الرئيسيةأخبار إيرانالميزانية في مرآة النظام الإيراني: هيكل للريع والفساد لا للتنمية

الميزانية في مرآة النظام الإيراني: هيكل للريع والفساد لا للتنمية

0Shares

الميزانية في مرآة النظام الإيراني: هيكل للريع والفساد لا للتنمية

هناك إيران تعاني من عالم من المشاكل المعيشية، والبطالة، والغلاء، والتضخم، وأزمة السكن، والتسرب من المدارس، والهجرة، وصرخات مستمرة من مختلف الفئات المهنية والاجتماعية. وهناك إيران أخرى تتكون من حشد من المؤسسات والهيئات واللجان وحرس النظام والحكومة والبرلمان والقضاء، التي تسيطر على جميع الأصول والودائع والمناجم والثروات الطبيعية والبنوك والميزانيات. وحتى أكتوبر 2025، تشهد سجلات هاتين “الإيرانين” على أن الأولى مجرد طالبة للعدالة، والثانية أرض محتلة. فماذا تفعل كل هذه المؤسسات ببحر من الإمكانيات والأموال؟ وأين تُنفق الميزانيات التي يتم إعدادها وإقرارها عاماً بعد عام؟

“خطط وُضعت كي لا تُنفذ”: اعتراف رسمي بالفشل

تقدم صحيفة “خراسان” الحكومية إجابة صادمة. ففي مقال بعنوان “وضع الميزانية في وقت الحصاد!” (كناية عن التخطيط بعد فوات الأوان)، تعترف الصحيفة في 5 أكتوبر 2025: “على مدى العقود القليلة الماضية، كانت الخطط توضع كي لا تُنفذ… إذا نظرنا إلى جميع خطط التنمية في البلاد، نجد أنها كانت دائمًا بمثابة حجارة كبيرة وُضعت كي لا تُرمى. وإذا لم يكن من المفترض أن تتحقق، فلماذا تُكتب أصلاً؟ هذا الافتراض ينطبق تماماً على عملية وضع الميزانية في البلاد”.

والأخطر من ذلك هو الاعتراف الصريح الذي يمثل وثيقة فشل هيكلي لنظام الميزانية في حكم الملالي، حيث تقول الصحيفة: “من أمناء اللجان إلى رئيس منظمة التخطيط والميزانية ورئيس الجمهورية، ومن نواب البرلمان إلى رئيسه، يعلم الجميع أن هذه الاعتمادات التي تم إقرارها لن تتحقق، وكما جرت العادة دائماً، سيتحقق في النهاCية 60% فقط من الاعتمادات المعتمدة”.

الميزانية كواجهة لعمليات النهب

عندما يعلم كبار المسؤولين الاقتصاديين والتشريعيين في البلاد أن جزءاً كبيراً من الميزانية المعتمدة لن يتحقق أبداً، فهذا يعني أن “الميزانية” لم تعد أداة للتخطيط، بل تحولت إلى “مسرحية سنوية”. إن حقيقة أن 40% من الميزانية تُعرف بأنها “غير قابلة للتحقيق” تعني أن وراء هذه الأرقام تدور مليارات من الموارد الخفية، خارج أي تدقيق أو مساءلة. وعندما تذكر صحيفة حكومية أن “الحكومة تدرج مبلغ 600 ألف مليار تومان في مشروع الميزانية، وفي النهاية يتم تخصيص 350 ألف مليار تومان فقط”، فإن السبب واضح: الهدف ليس الشفافية، بل خلق مساحة واسعة لتوزيع الريع بين مؤسسات السلطة. الأرقام الضخمة في الميزانية هي مبرر للسرية المالية ومانع للرقابة الشعبية. كل رقم غير محقق هو في الواقع جزء من الثروة العامة التي إما تُنفق في قنوات غير رسمية، أو ينتهي بها المطاف في حسابات أخرى لا يجرؤ أي ديوان محاسبة أو برلمان على الاقتراب منها.

الضحايا الحقيقيون والهدف الخفي

هذه الأمثلة ليست سوى غيض من فيض المرض المزمن الذي أصاب الهيكل المالي والإداري في إيران. نظام تحول فيه “التخطيط” إلى مجرد شكليات ومسرحيات، و”الميزانية” إلى أداة لاستمرار الريع والفساد وبناء السلطة داخل الحكم. فما تكتبه الحكومة والبرلمان كميزانية سنوية هو في الواقع وثيقة رسمية لوعود لم تُصنع لتتحقق. إن هذه الميزانيات ليست خططاً للتنمية، ولا أدوات للرفاه الاجتماعي، بل هي تكرار لنفس الدورة التي تتدفق من خلالها الموارد الوطنية إلى جيوب المؤسسات غير الخاضعة للمساءلة، والمؤسسات الخاصة، والمقرات، والمشاريع مجهولة الهوية.

في ظل هذا الهيكل، ليس فقط لا يحصل العمال والمعلمون والمتقاعدون والمزارعون والشباب العاطلون عن العمل على أي حصة من الميزانية، بل هم ضحاياها المباشرون. إنها لعبة متكررة من الوعود في مواجهة الموائد الفارغة. إنه نظام يعلم أنه يمتلك المال، لكنه يُبقي الشعب فقيراً في نهج سياسي متعمد للحفاظ على نفسه، لأنه يدرك جيداً أنه يقف فوق قنبلة موقوتة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة