صناعة الأزمات وتجارة الحروب: كيف فشلت بروباغندا الولي الفقيه في تخدير الوعي الجمعي؟
تكشف حمى الصراعات وتبادل الاتهامات المتصاعدة بين أجنحة السلطة في طهران عن انهيار كامل لمنظومة البروباغندا التي بنتها الفاشية المتسترة بعباءة الدين لعقود، في محاولة يائسة لتطويع الوعي الجمعي وإخضاع المجتمع عبر فزاعات الحرب و الأزمات المصطنعة. إن لجوء ماكينة الدعاية التابعة لبيت الولي الفقيه إلى تعليق كوارث الانهيار الاقتصادي، والنهب الممنهج، والفساد الهيكلي على مشجب الظروف الاستثنائية والحروب، لم يعد يجدي نفعاً أمام مجتمع تخطى حاجز الترويض النفسي؛ حيث تحولت أدوات التضليل نفسها إلى وقود إضافي يشعل الغضب الشعبي، ويضع أركان النظام أمام مأزق تاريخي يعكس وصول أدوات السيطرة الأيديولوجية والنفسية إلى طريق مسدود.
تهديدات إيجئي تكشف ذعر نظام الملالي من انفجار بركان الشارع
كشفت تحذيرات رئيس السلطة القضائية للنظام، غلام حسين محسني إيجئي، وإعلانه حالة الاستنفار الأمني خلال اجتماع المجلس الأعلى للقضاء، عن عمق الرعب والذعر الذي يعتري أركان الحكم من اندلاع انتفاضة شعبية جديدة. وتؤكد هذه التهديدات إفلاس العصا الأمنية أمام غليان الشارع وجيش الجياع، وتحوّل القضاء إلى مجرد أداة قمعية تابعة لمكتب الولي الفقيه هدفها ترهيب المجتمع عبر تصعيد الإعدامات والملاحقات.
سيكولوجيا الهيمنة على العقول.. السقوط من الترويض إلى العنف العاري
في مقاربته التأسيسية حول آليات السلطة السياسية، يؤكد المفكر السياسي فرانز نويمان أن السلطة الساعية للهيمنة المطلقة تضطر لاستحداث استجابات عاطفية أو عقلانية لدى المحكومين لحملهم على الامتثال لأوامرها، محذراً من أن عجز المنظومة الحاكمة عن توليد هذه الاستجابات يدفعها حتماً إلى اللجوء للعنف العاري وسفك الدماء.
هذه القاعدة الأكاديمية تتجلى اليوم بأوضح صورها في المشهد الإيراني؛ حيث استنفد نظام الملالي كافة ترسانته من التضليل، والشعارات الدينية الزائفة، والمناورات الخطابية لإقناع المجتمع بشرعية وجوده أو تحميل الأعداء وزر إفلاسه البنيوي. ومع فشل هذه الهندسة النفسية في تدجين عقل المجتمع الواعي، تجد السلطة نفسها مجردة من أي غطاء سوى الاعتماد المباشر على بنادق القمع والإرهاب الميداني.
أرقام تفضح الأكذوبة.. التضخم المصنوع كأداة لابتزاز الشارع
أسقطت اعترافات المحللين والخبراء الاقتصاديين من داخل منظومة الحكم نفسها ورقة التوت عن مزاعم النظام؛ فالأرقام تثبت أن الانهيار المعيشي لم يكن نتاج تداعيات عسكرية طارئة، بل كان مخططاً مدبراً أدارته مافيات النهب المنظم المرتبطة بمؤسسات السلطة.
فقد كشفت البيانات والتقارير التحليلية المتداولة مؤخراً في طهران أن قفزات التضخم الكارثية جرى التأسيس لها عمداً قبل أي تصعيد خارجي؛ حيث جرى دفع تضخم السلع الغذائية ليتجاوز حاجز الـ 105%، وقفز معدل التضخم النقطي من 30% إلى قرابة 70% في فترات لم تكن تشهد أي حالة حرب. هذه المعطيات تفضح حقيقة أن كارتيلات الثروة التي تهيمن على البنك المركزي، والوزارات الاقتصادية، ومراكز التشريع، هندست عمليات غلاء فاحش ونهبت جيوب المواطنين، ثم حاولت توظيف مناخ التوتر الإقليمي كغطاء سياسي لتبرير جرائمها الاقتصادية وصرف الأنظار عن مسؤوليتها المباشرة.
تشظي أجنحة الحكم.. صراع اللصوص عند حافة الإفلاس
لم يعد الصخب الإعلامي الدائر حول المفاوضات وأجواء الحرب قادراً على حجب حقيقة الصراع الدموي الدائر في كواليس السلطة؛ فتقاسم التهم وتحميل المسؤوليات بين المسؤولين الحاليين والسابقين يعكسان ذعر اللحظات الأخيرة.
إن الأطراف المتحكمة في مراكز القرار المالي والتشريعي—والتي تدير الاقتصاد الموازي لصالح إمبراطوريات النهب التابعة لمكتب الولي الفقيه وشبكات حرس النظام الإيراني—تجد نفسها اليوم عاجزة عن إدارة الأزمة التي صنعتها بنفسها. هذا التلاوم العلني والارتباك الإستراتيجي ليسا سوى انعكاس لعمق التآكل الداخلي؛ حيث لم تعد أدوات الترقيع قادرة على جسر الهوة بين مراكز القوى المتصارعة على ما تبقى من عوائد النهب الوطني، في ظل إدراك الجميع أن السفينة توشك على الغرق.
استعصاء الوعي المجتمعي.. الغليان الأكبر في نصف قرن
جاءت الاعترافات الصريحة الصادرة عن مراكز الرصد والبحث في الداخل، والتي أقرت بأن مستوى السخط الشعبي اليوم غير مسبوق في تاريخ إيران الحديث على مدى نصف قرن، لتؤكد أن المجتمع الإيراني بات عصياً على أي شكل من أشكال الاستلاب الفكري أو التخدير الأيديولوجي.
لقد راكم الشارع الإيراني عبر عقود من الألم فهماً دقيقاً لآليات الفاشية المطلقة؛ فأدرك أن جذور الفقر، والتهميش، وتدمير العملة الوطنية لا تنفصل عن طبيعة النظام الاستبدادي القائم على الفردية المطلقة واحتكار القرار. هذا الإدراك حوّل ملايين المحرومين إلى طليعة واعية ترفض الانخداع بمناورات الأزمة والحرب، وتضع رأس النظام ومؤسساته في قفص الاتهام المباشر والوحيد.
حرب الذئاب تتصاعد في قمة النظام الإيراني رغم أوامر مجتبى خامنئي بالوحدة
تشهد قمة هرم السلطة تصاعداً عنيفاً في «حرب الذئاب» بين أجنحة الحكم المتصارعة، على الرغم من دعوات وأوامر الولي الفقيه الجديد مجتبى خامنئي بضرورة رصّ الصفوف وإظهار التماسك. ويعكس تبادل التخوين والاتهامات الحادة بين البرلمان وحكومة بزشکیان وأبواق حرس النظام عجز المنظومة الحاكمة عن رتق شروخ القمة في ظل ترقب مرعب لانفجار الغضب الشعبي وتفاقم الانهيار الاقتصادي.
إن عجز نظام الملالي عن إخضاع عقل المجتمع الإيراني يمثل الهزيمة الإستراتيجية الكبرى التي تمهد لسقوطه النهائي؛ إذ أثبتت الوقائع أن فزاعة الحروب المصطنعة لم تعد قادرة على لجم غضب جيش الجياع الذي قرر استعادة وطنه المنهوب. إن صلب المشهد يؤكد أن وعي الشارع المقاوم أسقط كافة أوهام الإصلاح من الداخل ومسرحيات تقاسم الأدوار، ليجعل من إسقاط منظومة الاستبداد برمتها خياراً حتمياً تقوده وحدات المقاومة في الميدان. لقد حسم الشعب الإيراني بوصلته السياسية والتاريخية بوعي كامل لا رجعة فيه، مجسداً شعاره الحاسم: «لا للشاه ولا للولي الفقيه»، ليؤكد أن مسار التحرر لن يتوقف حتى كنس أركان الفاشية المتسترة بعباءة الدين وإرساء جمهورية دموكراتية، تعددية، ومستقلة تصون كرامة الإنسان وثروات الوطن.
- سجينتان سياسيتان: المشانق لن تخمد روح المقاومة.. وشعلة وحدات المقاومة ستحرق الاستبداد

- معادلة لا مساومة فيها بوجه الشاه ونظام الملالي: من جيل المشانق إلى شعلة وحدات المقاومة

- صناعة الأزمات وتجارة الحروب: كيف فشلت بروباغندا الولي الفقيه في تخدير الوعي الجمعي؟

- السجينة السياسية بريسا كمالي من سجن يزد:رسالة في ذكرى 61 لتأسيس منظمة مجاهدي خلق

- بيرو تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع النظام الإيراني

- إصدار أحكام بالإعدام على 11 من معتقلي انتفاضة يناير في أصفهان بينهم امرأتان


