728 x 90

انتفاضة إیران: تصاعد حدة الانكسار وظهور بوادر الانهیار في کافة أرکان النظام

  • 12/15/2019
حديث اليوم
حديث اليوم

هزّت إنتفاضة الشعب الإیراني في نوفمبر المنصرم جمیع أرکان النظام وعمّقت تصدّعاته وانقساماته الداخلیة ودفعته إلی حافة الانهیار والسقوط.


تسارع في عملیة انهیار هیکل النظام وبنیته التحتیة


أحد أهمّ التداعیات الملموسة لانتفاضة نوفمبر هو تسارع عملیة انهیار النظام من رأسه إلی ذیله.
اعترف ممثل خامنئي في مدینة "مشهد" المعمم "علم الهدی" في خطاب ألقاه بمناسبة أسبوع الباسیج (27 نوفمبر)، بالتساؤلات والشکوك التي تثیرها كوادر قوات النظام المقربة إلی خامنئي و الذین «ثبت حبّهم وولائهم لخامنئي» علی حد تعبیره: لماذا دعم خامنئي زیادة أسعار البنزین؟
رأينا مثالاً على «عشّاق ولایة الفقیه» في الفضاء الإلكتروني! حیث قام أحد عناصر الباسیج ووقف في وجه المعمم الجلّاد "رئیسي" خلال خطابه في 7 ديسمبر قائلاً: «إذا قال قائدٌ إنّه یجب علی السلطات أن تردّ، فيجب علیه أن یكون هو أول من يردّ».
وأشارت التقارير أیضاً إلى أنّ قواعد الباسيج كانت فارغة وأنّ عضویة معظم عناصر الباسيج صوریة لا تتعدی الورق، وخلال الانتفاضة لم یکن لهم مشارکةً فعّالة. بینما خامنئي کان قد بنی آماله علیهم وعلی حمایتهم المستمیتة للنظام في حال تعرّضه إلی أي خطر محتمل.

ينطبق الأمر نفسه على قوات الحرس التي اضطرت إلی الاعتماد على القوات الخاصة خلال الإنتفاضة.

التصدّع والانهیار في رأس النظام


لم یقتصر التهالك وظهور التصدّعات والانهیارات على البنیة التحتیة للنظام وقواته فحسب بل أنه شمل رأس النظام وأعلی طبقاته.
يُعدّ إعلان انسحاب "علي لاريجاني" رئیس مجلس الشوری الإیراني، من خوض سباق الانتخابات التشریعیة المقبلة بعد رئاسته لمجلس الشوری لثلاث فترات (12 سنة)، مؤشراً خطيراً على التهالك الذي یشهده رأس النظام.

خاصة وأن "لاریجاني" كان قد أکدّ أنه لا ینوي الترشّح للانتخابات الرئاسية، كما أعلن أعضاء بارزون آخرون في مجلس الشوری مثل "فلاح بيشة" الرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الرجعي الإیراني، و"محمد رضا عارف" رئيس عصابات الإصلاحيین في مجلس الشوری، وبعض الأعضاء الحاليين أنهم لا يعتزمون الترشّح للانتخابات.
عقب الانتفاضة الشعبیة العارمة وفي الأیام الأخیرة، تجّلت ظاهرة الانهیار داخل النظام الإيراني في الابتعاد المتزاید عن "المرکز" (النظام).

نتیجة لذلك أصبحت أجواء مجلس الشوری لنظام الملالي تستحضر أجواء برلمان نظام الشاه بعد أحداث "الجمعة السوداء" في 8 سبتمبر 1978 التي راح ضحیتها الآلاف من الإیرانیین علی أیدي قوات الشاه القمعیة:
أحد أعضاء مجلس الشوری یُدعی "محمود صادقي" یقول: «یجب علی کل من أمرَ أو شارك في سفك دماء الأبریاء أن یردّ بشأن إراقة الدماء والأضرار الجسدیة والمالیة التي لحقت بالناس».
وتقول "بروانه سلحشوري": «صنّاع القرار والمسؤولون لا یعرفون شیئاً عمّا یجري في المجتمع. نحن مسؤولون عن الأمّهات الحزینات».
ویحذّر "إبراهیمي" من أنّ «الضغط الاقتصادي قد قلّص قدرة الناس علی التحمّل إلی أبعد حدٍ».
ویدعو "علی مطهري" إلی حلّ مجلس التنسیق الاقتصادي للسلطات الثلاث فقد «اثبتوا أنهم لا یسیطرون علی نبض المجتمع».
من الواضح أنه في ظلّ الاستبداد المطلق للولي الفقیه، فإنّ إثارة الاستفهامات والشکوك حول رؤساء السلطات الثلاث الذین یشکّلون أقوی سلطة حاکمة في إیران بعد سلطة الولي الفقیه، هو في الواقع یمسّ الولي الفقیه نفسه مباشرة ویثیر حوله علامات استفهام کثیرة.

وقد فَقدَ الولي الفقیه قدسیته المزعومة بین أنصاره عقب إنتفاضة 2018، وجاءت إنتفاضة نوفمبر 2019 لتقضي تماماً علی شعبیته وقدسیته المزیّفة حتى عند "عشّاق ولایة الفقیه".

في هکذا أجواء متشنّجة داخل النظام، تتجرأ العناصر الهامشیة کـ "مصطفی تاج زاده" مساعد وزارة الداخلیة في حکومة الملا "خاتمي"، علی أن یستهدف خامنئي ویطالب بالإطاحة به في إشارته إلی أنّ «القیادة والرئاسة یجب دمجهما في منصب واحد واختیاره بشکل دوري».
بالطبع كل هؤلاء یهدفون إلى إنقاذ النظام والمحافظة عليه کما هم یؤکّدون. لكن بعضهم ممن رأوا بوضوح أنّ النظام آیل للسقوط دون أدنی شك في ظل الانتفاضة المتأججة، یحاولون إنقاذ أنفسهم من السقوط في الهاویة أکثر مما یحاولون إنقاذ النظام المتهالك.
على أي حال فإنّ انتفاضة نوفمبر، خاصة مع إصدار أمر فتح النار علی المتظاهرین وقتلهم من قبل خامنئي سواء أكان خطأً استراتيجياً أم إرغاماً استراتيجياً، قد أدّت إلی تغییرات لا رجعة فيها في المجال الاجتماعي والسياسي في إيران، وشكّلت حرکات ستؤدي إلى انهيار النظام وسقوطه الحتمي.
مسرحیة الانتخابات القادمة بدورها ستسرّع عملية السقوط بغض النظر عن أي قرار سیتّخذه خامنئي لاستبعاد العصابات المتنافسة أو الاحتفاظ بها.