالة الأنباء الحكومية «إيلنا» اضطرت للاعتراف بالحقيقة القاسية: «العمّال لم يعد لديهم مائدة طعام».
لكن التاريخ لا يتوقف عند صفحات سوداء. سيأتي اليوم الذي تُطوى فيه هذه الصفحة، وفي إيران حرّة، متحرّرة من استبداد الملالي والشاه معًا، تصبح العدالة الاجتماعية والمساواة حقًا مضمونًا، لا شعارًا يُستعمل لتبرير النهب المنظّم.






