قراءة في الوضع الإيراني الراهن وآفاق المستقبل
لم يعد الحديث عن الأزمة في إيران مجرد توصيف سياسي عابر، بل أصبح توصيفًا لواقع شامل يطال بنية النظام الحاكم نفسها. فالنظام الإيراني يواجه اليوم واحدة من أخطر مراحله منذ تأسيسه؛ أزمة اقتصادية خانقة، تصدعات داخلية متزايدة، عزلة إقليمية ودولية، خسائر استراتيجية متراكمة، ومجتمع يغلي تحت ضغط الفقر والقمع وانعدام الأفق. ولهذا يتحرك النظام اليوم بعقلية البقاء، لا بعقلية الحكم.
وفي قلب هذا المشهد، يقف النظام أمام مفترق مصيري حقيقي. فهو يدرك أن أي تراجع عن سياساته السابقة قد يفتح الطريق أمام تسارع انهياره الداخلي، وفي الوقت نفسه يعرف أن الاستمرار في هذه السياسات سيقوده إلى مزيد من الضغوط وربما إلى مواجهات جديدة تستنزف ما تبقى من قدراته. ولهذا يبدو النظام وكأنه عالق داخل دائرة مغلقة: لا يستطيع التراجع، ولا يملك القدرة على الخروج من أزماته.
ومن هنا تبرز تساؤلات أساسية تتردد اليوم في الأوساط السياسية والإعلامية: لماذا لم يسقط النظام رغم الضربات التي تعرض لها؟ وهل ما يزال يمتلك عناصر القوة، أم أن ما يجري ليس سوى محاولة يائسة لتأجيل السقوط؟
إن القراءة السطحية للمشهد الإيراني غالبًا ما تختزل المعادلة في إطار الصراع العسكري أو التوازنات الدولية، بينما الحقيقة أن العامل الحاسم في مستقبل إيران يبقى العامل الداخلي؛ أي العلاقة بين الشعب الإيراني والمقاومــة المنظمة من جهة، والنظام من جهة أخرى. فالتغيير في إيران لم يكن يومًا مسألة ضربات جوية أو ضغوط خارجية فقط، بل يرتبط أساسًا بمدى قدرة المجتمع الإيراني على تحويل حالة الغضب المتراكمة إلى فعل منظم قادر على إسقاط الديكتاتورية.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن النظام أصبح أضعف بكثير مما كان عليه. فالانتفاضات المتلاحقة، وخاصة انتفاضة يناير الأخيرة، لم تكن مجرد احتجاجات عابرة، بل شكلت تحولات عميقة داخل المجتمع الإيراني. صحيح أن النظام تمكن مؤقتًا من قمعها عبر العنف والمجازر والإعدامات، لكنه فشل في معالجة الأسباب التي دفعت الناس إلى الشارع. بل على العكس، ازدادت حالة السخط الاجتماعي عمقًا واتساعًا.
وفي الوقت نفسه، تتفاقم الأزمات الاقتصادية بصورة غير مسبوقة. معدلات التضخم ترتفع بشكل كارثي، أسعار المواد الأساسية تقفز إلى مستويات غير محتملة، البطالة تتوسع، والقدرة الشرائية تنهار بصورة متسارعة. كما أن الحرب الأخيرة وما خلفته من خسائر ضخمة زادت من تعقيد المشهد الداخلي، في وقت لم يعد النظام قادرًا على تقديم أي حلول حقيقية.
أما على المستوى الإقليمي، فقد تلقى النظام خلال الأعوام الأخيرة ضربات قاسية أفقدته جزءًا مهمًا من أدوات نفوذه التقليدية. وقد كان خامنئي نفسه يعترف مرارًا بأن الحفاظ على نفوذ النظام في المنطقة كان جزءًا من استراتيجية منع انتقال المواجهة إلى الداخل الإيراني. ولذلك فإن تراجع هذا النفوذ يعني عمليًا اقتراب المواجهة من قلب إيران نفسها.
لكن رغم كل هذه الأزمات، فإن سقوط أي نظام ديكتاتوري لا يحدث تلقائيًا. فوجود الظروف الموضوعية وحده لا يكفي، بل يحتاج التغيير إلى قوة منظمة قادرة على تحويل حالة الغضب الشعبي إلى مشروع سياسي وميداني لإسقاط النظام. وهنا تبرز أهمية دور المقاومة الإيرانية ووحدات المقاومة التي توسعت خلال السنوات الماضية، ولعبت دورًا متزايدًا في تنظيم الاحتجاجات وتوجيهها.
لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن النظام لا يخشى الحرب الخارجية بقدر ما يخشى قوة تنبع من داخل المجتمع الإيراني نفسه؛ قوة قادرة على التنظيم، وعلى استقطاب جيل جديد من الشباب المستعدين لدفع ثمن التغيير. ولهذا يواصل النظام حملات الإعدام والاعتقالات الواسعة، في محاولة لمنع توسع شبكات المقاومة وكسر إرادة الجيل الجديد. إلا أن الوقائع تشير إلى أن حاجز الخوف داخل المجتمع الإيراني يتآكل بصورة متسارعة.
ومن الأخطاء المتكررة في بعض القراءات الغربية تصوير التغيير في إيران باعتباره تهديدًا لوحدة البلاد أو مدخلًا للفوضى. فإيران ليست دولة بلا هوية أو بلا تاريخ سياسي موحد، كما أن وجود مقاومة منظمة ذات مشروع سياسي واضح يشكل عنصرًا أساسيًا لمنع أي سيناريو للفوضى أو التفكك.
إن الحقيقة التي باتت تتضح أكثر من أي وقت مضى هي أن حل الأزمة الإيرانية لا يكمن في سياسة الاسترضاء، كما لا يكمن في الاكتفاء بالضغوط العسكرية الخارجية. الحل الحقيقي يبدأ بالاعتراف بحق الشعب الإيراني في مقاومة الديكتاتورية، والوقوف إلى جانب تطلعاته نحو الحرية والديمقراطية.
لقد أثبتت التجربة أن تجاهل دور الشعب والمقاومة الإيرانية لا يؤدي إلا إلى إطالة عمر النظام، بينما يشكل دعم نضال الإيرانيين من أجل التغيير الديمقراطي الطريق الأكثر واقعية لإنهاء حالة القمع والتوتر والحروب التي أنتجها النظام طوال العقود الماضية.
إيران اليوم ليست أمام أزمة عابرة، بل أمام لحظة تاريخية مفتوحة على احتمالات كبرى. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان النظام يواجه أزمة، بل إلى أي مدى أصبح المجتمع الإيراني قريبًا من فرض معادلة التغيير.
- قراءة في الوضع الإيراني الراهن وآفاق المستقبل

- إسقاط النظام الإيراني أم انتظار انهياره؟ المقاومة الإيرانية تقدم معادلة التغيير

- إيران بين حرب الخارج وقمع الداخل: الشعب يدفع الثمن والنظام يحافظ على بقائه

- لماذا تخشى طهران وحدات المقاومة أكثر من الحرب؟

- الحرب الحقيقية لنظام الملالي

- عندما يخاف النظام من شعبه أكثر من أعدائه


