الرئيسيةأخبار إيرانكيف حوّل نظام الإيراني التعليم إلى ترف

كيف حوّل نظام الإيراني التعليم إلى ترف

0Shares

كيف حوّل نظام الإيراني التعليم إلى ترف

تتمثل إحدى الحيل التي يتبعها نظام الملالي منذ سنوات للتهرب من الاستجابة لمطالب المواطنين، في إنهاك الناس ودفعهم إلى حالة من اليأس أمام المشاكل، وجرهم إلى نتيجة مفادها أنه لا خيار سوى “الاحتراق والتأقلم”. وقد استُخدمت هذه الحيلة في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية للإيرانيين؛ من مائدة طعامهم إلى صحتهم وتعليمهم وثقافتهم، وحتى أبسط احتياجات أطفالهم. ويمكن رؤية نموذج لهذه السياسة الاستنزافية كل عام مع اقتراب العام الدراسي الجديد: ارتفاع أسعار الأدوات المكتبية واللوازم المدرسية.

سلعة ثقافية تتحول إلى ترف

تحت عنوان “سوق الأدوات المكتبية الفاخرة”، كتبت صحيفة “جهان صنعت” في عددها الصادر بتاريخ 3 سبتمبر 2025: 

“الركود والغلاء في سوق الأدوات المكتبية دفع الباعة إلى تغيير نشاطهم التجاري. إن تضخمًا بنسبة 50% في هذا السوق يكفي وحده لإحداث ركود، وعمليًا، لم يجد العديد من الباعة الذين لا يرون مستقبلاً لأعمالهم خيارًا سوى تغيير مهنتهم. لم يعد غلاء اللوازم المدرسية قصة جديدة، لكن الوضع هذا العام أصعب بكثير من الماضي”.

لقد حوّل نظام الملالي سلعة يجب أن تكون الأداة الأكثر توفرًا لنمو وتعلم الجيل القادم، إلى سلعة فاخرة. هذه ليست مجرد أزمة اقتصادية، بل هي أزمة اجتماعية وثقافية عميقة؛ لأنها تزيد من حدة التفاوت التعليمي وتحرم أطفال الأسر الفقيرة من أبسط إمكانيات الدراسة.

إطفاء سراج الكتاب والنشر والثقافة

من خلال تطبيق سياسة الغلاء وتوسيعها لتشمل المواد الثقافية والعلمية، تسبب النظام في إفلاس دور النشر وإطفاء سراج المكتبات والمؤسسات الثقافية في البلاد. وتعترف صحيفة “جهان صنعت” بذلك قائلة:

“خلال السنوات الأخيرة، وبسبب تراجع إقبال الناس على شراء الكتب، قامت المكتبات بدمج نشاطها مع بيع الأدوات المكتبية لتغطية نفقاتها. (لكن) وفقًا لإحصائيات اتحاد الناشرين، فإن العديد من هذه المتاجر تلغي تراخيصها وتتخلى عن هذا العمل بالكامل”.

الفساد الهيكلي في الاستيراد

نقلت الصحيفة المذكورة عن رئيس اتحاد بائعي الأدوات المكتبية والهندسية في طهران قوله:

“تخصيص العملة الأجنبية هو العدو الأول للأصناف التجارية. فالعديد من الشحنات تبقى في الجمارك تحت أشعة الشمس لمدة 8 إلى 9 أشهر وتضيع في متاهات الأنظمة الإلكترونية. وبدأ التهريب يحل محل الاستيراد القانوني، وسيصبح التهريب في قطاع الأدوات المكتبية أشد مما نراه اليوم”.

وهكذا، يجب على الناس أن يدفعوا ثمن عدم كفاءة حكومة عاجزة عن تنظيم أبسط العلاقات التجارية من جهة، ومن جهة أخرى، تحولت هي نفسها، بسبب الفساد الهيكلي، إلى أكبر عائق أمام الإنتاج والتوزيع العادل.

مليارات التومانات من الريع والفساد

في مقال آخر بعنوان “يدور الحديث عن ريع بآلاف المليارات من التومانات”، تشير الصحيفة ذاتها بشكل غير مباشر إلى أن قصة غلاء العملة والسلع ليست سوى نتيجة لتجاوزات نظام ناهب:

“بعد 47 عامًا، لم تتمكن الجمهورية الإسلامية بعد من اتخاذ وتنفيذ قرار علمي ودقيق ومدروس بشأن النظام النقدي في الاقتصاد يحقق أقصى فائدة للإيرانيين. منذ 37 عامًا، يتم تطبيق نظام نقدي يحتضن في طياته أكبر قدر من الريع والفساد، وأدى إلى تفاقم التفاوت المذهل بين الإيرانيين”.

“الغرفة المظلمة” للاقتصاد

هذا الاعتراف يحمل معنى واضحًا: النظام الذي يقف على أنقاض الاقتصاد الوطني ليس لديه أي هم سوى بقائه والحفاظ على شبكات الريع والفساد. لا يهم هذا النظام أن تكون الأدوات المكتبية والكتاب والثقافة هي الضحية؛ فالمهم هو أن تحصل الحلقات الموالية للسلطة على حصتها من “الغرفة المظلمة للاقتصاد”.

وتثبت صحيفة “جهان صنعت” وجود هذه الغرفة المظلمة على مر السنين، كاتبةً: “اطلبوا من جمارك إيران أن تكشف عن أسماء عدد قليل من المستوردين الرئيسيين لسلعة مثل السكر، حتى تكتسب القصة معناها الحقيقي. تتبعوا القصة من الغرف المظلمة”.

إنها غرفة مظلمة تحتجز مصير ملايين الإيرانيين كرهينة؛ من حبات السكر إلى دفاتر وأقلام المدرسة. في كل مكان تتعلق فيه حاجة عامة، تقف المافيات التابعة للسلطة. وهذه هي نفس الحيلة التي سعت دائمًا إلى إحباط الشعب ودفعه إلى قبول إجبار “الاحتراق والتأقلم”.

ولكن رغم كل هذه المؤامرات، فإن ما ينتج عن السياسة والاقتصاد في إيران اليوم هو صراع لا يقبل المصالحة واصطفاف لا رجعة فيه بين غالبية المجتمع والنظام الحاكم. والنتيجة النهائية لهذا الصراع الممتد الذي لا يتوقف، هي التي أدت في ظل المعطيات الحالية إلى حسم مصير نظام الملالي على الصعيدين الداخلي والدولي.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة