أزمة المياه في إيران: كارثة متجذرة في سياسات معادية للشعب
تُعد أزمة المياه في إيران واحدة من التحديات البيئية والاقتصادية والاجتماعية الأساسية التي وصلت في السنوات الأخيرة إلى مرحلة غير مسبوقة ومقلقة. هذه الأزمة، التي ينسبها بعض مسؤولي النظام إلى انخفاض الموارد المائية الطبيعية أو سوء استهلاك المياه، هي في الواقع متجذرة بعمق في السياسات الكلية والقرارات غير الفعالة والنهبية لنظام ولاية الفقيه. الانخفاض الحاد في مخزون السدود، والهدر الواسع للمياه في قطاعي الزراعة وشبكات التوزيع، وغياب الاستثمار في البنى التحتية، وبناء السدود العشوائي والربحي من قبل حرس النظام الإيراني، وانعدام التخطيط الوطني الفعال لإدارة الموارد المائية، كلها مؤشرات على عمق كارثة لم تؤثر فقط على الحياة اليومية للناس. وتشعر السلطة الحاكمة الآن بالقلق من أن أزمة المياه قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي.
يحذر مهدي اسماعيلي بيدهندي، الأستاذ في كلية البيئة بجامعة طهران، من هذا الأمر قائلاً: “بما أن قضية المياه في أي مجتمع مرتبطة بالأمن القومي، فيمكنها أن تكون بمثابة كعب أخيل يؤثر على مجال الأمن القومي أيضاً” (بهار نيوز، 20 يوليو 2025).
الوضع الحرج للموارد المائية
وصل وضع الموارد المائية في إيران، خاصة في العاصمة، إلى مرحلة يصفها الخبراء بـ “أسوأ وضع في المئة عام الأخيرة”. تُظهر تقارير شركة إدارة الموارد المائية الإيرانية أنه في العام المائي الحالي حتى 12 يوليو، كان مخزون سد أمير كبير ممتلئاً بنسبة 38% فقط، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 58% مقارنة بالعام الماضي. وشهد سد لار انخفاضاً بنسبة 24% حيث بلغت نسبة امتلائه 7% فقط، بينما أظهر سدا طالقان ولتيان-ماملو انخفاضاً بنسبة 32% و44% على التوالي، بنسبة امتلاء 53% و20% (هم ميهن، 21 يوليو 2025).
وأشار عيسى بزرکزاده، المتحدث باسم صناعة المياه، إلى الإجهاد المائي في مدن مثل طهران، مشهد، أصفهان، أراك، ساوه، بندر عباس، تبريز، وبانه، مؤكداً: “لتحسين وضع هذه المدن، يجب أن نتخذ تدابير عاجلة، لأن الوضع في بعض المدن، خاصة طهران، صعب للغاية” (هم ميهن، 21 يوليو 2025).
هذا الوضع الحرج في طهران دفع عباس علي آبادي، وزير الطاقة، إلى الاعتذار للشعب قائلاً: “أعتذر للناس عن انخفاض ضغط المياه في بعض المناطق؛ لا يوجد ماء وليس لدينا خيار آخر” (هم ميهن، 21 يوليو 2025). تأتي هذه التصريحات في حين كانت شركة المياه والصرف الصحي قد نفت سابقاً وجود انقطاعات في المياه، لكن الحقائق الميدانية، بما في ذلك الانقطاعات المتكررة للمياه في بعض المناطق، تُظهر عمق الكارثة.
تحذر بنفشه زهرايي، أستاذة إدارة الموارد المائية بجامعة طهران، من احتمال خروج سد ماملو من الخدمة في شهر سبتمبر وعجز سدود لار ولتيان وكرج عن توفير المياه، قائلة: “نحن على مسار أزمة مائية شاملة” (جماران، 21 يوليو 2025). وتُذكّر بتجربة همدان في عام 2022، حيث تم توفير المياه عبر الصهاريج وتوزيع المياه المعبأة بسبب الجفاف الشديد، مما وضع ضغوطاً شديدة على الحياة اليومية للناس، خاصة كبار السن والأطفال والمرضى.
جذور الأزمة في سياسات النظام
لا يمكن أن تُعزى أزمة المياه في إيران فقط إلى عوامل طبيعية مثل انخفاض هطول الأمطار أو التغيرات المناخية. يقول علي مرادي، خبير الطاقة، في هذا الصدد: “على الرغم من أن التغيرات المناخية كان لها دور في نقص المياه، إلا أن الاستخدام المفرط للموارد الجوفية، وغياب إدارة الموارد، وعدم الاستفادة من التقنيات الحديثة في إعادة تدوير المياه كانت فعالة في خلق الإجهاد المائي” (آرمان ملي، 21 يوليو 2025).
تُظهر هذه التصريحات أن السياسات الكلية لنظام ولاية الفقيه، التي ركزت على الاستغلال غير المستدام للموارد الطبيعية وتجاهل الإدارة العلمية، لعبت الدور الرئيسي في تفاقم هذه الأزمة.
أحد أبرز الأمثلة على هذا القصور هو إهمال إعادة تدوير المياه واستخدام المياه الرمادية. ينتقد مهدي إقراريان، عضو مجلس مدينة طهران، هذا الوضع قائلاً: “لقد تم التخلي عن قضية إعادة تدوير المياه لسنوات، ولم يتم الاهتمام بموضوع المياه الرمادية. عند الضغط على زر خزان المرحاض، تدخل عدة لترات من مياه الشرب إلى الصرف الصحي وتخرج من دائرة الاستهلاك” (هم ميهن، 21 يوليو 2025). يأتي هذا الإهمال في حين أنه حتى في الإدارات والوزارات والمؤسسات الحكومية، لا يتم تنفيذ أي برنامج لإعادة تدوير المياه. هذه السياسات المعادية للشعب، التي تركز على الاستهلاك المفرط وقصير الأجل للموارد بدلاً من الاستثمار في البنى التحتية المستدامة، أدت إلى تفاقم الأزمة.
التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للأزمة
عطلت أزمة المياه الحياة اليومية للناس. يعترف محسن أردكاني، المدير التنفيذي لشركة المياه والصرف الصحي في محافظة طهران: “أولئك المشتركون الذين لم يركبوا خزانات ومضخات سيواجهون بالتأكيد قيوداً مع انخفاض ضغط المياه” (نادي المراسلين الشباب، 21 يوليو 2025).
كما أكد مسعود بزشكيان، مشيراً إلى عدم التوازن المائي في طهران: “أزمة المياه أخطر مما يُتحدث عنه اليوم، وإذا لم نفكر في حل عاجل من اليوم، فسنواجه في المستقبل ظروفاً لا يمكن إيجاد أي علاج لها” (هم ميهن، 21 يوليو 2025). هذا التحذير، إلى جانب تصريحات إقراريان التي تصف طهران بأنها مدينة “مهجورة”، يُظهر غياب إرادة جادة على المستوى الكلي لمواجهة هذه الأزمة. إن سياسات نظام ولاية الفقيه، التي اعتمدت على الاستغلال قصير الأجل وغير العلمي للموارد بدلاً من التركيز على التنمية المستدامة، أوصلت هذه الأزمة إلى نقطة انفجارية.
- أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
- التضخم يبتلع موائد الإيرانيين مسجلاً 62.2%.. اقتصاد في حالة سقوط حر
- الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
- صحيفة دير ستاندرد تفضح الإمبراطورية المالية لـ مجتبى خامنئي في قلب أوروبا
- بزشكيان يعترف بـ الانهيار الوشيك.. قلب النظام ينبض بصعوبة وأي ضغط إضافي سيفجره
- اعترافات في برلمان النظام : عرقلة تفتيش الطاقة الذرية، خط الفقر يقفز لـ 50 مليون تومان، وآلاف الوفيات بسبب التلوث







