القتل الممنهج عبر الحرمان من العلاج في سجون إيران
كيف يستخدم نظام خامنئي هذا السلاح لسحق المعارضة؟
استخدمت ديكتاتورية ولاية الفقيه منذ نشأتها أدوات قمع متنوعة لضمان بقائها، من الاعتقالات الواسعة والسجن والتعذيب وصولًا إلى الإعدام. لكن القمع داخل أسوار السجون لا يقتصر على هذه الأساليب، بل يلجأ النظام إلى طرق ممنهجة أخرى لكسر إرادة السجناء، خاصة السياسيين منهم. من بين هذه الطرق حرمانهم من الطعام، والضغط المالي على عائلاتهم، وسلبهم أبسط مقومات الحياة، وأخطرها على الإطلاق: حرمان السجناء المرضى عمدًا من الحصول على الدواء والعلاج. في هذا المقال، نسلط الضوء على سياسة الحرمان المتعمد من العلاج، وهي سلاح استخدمه النظام على نطاق أوسع في السنوات الأخيرة، وعرّض حياة العديد من السجناء لخطر الموت.
موجة جديدة من الإعدامات والقمع
في الأيام الستة الأولى من شهر مهر (الأسبوع الأخير من سبتمبر)، تم إعدام ما لا يقل عن 31 سجينًا في مناطق مختلفة من إيران. وفي يوم الأربعاء 24 سبتمبر وحده، تم شنق 15 سجينًا، من بينهم امرأة تدعى مهناز دهقاني في سجن أصفهان. وبعد أيام قليلة، في 28 سبتمبر، أُعدم 13 سجينًا آخر على الأقل. وفي يوم الاثنين 29 سبتمبر، أعلنت السلطة القضائية إعدام بهمن جوبي أصل في سجن قزل حصار بتهمة “التعاون الاستخباراتي مع دولة أجنبية”. لقد وصل عدد الإعدامات في شهر سبتمبر وحده إلى 190 حالة، وهو ما يراه المراقبون محاولة يائسة من النظام لترسيخ أركانه المهتزة، لكنها لا تؤدي إلا إلى زيادة الغضب الشعبي.
محمد علي أكبري منفرد: نموذج صارخ للحرمان من العلاج
يُعتبر السجين السياسي محمد علي أكبري منفرد (58 عامًا) مثالًا حيًا على استخدام سلاح الحرمان من العلاج. اعتُقل خلال انتفاضة 2022 وقضى خمسة أشهر في الحبس الانفرادي. يعاني أكبري منفرد من شلل في كلا الساقين، بالإضافة إلى أمراض خطيرة في القلب والدماغ والسكري الحاد والبروستاتا. تم نقله إلى المستشفى بسبب التهاب حاد في قدمه، ورغم تأكيد الأطباء على وجود جلطة دموية، منعت المخابرات استكمال علاجه وأعادته إلى السجن. وفي الأسبوع الماضي، أكد الطب الشرعي عدم قدرته على تحمل ظروف السجن وضرورة إطلاق سراحه، لكن وزارة المخابرات لا تزال تمنع ذلك وتعرقل علاجه، مما يهدد حياته بشكل مباشر.
ابوالحسن منتظر: الموت البطيء في المستشفى والسجن
مثال آخر هو السجين السياسي ابوالحسن منتظر في سجن قزل حصار، الذي انخفضت الصفائح الدموية لديه إلى مستوى خطير للغاية (38 ألفًا). تم نقله إلى المستشفى، وبدلًا من علاجه فورًا، تُرك مكبل اليدين على كرسي لمدة 24 ساعة دون أي رعاية طبية أو حتى طعام. وبعد دخوله المستشفى، استمر الإهمال وتأخر حقنه بالصفائح الدموية لمدة ثلاثة أيام، مما أدى إلى إصابته بنزيف حاد وفقدانه للوعي عدة مرات. في النهاية، لم يتم حقنه سوى بنصف الجرعة اللازمة وأُعيد إلى السجن في حالة صحية حرجة، مع رفض إدارة السجن والمستشفى توفير الأدوية الحيوية له.
قائمة طويلة من السجناء المحرومين من حق الحياة
الحالات لا تُحصى. السجين السياسي محمد علي محمودي في سجن إيفين يحتاج إلى علاج كيماوي ويُحرم منه. علي معزي (72 عامًا) يعاني من سرطان البروستاتا وأمراض أخرى ويُترك دون رعاية في قزل حصار. زهرا صفائي، رغم وجود دعامتين في قلبها، تُحرم من الرعاية الطبية. فاطمة ضيائي آزاد (حورية) بقيت لأكثر من 40 يومًا في معتقل دون أي رعاية. أسد الله هادي (68 عامًا) بالكاد يستطيع الحركة لكنه لا يزال سجينًا. زينب جلاليان، التي تقضي عامها السابع عشر في السجن، اشترطت وزارة المخابرات استكمال علاجها بكتابة “رسالة توبة”. ومطلب أحمديان أُعيد إلى السجن رغم حاجته لجراحة عاجلة.
لماذا الحرمان من العلاج؟
الجواب واضح: إنها وسيلة لكسر صمود السجناء السياسيين. لقد حوّل نظام ولاية الفقيه الحق في الرعاية الصحية، وهو حق إنساني أساسي، إلى أداة للضغط والابتزاز وإجبار السجناء على الخضوع. فالسجناء الذين يرفضون المساومة هم الأكثر عرضة لهذا السلاح اللاإنساني.
صمود أسطوري خلف القضبان
في مواجهة هذه الوحشية، اختار السجناء السياسيون طريق المقاومة. فعلى الرغم من الأمراض الشديدة والآلام المزمنة، يرفضون الاستسلام لمطالب النظام. لقد تحولت هذه المقاومة من مقاومة فردية إلى مقاومة جماعية، حيث يصدر السجناء بيانات مشتركة ويفضحون أوضاع زملائهم المرضى. كما أن حملات مثل “ثلاثاءات لا للإعدام” تُظهر ارتباط هذا الصمود داخل السجون بالحراك الاجتماعي في الخارج.
إن سياسة الحرمان من العلاج هي إحدى أحلك الصفحات في سجل نظام ولاية الفقيه، وهي انتهاك ليس فقط للقوانين الدولية، بل حتى لقوانينه الداخلية. لكن ما هو واضح أن هذه السياسة لم ولن تتمكن من كسر إرادة السجناء السياسيين، بل أصبحت دليلًا على ضعف النظام وتآكله، وشاهدًا على أن إرادة المقاومة أقوى من جدران السجون وأساليب القمع.
- دومينيك أتياس تستنكر إعدامات نظام الولي الفقيه وتطالب بتدخل دولي ملموس
- حراك أوروبي بوجه المشانق الإيرانية: صرخة دولية ضد الإعدامات السياسية
- أزمة إيران الوجودية: هل هي طبول الحرب أم حبال المشانق؟
- اللجنة الألمانية للتضامن مع إيران الحرة: إدانة شديدة لإعدام السجناء السياسيين ومطالبة بتحرك أممي وأوروبي عاجل
- الأسبوع الـ115 لحملة “ثلاثاء لا للإعدام”: إضراب واسع للسجناء السياسيين في 56 سجناً بإيران
- صحيفة ديلي ميل: مخاوف دولية من إصدار قضاة الموت عشرات أحكام الإعدام وسط ذعر النظام الإيراني من السقوط







