ثلاثة أسئلة لمستقبل إيران: حتمية التغيير، آلياته، وتحديات اليوم التالي
لم يمرّ تاريخ إيران، منذ الماضي البعيد حتى اليوم، بمرحلةٍ خطيرة وعاصفة كهذه. فإيران، ومعها منطقة الشرق الأوسط، تقفان في قلب تحوّلٍ كبير.
يتجلّى هذا التحوّل في فشل استراتيجية نظام الملالي في المنطقة، وفي انتفاضة يناير الكبرى، وقبل كل شيء في المذابح الجماعية الشاملة التي ارتكبها النظام بحق الشعب. إنّه زلزال لا يزال مستمراً، ومن المستحيل على خامنئي، رغم جرائمه، أن يتمكن من الحفاظ على نظام ولاية الفقيه إلى الأبد.
في هذه الأيام، يرتكز النقاش حول قضية إيران وآفاقها على ثلاثة أسئلة رئيسية:
أولاً: هل أصبح تغيير النظام السياسي في إيران أمراً لا مفرّ منه؟
ثانياً: إذا كان هذا التغيير ضرورياً، فكيف يمكن تحقيقه؟
ثالثاً: كيف يمكن منع الفوضى في اليوم التالي لسقوط النظام؟
لقد قدّمت انتفاضة يناير إجابات حاسمة وعميقة عن هذه الأسئلة.
ففي هذه الانتفاضة، انتفضت جماهير الشعب في المحافظات الإحدى والثلاثين كافة. واتخذت الشعارات طابعاً سياسياً صريحاً؛ إذ كانت الهتافات منذ الساعات الأولى ضد الدكتاتورية الدينية، مطالبةً على وجه التحديد بإسقاط خامنئي.
وتختلف انتفاضة يناير عن انتفاضات السنوات الماضية في نقطتين أساسيتين:
أولاً: أنها كانت منظمة إلى حدٍّ كبير.
ثانياً: أن الشباب الثائرين، في دفاعهم عن المتظاهرين، واجهوا قوات الحرس، وتمكنوا في بعض الحالات من تجريدها من السلاح.
وقد أظهرت وقائع هذه الانتفاضة مؤشرات مهمة تؤكد أن إسقاط النظام بات مساراً لا رجعة فيه، ومن أبرزها:
- أن الانتفاضة لم تكن مفاجئة بالكامل، بل كانت متوقعة.
فقد أعلن زعيم المقاومة الإيرانية، مسعود رجوي، في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أي قبل أسابيع من اندلاع الاحتجاجات: «إن جبهة الشعب على بُعد خطوة واحدة من الانتفاضة».
كما حذّر مسؤولون في النظام نفسه من أن غضب الشعب على وشك الانفجار. ومع ذلك، لم يتخذ النظام أي خطوة جادة لاحتواء حالة الاستياء العام.
وخلال فترة رئاسته القصيرة، اتخذ رئيس النظام ــ رغم ادعاءاته الإصلاحية ــ أربعة إجراءات أثارت احتجاجات واسعة: رفع أسعار البنزين، ورفع أسعار القمح، وإلغاء دعم السلع الأساسية، وزيادة سعر العملة الأجنبية، ما جعل الوضع أكثر قابلية للانفجار.
وعندما سمع النظام وقع أقدام الانتفاضة، لجأ إلى قمع واسع النطاق.
- أظهر سوق طهران، الذي كان نقطة انطلاق الاحتجاجات هذه المرة، أن البازار نفسه يتضرر من استمرار «الوضع الراهن»، لا سيما في ظل تصريحات متكررة لرئيس النظام في المنابر الرسمية بأنه «لا يملك أي حل» للأزمات المتفاقمة.
- التحوّل الأخطر تمثل في القتل الجماعي لأبناء الشعب خلال الانتفاضة، وهو ما يبرهن أن مسار إسقاط النظام أصبح طريقاً بلا عودة. فقد نفّذ النظام عمليات قمع مخططة وممنهجة، ووجّه ضربات شديدة وسريعة للناس في الشوارع والأزقة، بهدف رئيسي هو إخافتهم وإبعادهم عن الساحة.
وارتكب النظام فظائع مروعة: إطلاق النار على رؤوس وأجساد العزّل، تصفية الجرحى برصاص الرحمة، اقتحام المستشفيات، وقتل الفتيان والفتيات المراهقين والأطفال الأبرياء. وأظهرت هذه الجرائم أن النظام فقد القدرة على الحكم، ولم يعد يستطيع الحفاظ على نفسه إلا عبر القتل الجماعي.
- في خضم هذا القمع وسفك الدماء اللامحدود، ينتظر خامنئي انتفاضة أكبر وأكثر اشتعالاً. بل إن ما يُسمّون بالإصلاحيين، الذين دافعوا لسنوات عن استمرار النظام، أعلنوا اليوم أن الإصلاح في هذا النظام وصل إلى طريق مسدود ولا جدوى منه.
كما أجابت انتفاضة يناير عن سؤالٍ أساسي: كيف يمكن التغيير في إيران؟ إذ أثبتت أن تشكيل انتفاضة واسعة، مقترنة بقوة منظمة، أمر ممكن حتى في ظل هذا القمع الوحشي المستمر.
ضرورة الاعتراف بنضال الشباب الثوار ضد الحرس
قبل اثنين وعشرين عاماً، أكدت السيدة مريم رجوي في خطاب أمام البرلمان الأوروبي أن لا الاسترضاء هو الحل لقضية إيران، ولا الحرب. والحل الوحيد هو إسقاط النظام على يد الشعب والمقاومة المنظمة. وقد أثبتت السنوات الماضية فشل سياسة الاسترضاء وأضرارها، إذ كانت من أبرز عوائق التغيير في إيران.
كما أظهرت تطورات العام الماضي داخل إيران، وتطورات العقدين الماضيين في المنطقة، أن الحرب الخارجية غير قادرة على حل قضية إيران أو استبدال النظام القائم بنظام ديمقراطي.
الترويج للعودة إلى الماضي في خدمة النظام
إلى جانب القمع الوحشي لانتفاضة يناير، واجه الشعب الإيراني عاملاً مدمراً آخر. ففي الأشهر الأخيرة، حاولت بعض الأوساط الإعلامية، عبر التخطيط والتزييف في الفضاء الإلكتروني، تقديم ابن الشاه السابق كبديل سياسي.
وقد كشفت تقارير إعلامية ومؤسسات أمن سيبراني عن وجود حسابات وهمية وأساليب مفبركة لتضخيم هذا التيار.
خلال مؤتمر برلين، أشادت السيدة مريم رجوي بالمسيرة النضالية للبروفيسورة ريتا زوسموت، واصفة إياها بالمدافعة الصلبة عن حقوق الشعب الإيراني و”وحدات المقاومة”، ومؤكدة على دورها في تأسيس مسار سياسي يرفض استرضاء الديكتاتوريات.
إلا أن هذا المشروع، خارج الفضاء الافتراضي، يفتقر إلى أي قدرة تنظيمية حقيقية داخل البلاد. وهو، في جوهره، يقف ضد مسار الانتفاضة.
إن ابن الشاه لا يبتعد في جوهره عن نموذج دكتاتورية الحزب الواحد الذي مثله والده، بل إن برامجه تمثل عملياً إعادة إنتاج لذلك النموذج، مع بعض الوجوه المقتبسة من دكتاتورية الملالي.
آفاق المستقبل
يطرح كثيرون سؤالين أساسيين: ماذا سيحدث بعد سقوط النظام؟ وما الضمانة لعدم انزلاق البلاد إلى الفوضى؟
لقد ازدادت حساسية هذا السؤال بعد التجارب المؤلمة التي شهدها العالم هذا القرن، في العراق وليبيا.
غير أن الحالة الإيرانية تختلف؛ إذ تتوافر عوامل يمكن أن توجه المرحلة الانتقالية نحو مسار ديمقراطي منظم، وأهمها وجود بديل ديمقراطي منظم وعريق، يتمثل في المجلس الوطني للمقاومة.
يعتمد هذا البديل على شبكة واسعة من أعضائه في المدن الإيرانية، ما يعني أن العمل لن يبدأ من الصفر في «اليوم التالي» للإسقاط. كما يتميز بقدرته على أن يكون محور وحدة بين مختلف القوى والأحزاب، ويجمع القوميات المتعددة وأتباع الديانات المختلفة حول هدف مشترك هو إقامة مجتمع ديمقراطي.
أما بشأن برنامج المرحلة الانتقالية، فإن خطة المجلس الوطني للمقاومة تنص على اتخاذ خطوات فورية بعد سقوط النظام، في مقدمتها تشكيل حكومة مؤقتة لمدة لا تتجاوز ستة أشهر، تتولى خلال هذه الفترة تنظيم انتخابات لاختيار مجلس تأسيسي يتكفّل بوضع الأسس الدستورية للنظام الجديد.






