فضيحة طائرات إيرباص: كيف يحوّل النظام الإيراني العقوبات والأزمات إلى مكاسب للمقربين على حساب الشعب؟
في كشف جديد لآليات الفساد المستشري ونهب ثروات الشعب الإيراني تحت ستار الالتفاف على العقوبات، أفادت وكالة أنباء “إيلنا” المحسوبة على النظام في 25 مايو/أيار، بأن منظمة الطيران المدني الإيرانية اشترت طائرتي إيرباص A330 من الصين مقابل مبلغ فلكي قدره 116 مليون دولار لكل طائرة، رغم أن القيمة السوقية لكل منهما لا تتجاوز 30 مليون دولار. هذه الصفقة، التي تمت بغطاء التحايل على العقوبات الغربية، تسلط الضوء مرة أخرى على شبكة من التعاملات الغامضة والتربح المشبوه من قبل المتنفذين داخل النظام.
وليست هذه الحادثة معزولة، فعلى مدار العقد الماضي، كشفت تقارير عديدة في وسائل الإعلام الإيرانية والدولية كيف استغل مسؤولو النظام الإيراني وشركاؤهم العقوبات كفرصة لتحقيق مكاسب شخصية هائلة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك علي شمخاني، المستشار الأعلى للوالي الفقيه علي خامنئي، الذي تشير التقارير إلى أنه جمع مع أبنائه ثروة طائلة من خلال مبيعات النفط السرية.
صفقة إيرباص المشبوهة بالتفصيل
تم الإعلان رسمياً عن وصول طائرتي الإيرباص في 24 مايو/أيار، مع تصريح السلطات بأنهما أُضيفتا إلى أسطول الخطوط الجوية الإيرانية (هما). وكان مهرداد بذرباش، وزير الطرق والتنمية الحضرية آنذاك في إدارة إبراهيم رئيسي الهالك، قد ألمح لأول مرة إلى عملية الاستحواذ هذه في أبريل/نيسان، زاعماً أن الحكومة السابقة هي من بدأتها.
إلا أن تحقيق وكالة “إيلنا” كشف قصة مختلفة. فقد تم الحصول على الطائرتين من خلال صفقة مقايضة مع شركة صينية غامضة تدعى “هاكان إنرجي”، مقابل نفط إيراني. وأشار التقرير بقلق إلى أن “كل طائرة، تقل قيمتها عن 30 مليون دولار، تم استبدالها بنفط بقيمة 116 مليون دولار”.
ووفقاً لـ”إيلنا”، فإن لشركة “هاكان إنرجي” سجلاً مريباً. فخلال الإدارة السابقة، مُنحت الشركة مشاريع بمليارات الدولارات – بما في ذلك خطة تطوير المرحلة الثانية لمطار خميني الدولي بقيمة 2.5 مليار دولار – مقابل مشتريات نفطية. وحذر الخبراء في ذلك الوقت من أن الأرقام كانت مضخمة بشكل باهظ. وفي نهاية المطاف، تخلت “هاكان” عن مشروع المطار وفشلت في الوفاء بالتزامات أخرى، مثل كهربة خط سكة حديد طهران-مشهد، وتأمين عربات السكك الحديدية، واستيراد طائرات إضافية. ورغم اتفاق مزعوم لتوريد 55 طائرة، لم يتم تسليم سوى طائرتين فقط – وبضعف قيمتهما السوقية.
فساد تحت عباءة العقوبات وتبادل الاتهامات
تتكشف هذه الفضيحة وسط انتقادات متزايدة لوزيرة الطرق والتنمية الحضرية الحالية، فرزانة صادق، بشأن رحلتها الفاخرة الممولة من الدولة مع عائلتها إلى جزيرة كيش، وعقد بقيمة 61 تريليون تومان مع مؤسسة بابك زنجاني المثيرة للجدل. ومع ذلك، أكدت “إيلنا” أن صفقة إيرباص وُقعت تحت قيادة بذرباش، قبيل مغادرته منصبه. وقد دافع الأخير منذ ذلك الحين عن هذه الخطوة باعتبارها محاولة لتسهيل واردات الطائرات من قبل القطاع الخاص. لكن السؤال الذي يبقى بلا إجابة هو لماذا لم تختر الوزيرة صادق إلغاء أو إعادة التفاوض بشأن صفقة منحازة بشكل واضح ضد المصلحة الوطنية الإيرانية.
نظام قائم على الاستغلال والنهب الممنهج
بينما يلقي مسؤولو النظام باللوم بشكل متكرر على العقوبات الغربية في انتشار الفقر بين الإيرانيين العاديين، فإن صفقات مثل صفقة إيرباص تروي قصة مختلفة. فخلف الكواليس، يبدو أن شبكة من الوسطاء التابعين للدولة، والمؤسسات الأمنية، وما يسمى بالشركات الخاصة، تستفيد بشكل هائل من ذات العقوبات التي تدينها علناً.
يجادل الخبراء بأنه في الظروف العادية، كان من الممكن شراء طائرات إيرباص مستعملة من السوق المفتوحة بأقل من 30 مليون دولار لكل منها. ولكن في نظام يفتقر إلى الشفافية والمساءلة – حيث يتم تنظيم صفقات مقايضة النفط بالسلع في سرية تامة – فإن المستفيدين الرئيسيين هم الوسطاء المرتبطون ارتباطاً وثيقاً بمراكز القوة.
ومنذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما اشتدت العقوبات، هيمنت منظمات مثل “مقر خاتم الأنبياء للإعمار” التابع لحرس النظام الإيراني، و”هيئة تنفيذ أمر الإمام الخميني (ستاد إجرايي)”، ومختلف المؤسسات الدينية على الاقتصاد الموازي في إيران. وقد أدت أنشطتها، التي تم تأطيرها كجهود لتجاوز العقوبات، إلى تغذية الفساد الممنهج وخلق طبقة جديدة من “المتربحين من العقوبات”. هؤلاء الفاعلون، الذين يتمتعون بتأثير مباشر على صنع السياسات، لديهم كل الحوافز للحفاظ على الوضع الراهن.
قضية علي شمخاني كنموذج فاضح
ولعل أبرز مثال على هذه الديناميكية هو الثروة الهائلة وغير المبررة التي جمعها علي شمخاني وعائلته. فقد فصلت العديد من وسائل الإعلام الموثوقة – بما في ذلك رويترز، وبلومبرغ، والعربية – كيف أثرى آل شمخاني أنفسهم من خلال صفقات نفط سرية، وترتيبات مقايضة غامضة مع شركات من شرق آسيا، ومناورات مالية أخرى مصممة لإخفاء المستفيدين الحقيقيين. ما تؤكده هذه الاكتشافات هو أن العقوبات لم تفشل فقط في كبح جماح قوة النظام – بل تم إعادة توظيفها كنموذج عمل مربح لنخبة إيران الحاكمة.
إن صفقة إيرباص ليست مجرد حالة سوء إدارة مالية أو سوء تقدير؛ بل هي رمز لنظام فساد أوسع نطاقاً ومتجذر بعمق. فتحت ذريعة المقاومة الاقتصادية والاعتماد على الذات، يواصل المتنفذون داخل النظام استغلال الأزمات الوطنية للإثراء الشخصي – بينما يتحمل الإيرانيون العاديون وطأة الفقر والعزلة.
وطالما بقيت هذه البنية التحتية الفاسدة قائمة، فإن العقوبات لن تكون رادعاً، بل ستمكّن امتيازات النخبة والنهب الممنهج على حساب شعب بأكمله.
- أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
- التضخم يبتلع موائد الإيرانيين مسجلاً 62.2%.. اقتصاد في حالة سقوط حر
- الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
- صحيفة دير ستاندرد تفضح الإمبراطورية المالية لـ مجتبى خامنئي في قلب أوروبا
- بزشكيان يعترف بـ الانهيار الوشيك.. قلب النظام ينبض بصعوبة وأي ضغط إضافي سيفجره
- اعترافات في برلمان النظام : عرقلة تفتيش الطاقة الذرية، خط الفقر يقفز لـ 50 مليون تومان، وآلاف الوفيات بسبب التلوث







