لا مكان للمساومة والابتذال: مسار الخلاص الوطني يتعزز تحت راية «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه»
تفتح تجربة ثورة فبراير 1979 في إيران آفاقاً نظرية وعملية بالغة الأهمية حول الماهية الحقيقية للثورات وآليات التحول الاجتماعي وجدلية الانتقال التاريخي؛ فبالنسبة للمراقبين السطحيين والتحليلات المتسرعة، كان يُنظر إلى انهيار استبداد نظام الشاه بوصفه نهاية المطاف وتحقيقاً ناجزاً للهدف المنشود، في وهم صوّر أن التظاهرات العفوية كافية لتجاوز الحاجة إلى التنظيم الراسخ والبرنامج الثوري الشامل. غير أن القراءات الجذرية والمبكرة التي طرحتها حركة مجاهدي خلق وقائدها مسعود رجوي منذ الأشهر الأولى التي تلت إسقاط الشاه، كشفت بوضوح أن إسقاط قمة الهرم السياسي لا يعني بالضرورة وقوع الثورة الاجتماعية؛ محذرة من أن غياب الوعي والتنظيم الطليعي هو الثغرة التاريخية التي مكنت التيارات الارتجاعية بزعامة المقبور خميني من ركوب الموجة وسرقة تضحيات الجماهير لإعادة إنتاج الاستبداد بصيغة ثيوقراطية أشد فتكاً.
ضرورة تاريخية للبديل الديمقراطي: كيف واجهت المقاومة الإيرانية فخ تكرار الاستبداد وسرقة الثورات؟
يستعرض المقال دروس الثورات الإيرانية، مؤكداً أن غياب بديل ديمقراطي واضح قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الاستبداد ومصادرة إرادة الشعب. ويسلط الضوء على خطة المقاومة الإيرانية للمرحلة الانتقالية، بما فيها إجراء انتخابات حرة وتشكيل مجلس تأسيسي، وبناء جمهورية ديمقراطية تعددية تضمن الحريات والمساواة وسيادة الشعب، وترفض عودة أي شكل من أشكال الدكتاتورية.
التطور القانوني وجدلية «تغيير الإنسان والمجتمع»
تنطلق الرؤية الاستراتيجية للمقاومة الإيرانية من حقيقة أن المجتمعات البشرية في مسارها التاريخي تتصرف كالكائنات الحية الخاضعة لقوانين التطور النوعي؛ فلا يمكن لأي ظاهرة اجتماعية أو طبيعية القفز فوق مراحل نضجها الضرورية. ومن هذا المنطلق، لا يُقاس التحول الجذري بمجرد إزاحة الشخوص الحاكمة وتبديل الوجوه في قمة السلطة؛ إذ يوضح مسعود رجوي أن جوهر الثورة وقضيتها الأولى يتمثلان في «تغيير الإنسان الاجتماعي والمجتمع الإنساني»، وهو تحول لا ينبثق فجأة بين عشية وضحاها ولا يتحقق بالقفز على المراحل الحتمية؛ ولذلك شهدت البلاد سقوط نظام الشاه دون أن تنعكس التغييرات المنشودة في عمق البنية الاجتماعية.
ويشبه هذا المسار التراكمي مراحل نمو الكائن الحي من الطفولة حتى البلوغ؛ فرغم أن التاريخ لا يفرض قالباً متطابقاً بحذافيره على كل التجارب الإنسانية، إلا أن هناك محطات واستحقاقات بنيوية لا مناص لأي مجتمع يسعى للتحرر من عبورها. وبالتالي، فإن أي مجتمع يكتفي بهدم الهيكل الشكلي للسلطة القديمة قبل نضوج مؤسساته الثورية ووعيه الجمعي المستقل، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام إعادة إنتاج علاقات الاستبداد السالف ذاتها، وإن تدثرت بأقنعة ولافتات مستحدثة.
«كورة الثورة» ومواجهة الانحراف الارتجاعي
تؤكد الدروس المستخلصة من تجربة عام 1979 أنه حينما لا يتجذر التغيير في الوعي والسلوك الطبقي للجماهير، فإن الرواسب الثقافية والاقتصادية للنظام المنهار تعود للتسلل في صور شتى من الانحراف، والخمول السياسي، والرياء العام. إن المجتمع يحتاج إلى الصهر المستمر في «كورة التحولات الثورية» الحامية؛ لتنقيته من كافة أشكال التبعية للمنظومة القديمة، والتي تبرز على هيئة فرصية وعوائق سياسية تكبح التطور وتصادر النقاء الثوري.
وقد أثبتت الوقائع أن الاكتفاء بالوجود المؤقت في الشوارع دون قيادة واعية وبرنامج دقيق يفتح الأبواب واسعة أمام العناصر الانتهازية لتصدر المشهد العام؛ ما يقود إلى شيوع التضليل، واستغلال المشاعر الدينية والتقليدية لتمرير سياسات القهر، وتهميش الأهداف التحررية الأصيلة. إن التغاضي عن الانضباط التاريخي هو الذي قاد البلاد تاريخياً إلى سيطرة الابتذال والغوغائية على مفاصل القرار، مما مهد لظهور ديكتاتورية جديدة أجهضت آمال التغيير.
الركائز الإيجابية لـ «الثورة الديمقراطية الجديدة» وحتمية التنظيم
يستند الانتقال نحو مجتمع حر ومستقل إلى حزمة من الشروط الموضوعية والمؤسسية التي تتجاوز إطلاق الشعارات العامة؛ إذ يتطلب بناء الديمقراطية المستدامة إعادة صياغة جذرية للبنى الاقتصادية والاجتماعية عبر مسارات محددة:
تقليص الفوارق الطبقية: إشراك القوى المنتجة الحقيقية من العمال والفلاحين وسائر الكادحين في تقرير مصير البلاد وتوزيع الثروة بعدالة.
إعادة صياغة أدوات القوة العامة: تحويل الأجهزة الأمنية والعسكرية من أدوات لقمع الفئات الضعيفة وحماية السلطة إلى قوة شعبية نابعة من إرادة المجتمع وخادمة لأمنه الوطني، بديلاً عن التشكيلات القمعية كـ «حرس النظام الإيراني».
توسيع الديمقراطية التشاركية: ترسيخ المجالس الشعبية والمؤسسات القاعدية كإطار حقيقي لصنع القرار وضمان رقابة المواطنين على السلطة.
صيانة الحريات الديمقراطية: تطهير الصفوف من النزعات المساومة والارتجاعية، وضمان التعددية السياسية وفصل الدين عن الدولة.
إن تنفيذ هذا المشروع الشامل يفرض الابتعاد الكامل عن المغامرات العشوائية والخطوات المتسرعة؛ فالثورة ليست عملاً مزاجياً، بل هي مسار تاريخي منضبط يتطلب المضي بثبات وصبر لقطع الطريق على الخداع السياسي والالتفاف على إرادة الجماهير.
وتشكل استعادة هذه الأسس النظرية في خريف عام 2026 دليلاً قاطعاً على أن إسقاط الاستبداد الحاكم لا يمكن أن يكتمل إلا عبر المقاومة المنظمة والواعية؛ حيث يواصل المجتمع الإيراني حراكه الميداني ووقفاته الاحتجاجية رافضاً العودة إلى استبداد نظام الشاه أو القبول ببقاء دكتاتورية الولي الفقيه، مردداً في الساحات والمصانع والجامعات الشعار الإستراتيجي الحاسم: «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه»، ومؤكداً أن الدماء الزكية التي قُدمت على طريق الحرية لن ترضى بغير التأسيس الحقيقي لـ «جمهورية تعددية مستقلة قائمة على سيادة الشعب».
- لا مكان للمساومة والابتذال: مسار الخلاص الوطني يتعزز تحت راية «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه»

- مريم رجوي: لو كان للنظام الإيراني أدنى درجات الاستقرار لما لجأ إلى الإعدامات

- بريطانيا تنهي استثناءات 4 بنوك إيرانية وشركة تأمين.. وتضيق الخناق المالي على برنامج طهران النووي

- بوب بلاكمان في إكسبريس اللندنية: توقيف خلايا النظام في بريطانيا يثبت فشل الاسترضاء

- لقاء قاليباف ومجتبى خامنئي يكشف هواجس النظام الإيراني من انفجار الغضب الشعبي

- ثلاثاء لا للإعدام.. حراك متصاعد لكسر آلة القتل وهزّ ركيزة بقاء نظام الولي الفقيه


